⚖️ المحامي والقانون ⚖️(ركائز العدالة للمعرفة القانونية)
الذهاب إلى القناة على Telegram
⚖️منصة قانونية رصينة للقاضي والمحامي والباحث القانوني، ولكل من يُعلي سلطان القانون ويبتغي الحق والعدالة القانون يجمعنا🇾
إظهار المزيدلم يتم تحديد البلدالفئة غير محددة
2 376
المشتركون
+224 ساعات
+287 أيام
+16330 أيام
أرشيف المشاركات
شرح_قانون_ايجار_الاماكن_سليمان_مرقس_ج_1.pdf6.94 MB
📚 بحث وتعليقات على الاحكام في المسئوليه المدنيه وغيرها من موضوعات القانون المدني
✍ إعداد الأستاذ الدكتور / سليمان مرقس
أستاذ ورئيس قسم القانون المدني
بكلية الحقوق جامعة القاهرة سابقاً
ورئيس قسم البحوث والدراسات القانونية والشرعية بمعهد البحوث والدراسات العربية
والمحامي لدى محكمة النقض
👩💼جمع وتنسيق/ هدي النمير
المحامية
ودبلوم الدراسات العليا في القانون الخاص والقانون الجنائي
اصول الاثبات واجراءاته في المواد المدنية في القانون المصري مقارنا بتقنينات سائر البلاد العربية
الجزء الاول
الادلة المطلقة
تأليف الدكتور سليمان مرقس
رئيس قسم القانون المدني بكلية الحقوق بجامعة القاهرة
------------------------------------
⚖️ فقيه مدني خفت اسمه، وبقي أثره
الأستاذ الدكتور سليمان مرقس
حين ينصف العلم صاحبه ولو تأخرت الشهرة
تخفت شهرة الفقيه، لكن أثره لا يخفت بالضرورة.
بعض الأسماء لا تعود حاضرة في التداول القانوني كما كانت، غير أن كتبها وأفكارها تظل حاضرة في تكوين العقل القانوني لمن يقرأها بإنصاف.
والأستاذ الدكتور سليمان مرقس أحد هذه الأسماء.
فقيه مدني بارز، وأستاذ للقانون المدني ورئيس قسمه بكلية الحقوق بجامعة القاهرة سابقا، ومحام لدى محكمة النقض، امتد مشروعه العلمي إلى عدد من أهم مباحث القانون المدني، وفي مقدمتها المسؤولية المدنية، ومصادر الالتزام، والعقود، والإثبات، والحقوق العينية.
لكن قيمة سليمان مرقس لا تقاس بعدد كتبه، ولا بضخامة مجلداته؛ وإنما بما تركه وراءها من طريقة في النظر.
فلم يكن همه أن يشرح القانون كما هو، بل أن ينفذ إلى منطقه، وأن يضع النص في موضعه بين التشريع والفقه والقضاء والتطبيق.
كان يقرأ النص في ضوء أصله، ويقرأ القاعدة في ضوء تطبيقها، ويقرأ الحكم القضائي باعتباره مادة للفقه لا خاتمة للبحث؛ ويستفيد من المقارنة لا لتكديس الآراء، وإنما لاختبار الحل القانوني وتمييز وجوه القوة والقصور فيه.
ومن هنا اكتسب مشروعه العلمي قيمته.
ويكفي أن نتأمل كتابه (الوافي في شرح القانون المدني) لندرك اتساع هذا المشروع؛ فقد تناول فيه جوانب متعددة من النظرية العامة للالتزام، والعقود، والفعل الضار والمسؤولية المدنية، وغيرها من مباحث القانون المدني، وظل الكتاب حاضرًا في المكتبة القانونية العربية عبر طبعات متعددة.
ولم يقف عطاؤه عند الشرح المدني العام؛ فقد أفرد للإثبات دراسة واسعة في كتابه (أصول الإثبات وإجراءاته في المواد المدنية)، مؤسسًا معالجة تقوم على أصول المسألة وحدودها وآثارها، لا على مجرد سرد أحكامها.
ولهذا لم تكن مؤلفاته مجرد شروح مطولة للنصوص، بل كانت جزءا من مشروع أراد أن يجعل من الفقه المدني بناء متصلا؛ تتجاور فيه النظرية مع التطبيق، والتأصيل مع القضاء، والقانون مع التجربة المقارنة.
وهنا تظهر قيمة الفقيه الذي يستحق أن يبقى:
لا يكتفي بأن يقول لك: ما حكم المسألة؟
بل يدفعك إلى أن تسأل:
لماذا كان هذا حكمها؟ وما حده؟ ومتى يتغير؟ وكيف يطبق؟
وهذه هي المعرفة التي يحتاجها رجل القانون.
فالمحامي لا تكفيه معرفة الحكم، والقاضي لا يغنيه حفظ النص، والباحث لا يكتمل علمه بجمع الأقوال.
كل هؤلاء يحتاجون إلى فقه يعلمهم كيف يفكرون.
ومن هذه الزاوية، يستحق سليمان مرقس أن يقرأ اليوم لا بوصفه اسما من أسماء الماضي، بل بوصفه جزءا من التراث الذي أسهم في تشكيل العقل المدني العربي.
فقد تتغير النصوص، وتتبدل التقنينات، وتتطور الأحكام؛ أما الملكة التي يصنعها الفقه الرصين في عقل رجل القانون، فذلك أثر أبقى من النص نفسه.
سليمان مرقس...
اسم قد لا يكون من أكثر الأسماء تداولا اليوم، لكن أثره في الفقه المدني العربي أكبر من أن يختزل في شهرة الاسم.
⚖️ الأستاذ الدكتور سليمان مرقس
فقيه مدني جدير بأن يستعاد أثره قبل أن يستعاد اسمه.
تنويه:
سيتم نشر العديد من مؤلفاته على قناتنا هنا بصيغة pdf
✒️⚖️ المحامي والقانون - ركائز العدالة للمعرفة القانونية
https://t.me/The_lawyer_and_the_lew
#سليمان_مرقس
#القانون_المدني
#رجال_القانون
#كلية_الحقوق
#المكتبة_القانونية
#الثقافة_القانونية
#المحامي_والقانون
⚖️ من يستحق أن يسمى (فقيها قانونيا)؟
في الوسط القانوني، ثمة ألقاب تكثر على الألسن حتى تكاد تفقد شيئا من دلالتها، غير أن لقب (الفقيه) ليس من الألقاب التي ينبغي أن تمنح بسهولة.
فليس كل أستاذ قانون فقيهًا، ولا كل دكتور، ولا كل مؤلف، ولا كل قاضٍ أو محامٍ ذائع الصيت.
فالأستاذية مرتبة أكاديمية، والقضاء وظيفة، والمحاماة مهنة، والتأليف نشاط علمي؛ أما الفقاهة القانونية فمرتبة أخرى، لا يصنعها المنصب، ولا تثبتها الشهرة، وإنما يصنعها رسوخ العلم، واستقلال النظر، وأصالة الإضافة، وامتداد الأثر.
فما الفقيه إذن؟
الفقيه لا يعرف ماذا يقول النص فحسب؛ بل يسأل: لماذا قاله؟ وما أصله؟ وما علته؟ وما منطقه؟ وما موقعه من البناء القانوني كله؟
لا يقف عند ظاهر العبارة، بل ينفذ إلى ما وراءها؛ يفسر، ويؤصل، ويحلل، ويربط الجزئيات بأصولها، ويكشف مواطن الغموض والنقص، ويمحص الآراء التي سبقته، فيناقش أدلتها، وينقدها، ويرجح بينها.
ولا يكون أسيرًا لما قاله السابقون؛ فاحترام التراث العلمي لا يعني تكراره، كما أن مخالفته لا تكون فضيلة في ذاتها.
إنما قيمة الفقيه في قدرته على أن يحاور ما سبقه بعقل علمي، ثم يضيف ما يستحق أن يبقى.
وهنا يظهر الفارق بين الشارح والفقيه: فالشارح يبين ما قاله القانون، أما الفقيه فيكشف منطقه، وأصوله، ومآلاته، وما يمكن أن يُبنى عليه.
ولهذا لا تقاس الفقاهة بكثرة المؤلفات وحدها. قد يكون الرجل غزير التأليف، واسع الشهرة، رفيع المنصب، ومع ذلك لا يترك في الفكر القانوني إضافة تقارب كثرة ما كتب.
وقد يحدث العكس تمامًا؛ فيكون لرجل كتاب واحد، أو بحث واحد، أو رأي واحد، من القوة والأصالة ما يغير طريقة النظر إلى مسألة كاملة، فيبقى أثره أبعد من أثر صاحب عشرات المؤلفات.
فالعبرة ليست بحجم ما كتب، وإنما بقيمة ما أُضيف.
ثم يأتي المعيار الذي يحسم المسألة: الأثر.
هل أصبحت آراؤه محل رجوع؟
هل ترك تأصيلًا أصيلًا، أو نظرية، أو اتجاهًا، أو تفسيرًا مؤثرًا؟
هل أعاد بناء مسألة قانونية بحيث أصبحت تُفهم من خلال ما قدمه؟
هل امتد أثر علمه إلى القضاء أو التشريع أو البحث أو التعليم أو الممارسة القانونية؟
وهل بقي من فكره ما يقرأه القانونيون بعده، ويختلفون معه فيه، ويبنون عليه، ويعودون إليه؟
فإذا كان الرجل يعرف القانون ويشرح نصوصه، فهو متخصص. وإذا كان يفسر ويحلل ويمحص وينقد، فقد بلغ مرتبة أعلى في النظر القانوني.
أما إذا استطاع أن ينتج معرفة قانونية أصيلة، ويترك فيها أثرًا يتجاوز شخصه وزمنه، فهنا تبدأ الفقاهة بمعناها الحقيقي.
وهنا تحديدًا ينبغي أن نكون أكثر احتياطًا عندما نصف شخصًا بأنه «من فقهاء القانون في الوطن العربي».
فالمكانة الوطنية لا تتحول تلقائيًا إلى مكانة عربية.
أن يكون العالم مرجعًا في بلده أمر جليل، لكن وصفه بأنه فقيه قانوني عربي يقتضي أن تتجاوز إضافته حدود بيئته الأصلية، وأن يصبح فكره حاضرًا في المعرفة القانونية العربية المشتركة، وأن تتداول مؤلفاته وآراؤه، ويُرجع إليها باحثون وقانونيون خارج الإطار الوطني الذي نشأت فيه.
ولذلك، قبل أن نضع اسمًا في قائمة فقهاء القانون، لا ينبغي أن يكون سؤالنا:
كم منصبًا شغل؟
كم كتابا ألف؟
كم سنة درس؟
وكم بلغت شهرته؟
بل السؤال الأشد دلالة:
ماذا أضاف إلى علم القانون؟
ثم السؤال الذي يكشف قيمة الإضافة كلها: وماذا بقي من إضافته بعد أن انتهى هو من الكتابة؟
فقد تنتهي سيرة الرجل، وتبقى كتبه. وقد تطوى كتبه، وتبقى فكرة. وقد تمضي الفكرة إلى أجيال من القانونيين، فتتحول إلى اتجاه أو منهج أو اجتهاد أو أصل يُرجع إليه. وهنا يكون العلم قد تجاوز صاحبه، وأصبح أثرًا.
وهذه، في تقديري، هي الفاصلة الحقيقية بين من يعرف القانون، ومن يشرح القانون، ومن يضيف إلى القانون، ومن يصنع فيه فقهًا.
فالألقاب لا تصنع الفقهاء.
الفقهاء هم الذين يمنحون الألقاب قيمتها.
ولذلك فإن (الفقيه القانوني) ليس من حمل اللقب، بل من ترك في علم القانون ما يجعل من يأتي بعده لا يستطيع أن يقرأ المسألة بالصورة نفسها التي كان سيقرأها بها لولا علمه واجتهاده.
فإذا بلغ أثره حدود بلده، كان فقيهًا ذا مكانة وطنية.
وإذا تجاوز أثره الحدود، ودخل في حركة الفكر القانوني العربي، وأصبح مرجعًا يتداوله أهل القانون في أكثر من بيئة، جاز الحديث بثقة عن فقيه من فقهاء القانون العرب.
وهنا فقط يصبح اللقب حكمًا علميًا لا مجاملة، وشهادةً على المنجز لا تكريمًا للمنصب.
✍️⚖️ المحامي والقانون - ركائز العدالة للمعرفة القانونية
#الفقيه_القانوني
#فقه_القانون
#فقهاء_القانون
#علم_القانون
#المحامي_والقانون
@The_lawyer_and_the_lew
ثم تتبلور المسألة كلها في فكرة واحدة:
السنهوري لم يصنع مشروعه من مصدر واحد؛ صنع له عقلًا قادرًا على التوفيق بين مصادر متعددة دون أن يفقد لكل مصدر خصائصه.
وهنا تكمن أهمية هذا التكوين.
فالقانون الذي سيأتي لاحقًا لم يكن هو الذي صنع شخصية السنهوري أولًا؛ بل إن الشخصية العلمية والمنهجية التي تكوّنت في هذه المرحلة هي التي جعلت السنهوري قادرًا على صناعة ذلك القانون.
ومن هذه النقطة تحديدًا تبدأ قراءة السنهوري قراءةً مختلفة.
فنحن لا نعود نسأل فقط: ماذا كتب؟ وماذا شرع؟
بل نفهم أولًا: كيف أصبح قادرًا على أن يكتب ويشرع بهذه الطريقة؟
وهنا تنتهي مرحلة التكوين، وتبدأ مرحلة أخرى.
فبعد أن اتضحت الروافد التي صنعت العقل القانوني للسنهوري، يبقى السؤال عن المنهج الذي خرج من هذا التكوين:
كيف تحولت هذه الخبرات والمعارف المتعددة إلى طريقة محددة في فهم القاعدة القانونية، وتأصيلها، والموازنة بين مصادرها، والنظر إلى القانون في صلته بالمجتمع؟
هناك يبدأ السنهوري صاحب المنهج.
ومن هنا تكون الحلقة الثانية.
✍️ المحامي والقانون – ركائز العدالة للمعرفة القانونية
#السنهوري
#الفقه_القانوني
#القانون_العربي
#القانون_المدني
#المحامي_والقانون
@The_lawyer_and_the_lew
① عبد الرزاق السنهوري | من الفقيه إلى صانع القانون العربي
كيف تكوّن العقل القانوني للسنهوري؟
حين نقرأ السنهوري من خلال القوانين التي أسهم في صياغتها، أو الكتب التي تركها، أو المناصب التي تقلدها، نرى ثمرة المشروع.
أما لفهم المشروع نفسه، فعلينا أن نعود خطوة إلى الوراء:
كيف تكون العقل الذي أنتج هذه الثمرة؟
فهنا، في تقديري، يبدأ السنهوري الحقيقي.
كان تكوينه الأول في مصر، في بيئة تداخل فيها القانون الحديث مع تراث فقهي طويل. درس القانون، ثم خرج من مقاعد الدراسة إلى العمل في النيابة، فانتقل القانون في ذهنه من مادة علمية إلى واقع تُختبر فيه القاعدة بوقائع الناس ومصالحهم وأحكام القضاء.
ثم جاءت محطة أكثر دلالة في تكوينه: مدرسة القضاء الشرعي.
في تلك البيئة اتصل اتصالًا أعمق بالفقه الإسلامي وبعلوم الشريعة ورجالها، واتسعت نظرته إلى إمكانات الفقه في معالجة مسائل الحياة المتجددة. وهنا أخذ يتكون لديه وعي مختلف بمادة القانون ومصادره؛ فالنص لا يعيش منفردًا، والقاعدة لا تُفهم كاملةً بمعزل عن أصلها ومنطقها ومجال تطبيقها.
وهذه ليست ملاحظة عابرة في سيرته.
فإن صلة السنهوري بالفقه الإسلامي كانت جزءًا من تكوينه العلمي، وتعلقت عنده بفكرة أوسع: إمكان الإفادة من الفقه في بناء قانون حديث، لا على سبيل النقل الجامد، وإنما من خلال الفهم والأصول والاجتهاد وحسن الاختيار.
ثم جاء السفر إلى فرنسا سنة 1921م، فدخل السنهوري إلى بيئة قانونية وفكرية أخرى، ودرس القانون في جامعة ليون، واتسعت أمامه دائرة المقارنة والبحث.
وهنا وقع أمر شديد الأهمية في تكوينه:
لقد عرف القانون الغربي من داخله، من غير أن يتعامل معه بوصفه نهاية الطريق.
فالاقتراب من التجربة الغربية لم يؤدِّ به إلى قطع الصلة بأصوله؛ وإنما منحه قدرة أوسع على المقارنة، وعلى تمييز ما هو خاص بنظام قانوني معين عما يمكن الإفادة منه في بيئة أخرى، وعلى النظر إلى القاعدة القانونية في سياقها التاريخي والاجتماعي والفكري.
ومن هذه التجربة بدأ العقل المقارن يتشكل.
والقانون المقارن عند السنهوري لم يكن مجرد معرفة بقوانين الأمم، ولا جمعًا للنصوص المتشابهة؛ إنما كان وسيلة لفهم القانون على نحو أعمق: كيف نشأت القاعدة؟ وما الذي تعالجه؟ ولماذا اختلفت صياغتها من نظام إلى آخر؟ وما الذي يمكن نقله، وما الذي لا يصح نقله؟
وهنا بدأت عناصر التكوين تتقارب:
فقه إسلامي، وقانون حديث، وتجربة عملية، ومعرفة بالقانون المقارن.
لكن قيمة السنهوري لا تكمن في وجود هذه العناصر منفردة؛ فكثيرون عرفوا الفقه، وكثيرون درسوا القانون الغربي، وكثيرون مارسوا العمل القانوني.
القيمة كانت في طريقة جمع هذه العناصر داخل عقل واحد.
فالتجربة العملية منحته حسّ الواقع، والفقه منحه عمق التأصيل، والقانون الحديث أمدّه بأدوات الصياغة والبناء، والمقارنة فتحت أمامه مجالًا أوسع للنظر والاختيار.
ومن هنا أخذت تتشكل الملكة التي ستطبع مشروعه كله.
صار القانون عنده بناءً له مصادر وأصول، لا مجموعة مواد متفرقة؛ وأصبحت دراسة القاعدة متصلة بالسؤال عن أصلها ووظيفتها وموقعها في النظام القانوني؛ وأصبح الاختيار بين الحلول القانونية يحتاج إلى معرفة بالبيئة التي سيعمل فيها الحل، لا إلى مجرد استحسان نظري.
وهذا هو المعنى الأهم في تكوين السنهوري:
أنه تعلم القانون من أكثر من باب، ثم أخذ ينظر إلى هذه الأبواب باعتبارها أجزاءً من مسألة واحدة.
فالفقه الإسلامي لم يكن عنده جزيرة منفصلة، والقانون المقارن لم يكن نافذة للانبهار، والخبرة العملية لم تكن مرحلة تنتهي بانتهاء الوظيفة.
كل ذلك أخذ يتجه نحو تكوين ملكة قانونية مركبة، تستطيع أن تقرأ النص في ضوء أصله، وتقارن الحكم بغيره، وتختبره في الواقع، وتبحث عن الصيغة التي تصلح للبيئة التي ستحتضنه.
ومن هنا يمكن فهم سرّ تميّز السنهوري في مرحلة مبكرة من حياته العلمية.
لقد بدأ يتعامل مع القانون بوصفه علمًا له بنية، لا مجرد معرفة بالمواد؛ وبوصفه عملًا يحتاج إلى فقه وتأصيل ومقارنة وإدراك للواقع، لا إلى الصياغة وحدها.
وهذا هو الفارق بين جمع المعارف وتكوين العقل القانوني.
فالمعرفة يمكن أن تتعدد مصادرها، أما الملكة فتظهر حين يستطيع صاحبها أن يجعل هذه المصادر تعمل معًا.
وعند السنهوري، كان هذا التركيب هو الذي أخذ يمهّد للمشروع الذي سيأتي بعد ذلك.
فالرجل الذي سيشارك لاحقًا في صناعة تشريعات عربية مهمة، ويؤسس لنمط خاص من الفقه المدني، لم يبدأ من مشروع تشريعي جاهز؛ بدأ من تكوين علمي أخذ يعلّمه كيف يفكر في القانون قبل أن يكتب فيه.
ولهذا لا يصح أن نقرأ سنواته الأولى على أنها مجرد مقدمات لسيرة رجل مشهور.
إنها المرحلة التي تشكلت فيها أدواته:
من مصر أخذ التجربة القانونية والاحتكاك بالواقع، ومن بيئة القضاء الشرعي ازداد اتصالُه بالفقه، ومن فرنسا اتسعت دائرة المقارنة، ومن اجتماع هذه الروافد بدأ يتكون منهجه في النظر.
وهنا تظهر وظيفة الفقيه في صورتها الأوسع: أن يفسر القانون القائم، وأن يساعد كذلك على فهم القانون وهو يتغير.
❖ الأستاذة آمال عبد الرحيم عثمان ⑮
أما آمال عبد الرحيم عثمان، فتبرز في دائرة قانون العقوبات والإجراءات الجنائية، وهي دائرة يلتقي فيها البناء النظري بالتطبيق القضائي. ومن مؤلفاتها (شرح قانون الإجراءات الجنائية) و(شرح قانون العقوبات ـ القسم الخاص)، بما يعكس حضورا علميا في فرعين من أكثر فروع القانون الجنائي اتصالا بالممارسة.
وهنا تتأكد قيمة الفقه الإجرائي والجنائي بالنسبة إلى رجل المهنة؛ فمعرفة القاعدة شيء، والقدرة على إنزالها على واقعة ودليل وإجراء وخصومة شيء آخر.
❖ أ.د علي عبد القادر القهوجي ⑯
ويأتي علي عبد القادر القهوجي ليعيدنا إلى البناء الداخلي للقانون الجنائي: الجريمة، والمسؤولية، والجزاء، والقسم الخاص، وما يتصل بذلك من مسائل تجعل الفقه أداةً لفهم البنية القانونية للواقعة، لا مجرد مستودع للأقوال.
وهنا تظهر إحدى أهم وظائف الفقه بالنسبة إلى المحامي: التكييف.
فالواقعة لا تدخل قاعة المحكمة وهي تحمل وصفها القانوني جاهزا؛ وإنما تحتاج إلى عقل يقرأ عناصرها، ويميز أركانها، ويفرق بين الأوصاف المحتملة، ثم يربط الواقعة بالنص والنتيجة القانونية المترتبة عليه.
ومن هنا يصبح الفقه أداة للتكييف، لا مجرد مستودع للاستشهاد.
وحين نضع هؤلاء الثمانية إلى جوار بعضهم، لا نجد مجرد أسماء متجاورة في فرع واحد، وإنما نجد مسارات مختلفة أسهمت في تشكيل العقل الجنائي العربي: في قانون العقوبات، والإجراءات، والإجرام والعقاب، والتأصيل والمقارنة، والمسؤولية الجنائية، والقانون الدولي الجنائي، وفي صلة القاعدة القانونية بالواقعة والدليل والتطبيق.
وهنا يصبح السؤال الأهم ليس:
ماذا كتب هؤلاء؟
بل:
ماذا تركوا في طريقة تفكير من قرأهم؟
تركوا أكثر من المعلومات.
تركوا عادة في السؤال؛ أن تقرأ الواقعة قبل أن يستشهد بالنص، وأن يبحث عن التكييف قبل كثرة المراجع، وأن يعرف مأخذ الرأي قبل نقل نتيجته، وأن تفهم حدود القاعدة قبل إطلاقها، وأن ينظر إلى الإجراء والدليل والنتيجة باعتبارها حلقات مترابطة في البناء القانوني.
وهذه هي النقلة التي يصنعها الفقيه الحقيقي في قارئه.
فقد ينسى المحامي صفحة قرأها قبل سنوات، وقد يتغير النص الذي كان الفقيه يشرحه، وقد يأتي من يراجع رأيه أو يخالفه؛ لكن الفقه الذي يصنع عقلا لا يزول بتغير النصوص.
لأنه لا يترك للقارئ جوابا فحسب، بل يرفع قدرته على الوصول إلى الجواب.
وهذه، في تقديري، من أعظم الهدايا التي يستطيع فقيه قانوني أن يقدمها لمن يأتي بعده.
ومن هنا تأتي قيمة هذه السلسلة.
فنحن لا نريد أن نحصي الأسماء، ولا أن نعيد السير والمؤلفات؛ وإنما نريد أن نقرأ أثر هؤلاء الأعلام كما ينبغي أن يقرأهم رجل القانون:
ماذا أضافوا إلى العلم؟
ماذا قدموا للمهنة؟
وماذا بقي منهم في عقل من قرأهم؟
فالعالم القانوني لا تخلده كثرة من عرفوا اسمه، ولا عدد الكتب التي حملت اسمه؛ وإنما يخلده ما يبقى من فكره ومنهجه وأثره بعد غيابه.
ولهذا، فإن أعلام الفقه الجنائي لا ينبغي أن يقرأوا بوصفهم صفحات من تاريخ القانون فحسب؛ بل بوصفهم مدارس في النظر، ومصادر في التكوين، وطرائق في التفكير.
وما دامت الكتب قادرة على أن تصنع في قارئها سؤالا أفضل، وتجعله يرى في النص ما لم يكن يراه من قبل، فإن أثر الفقيه لم ينته بعد.
وهذه السلسلة مستمرة... إن شاء الله.
✍️⚖️ المحامي والقانون - ركائز العدالة للمعرفة القانونية
#أعلام_الفقه_الجنائي_العربي
#القانون_الجنائي
#فقهاء_القانون
#المحاماة
#القضاء
#البحث_القانوني
#الثقافة_القانونية
@The_lawyer_and_the_lew
❖ الفقيه الحقيقي لا يترك لك كتابا… بل يترك فيك عقلا قانونيا
يكتشف المحامي، بعد سنوات من الممارسة، أن بعض الكتب لا يعود إليها ليستمد منها نصا، وإنما ليستمد منها طريقة في التفكير.
يفتح كتابا بحثا عن مسألة، فيتوقف عند مأخذ القاعدة، أو حدودها، أو اختلاف الفقه فيها، أو كيفية تنزيلها على واقعة لم تكن تبدو معقدة قبل أن يضعها أمام ميزان القانون.
وهنا يعرف أن بين الكتاب الذي يشرح القانون، والكتاب الذي يصنع عقلا قانونيا فرقا بعيدا.
وهذه هي المساحة التي شغلتنا في هذه السلسلة.
في الإصدار الأول توقفنا عند ثمانية من أعلام الفقه الجنائي العربي، وقرأنا كل واحد منهم من زاوية علمه وأثره وما تركه للمشتغلين بالقانون. واليوم نصل إلى الإصدار الثاني، وقد سبق أن أفردنا لكل واحد من هؤلاء الثمانية وقفة مستقلة؛ لذلك لا نعود هنا إلى سيرهم، ولا نكرر مؤلفاتهم، وإنما نحاول أن نقرأهم مجتمعين من سؤال واحد:
ماذا أضاف هؤلاء إلى الفقه الجنائي العربي، وماذا يمكن أن يبقى منهم في عقل رجل القانون؟
فليس كل من كتب في القانون يصير فقيها، وليس كل كتاب قانوني يتحول إلى مرجع، وليس كل مرجع يترك في قارئه ملكة قانونية.
القيمة الحقيقية تبدأ حين يتجاوز أثر المؤلف حدود نقل المعلومة إلى تكوين طريقة في النظر؛ حين يتعلم القارئ أن يبحث عن أصل القاعدة، ومناطها، وحدودها، وموقعها من البناء القانوني، ثم يعرف كيف ينزلها على الواقعة دون أن يفقد دقة النص أو منطق الحكم.
وهنا تتعدد مسارات هؤلاء الأعلام، وإن اجتمع أثرهم في غاية واحدة: بناء المعرفة الجنائية العربية وتوسيع أدوات رجل القانون في فهمها.
❖ الدكتورة فوزية عبد الستار ⑨
مع فوزية عبد الستار - رحم الله روحها الطيبة - تتسع النظرة من النص الجنائي إلى الظاهرة الجنائية في أبعادها المختلفة؛ فقد امتد إنتاجها إلى قانون العقوبات، وإلى الإجراءات، وإلى علم الإجرام والعقاب، ومنه كتابها المعروف (مبادئ علم الإجرام وعلم العقاب).
وهذه النظرة تعلم رجل القانون أن الجريمة لا تفهم دائما من مادة التجريم وحدها؛ فهناك إنسان ومجتمع وسياسة جنائية وعقوبة، وكلها عناصر تساعد على فهم وظيفة القانون الجنائي وحدود تدخله.
❖ أ.د حسن صادق المرصفاوي ⑩
ثم ننتقل إلى حسن صادق المرصفاوي - رحمه الله - حيث تصبح الإجراءات الجنائية في قلب الاهتمام؛ فالدعوى، والتحقيق، والمحاكمة، وطرق الطعن ليست مراحل شكلية تعبر بها القضية إلى الحكم، وإنما بناء قانوني له قواعده وضماناته وآثاره. وقد خصص المرصفاوي مؤلفات واسعة لهذا البناء، وفي مقدمتها (المرصفاوي في أصول الإجراءات الجنائية)، الذي تناول الدعوى الجنائية والمدنية والتحقيق الابتدائي والمحاكمة وطرق الطعن.
ومن هنا يتعلم المحامي درسا لا يفقد قيمته في الممارسة: أن سلامة النتيجة لا تنفصل عن سلامة الطريق المؤدي إليها، وأن الدليل لا يقرأ بمعزل عن الإجراء الذي أنتجه.
❖ أ.د عوض محمد عوض ⑪
أما عوض محمد عوض - طيب الله ثراه - فتظهر في مشروعه صلة مهمة بين الدراسات الجنائية القانونية والفقه الجنائي الإسلامي؛ فإلى جانب كتاباته في قانون العقوبات والإجراءات وعلم الإجرام، خصص عملًا مستقلًا بعنوان (دراسات في الفقه الجنائي الإسلامي).
وهنا يتعلم الباحث أن القاعدة القانونية لا تظهر في فراغ، وأن فهمها قد يزداد عمقا حين ينظر في أصول التفكير الذي أحاط بها، وفي تطور الفكرة الجنائية ومصادرها ومقارباتها المختلفة.
❖ القاضي العلامة عبد القادر عودة ⑫
ومع عبد القادر عودة - رحمه الله - يأخذ التأصيل والمقارنة موقعًا أكثر وضوحا؛ فقد جعل من (التشريع الجنائي الإسلامي مقارنا بالقانون الوضعي) مشروعا واسعا لقراءة الجريمة والعقوبة في إطار مقارن بين الشريعة والقانون الوضعي.
وقيمة هذا المسار لا تقف عند المقارنة ذاتها؛ وإنما في تدريب العقل القانوني على سؤال أعمق من منطوق النص: ما أصل القاعدة؟ وما مأخذها؟ وما غايتها؟ وأين تقف حدودها؟
❖ أ.د فتوح عبدالله الشاذلي ⑬
ثم يأتي فتوح عبد الله الشاذلي ليكشف اتساع الحقل الجنائي حين تتجاوز الجريمة حدودها التقليدية؛ فقد تناول في مؤلفاته القانون الجنائي الدولي، والنظرية العامة للجريمة الدولية، كما امتد إنتاجه إلى علم الإجرام والعقاب والمسؤولية الجنائية.
وهنا يدرك الباحث أن الفقه الجنائي ليس علما ساكنا؛ فكلما تغيرت صور الجريمة واتسعت دوائر المسؤولية، كان على الفقه أن يطور أدواته وأسئلته، وأن يعيد النظر في القواعد على ضوء التحولات التي تفرضها الحياة القانونية.
❖ أ.د عمر محمد سالم ⑭
ومع عمر محمد محمد سالم نقترب أكثر من الأسئلة التي فرضها تطور التشريع والممارسة الجنائية؛ حيث لا تكون قيمة الفقه في تفسير النص القائم فحسب، وإنما في قدرته على قراءة التحولات التي تطرأ على التجريم والعقاب والإجراءات، وعلى إبقاء العقل القانوني يقظًا أمام المسائل التي يستحدثها الواقع.
وهنا تظهر وظيفة الفقيه في صورتها الأوسع: أن يفسر القانون القائم، وأن يساعد كذلك على فهم القانون وهو يتغير.
❖ الأستاذة آمال عبد الرحيم عثمان ⑮
أما آمال عبد الرحيم عثمان، فتبرز في دائرة قانون العقوبات والإجراءات الجنائية، وهي دائرة يلتقي فيها البناء النظري بالتطبيق القضائي. ومن مؤلفاتها (شرح قانون الإجراءات الجنائية) و(شرح قانون العقوبات ـ القسم الخاص)، بما يعكس حضورا علميا في فرعين من أكثر فروع القانون الجنائي اتصالا بالممارسة.
وهنا تتأكد قيمة الفقه الإجرائي والجنائي بالنسبة إلى رجل المهنة؛ فمعرفة القاعدة شيء، والقدرة على إنزالها على واقعة ودليل وإجراء وخصومة شيء آخر.
❖ أ.د علي عبد القادر القهوجي ⑯
ويأتي علي عبد القادر القهوجي ليعيدنا إلى البناء الداخلي للقانون الجنائي: الجريمة، والمسؤولية، والجزاء، والقسم الخاص، وما يتصل بذلك من مسائل تجعل الفقه أداةً لفهم البنية القانونية للواقعة، لا مجرد مستودع للأقوال.
وهنا تظهر إحدى أهم وظائف الفقه بالنسبة إلى المحامي: التكييف.
فالواقعة لا تدخل قاعة المحكمة وهي تحمل وصفها القانوني جاهزا؛ وإنما تحتاج إلى عقل يقرأ عناصرها، ويميز أركانها، ويفرق بين الأوصاف المحتملة، ثم يربط الواقعة بالنص والنتيجة القانونية المترتبة عليه.
ومن هنا يصبح الفقه أداة للتكييف، لا مجرد مستودع للاستشهاد.
وحين نضع هؤلاء الثمانية إلى جوار بعضهم، لا نجد مجرد أسماء متجاورة في فرع واحد، وإنما نجد مسارات مختلفة أسهمت في تشكيل العقل الجنائي العربي: في قانون العقوبات، والإجراءات، والإجرام والعقاب، والتأصيل والمقارنة، والمسؤولية الجنائية، والقانون الدولي الجنائي، وفي صلة القاعدة القانونية بالواقعة والدليل والتطبيق.
وهنا يصبح السؤال الأهم ليس:
ماذا كتب هؤلاء؟
بل:
ماذا تركوا في طريقة تفكير من قرأهم؟
تركوا أكثر من المعلومات.
تركوا عادة في السؤال؛ أن تقرأ الواقعة قبل أن يستشهد بالنص، وأن يبحث عن التكييف قبل كثرة المراجع، وأن يعرف مأخذ الرأي قبل نقل نتيجته، وأن تفهم حدود القاعدة قبل إطلاقها، وأن ينظر إلى الإجراء والدليل والنتيجة باعتبارها حلقات مترابطة في البناء القانوني.
وهذه هي النقلة التي يصنعها الفقيه الحقيقي في قارئه.
فقد ينسى المحامي صفحة قرأها قبل سنوات، وقد يتغير النص الذي كان الفقيه يشرحه، وقد يأتي من يراجع رأيه أو يخالفه؛ لكن الفقه الذي يصنع عقلا لا يزول بتغير النصوص.
لأنه لا يترك للقارئ جوابا فحسب، بل يرفع قدرته على الوصول إلى الجواب.
وهذه، في تقديري، من أعظم الهدايا التي يستطيع فقيه قانوني أن يقدمها لمن يأتي بعده.
ومن هنا تأتي قيمة هذه السلسلة.
فنحن لا نريد أن نحصي الأسماء، ولا أن نعيد السير والمؤلفات؛ وإنما نريد أن نقرأ أثر هؤلاء الأعلام كما ينبغي أن يقرأهم رجل القانون:
ماذا أضافوا إلى العلم؟
ماذا قدموا للمهنة؟
وماذا بقي منهم في عقل من قرأهم؟
فالعالم القانوني لا تخلده كثرة من عرفوا اسمه، ولا عدد الكتب التي حملت اسمه؛ وإنما يخلده ما يبقى من فكره ومنهجه وأثره بعد غيابه.
ولهذا، فإن أعلام الفقه الجنائي لا ينبغي أن يقرأوا بوصفهم صفحات من تاريخ القانون فحسب؛ بل بوصفهم مدارس في النظر، ومصادر في التكوين، وطرائق في التفكير.
وما دامت الكتب قادرة على أن تصنع في قارئها سؤالا أفضل، وتجعله يرى في النص ما لم يكن يراه من قبل، فإن أثر الفقيه لم ينته بعد.
وهذه السلسلة مستمرة... إن شاء الله.
✍️⚖️ المحامي والقانون - ركائز العدالة للمعرفة القانونية
#أعلام_الفقه_الجنائي_العربي
#القانون_الجنائي
#فقهاء_القانون
#المحاماة
#القضاء
#البحث_القانوني
#الثقافة_القانونية
❖ الفقيه الحقيقي لا يترك لك كتابا… بل يترك فيك عقلا قانونيا
يكتشف المحامي، بعد سنوات من الممارسة، أن بعض الكتب لا يعود إليها ليستمد منها نصا، وإنما ليستمد منها طريقة في التفكير.
يفتح كتابا بحثا عن مسألة، فيتوقف عند مأخذ القاعدة، أو حدودها، أو اختلاف الفقه فيها، أو كيفية تنزيلها على واقعة لم تكن تبدو معقدة قبل أن يضعها أمام ميزان القانون.
وهنا يعرف أن بين الكتاب الذي يشرح القانون، والكتاب الذي يصنع عقلا قانونيا فرقا بعيدا.
وهذه هي المساحة التي شغلتنا في هذه السلسلة.
في الإصدار الأول توقفنا عند ثمانية من أعلام الفقه الجنائي العربي، وقرأنا كل واحد منهم من زاوية علمه وأثره وما تركه للمشتغلين بالقانون. واليوم نصل إلى الإصدار الثاني، وقد سبق أن أفردنا لكل واحد من هؤلاء الثمانية وقفة مستقلة؛ لذلك لا نعود هنا إلى سيرهم، ولا نكرر مؤلفاتهم، وإنما نحاول أن نقرأهم مجتمعين من سؤال واحد:
ماذا أضاف هؤلاء إلى الفقه الجنائي العربي، وماذا يمكن أن يبقى منهم في عقل رجل القانون؟
فليس كل من كتب في القانون يصير فقيها، وليس كل كتاب قانوني يتحول إلى مرجع، وليس كل مرجع يترك في قارئه ملكة قانونية.
القيمة الحقيقية تبدأ حين يتجاوز أثر المؤلف حدود نقل المعلومة إلى تكوين طريقة في النظر؛ حين يتعلم القارئ أن يبحث عن أصل القاعدة، ومناطها، وحدودها، وموقعها من البناء القانوني، ثم يعرف كيف ينزلها على الواقعة دون أن يفقد دقة النص أو منطق الحكم.
وهنا تتعدد مسارات هؤلاء الأعلام، وإن اجتمع أثرهم في غاية واحدة: بناء المعرفة الجنائية العربية وتوسيع أدوات رجل القانون في فهمها.
❖ الدكتورة فوزية عبد الستار ⑨
مع فوزية عبد الستار - رحم الله روحها الطيبة - تتسع النظرة من النص الجنائي إلى الظاهرة الجنائية في أبعادها المختلفة؛ فقد امتد إنتاجها إلى قانون العقوبات، وإلى الإجراءات، وإلى علم الإجرام والعقاب، ومنه كتابها المعروف (مبادئ علم الإجرام وعلم العقاب).
وهذه النظرة تعلم رجل القانون أن الجريمة لا تفهم دائما من مادة التجريم وحدها؛ فهناك إنسان ومجتمع وسياسة جنائية وعقوبة، وكلها عناصر تساعد على فهم وظيفة القانون الجنائي وحدود تدخله.
❖ أ.د حسن صادق المرصفاوي ⑩
ثم ننتقل إلى حسن صادق المرصفاوي - رحمه الله - حيث تصبح الإجراءات الجنائية في قلب الاهتمام؛ فالدعوى، والتحقيق، والمحاكمة، وطرق الطعن ليست مراحل شكلية تعبر بها القضية إلى الحكم، وإنما بناء قانوني له قواعده وضماناته وآثاره. وقد خصص المرصفاوي مؤلفات واسعة لهذا البناء، وفي مقدمتها (المرصفاوي في أصول الإجراءات الجنائية)، الذي تناول الدعوى الجنائية والمدنية والتحقيق الابتدائي والمحاكمة وطرق الطعن.
ومن هنا يتعلم المحامي درسا لا يفقد قيمته في الممارسة: أن سلامة النتيجة لا تنفصل عن سلامة الطريق المؤدي إليها، وأن الدليل لا يقرأ بمعزل عن الإجراء الذي أنتجه.
❖ أ.د عوض محمد عوض ⑪
أما عوض محمد عوض - طيب الله ثراه - فتظهر في مشروعه صلة مهمة بين الدراسات الجنائية القانونية والفقه الجنائي الإسلامي؛ فإلى جانب كتاباته في قانون العقوبات والإجراءات وعلم الإجرام، خصص عملًا مستقلًا بعنوان (دراسات في الفقه الجنائي الإسلامي).
وهنا يتعلم الباحث أن القاعدة القانونية لا تظهر في فراغ، وأن فهمها قد يزداد عمقا حين ينظر في أصول التفكير الذي أحاط بها، وفي تطور الفكرة الجنائية ومصادرها ومقارباتها المختلفة.
❖ القاضي العلامة عبد القادر عودة ⑫
ومع عبد القادر عودة - رحمه الله - يأخذ التأصيل والمقارنة موقعًا أكثر وضوحا؛ فقد جعل من (التشريع الجنائي الإسلامي مقارنا بالقانون الوضعي) مشروعا واسعا لقراءة الجريمة والعقوبة في إطار مقارن بين الشريعة والقانون الوضعي.
وقيمة هذا المسار لا تقف عند المقارنة ذاتها؛ وإنما في تدريب العقل القانوني على سؤال أعمق من منطوق النص: ما أصل القاعدة؟ وما مأخذها؟ وما غايتها؟ وأين تقف حدودها؟
❖ أ.د فتوح عبدالله الشاذلي ⑬
ثم يأتي فتوح عبد الله الشاذلي ليكشف اتساع الحقل الجنائي حين تتجاوز الجريمة حدودها التقليدية؛ فقد تناول في مؤلفاته القانون الجنائي الدولي، والنظرية العامة للجريمة الدولية، كما امتد إنتاجه إلى علم الإجرام والعقاب والمسؤولية الجنائية.
وهنا يدرك الباحث أن الفقه الجنائي ليس علما ساكنا؛ فكلما تغيرت صور الجريمة واتسعت دوائر المسؤولية، كان على الفقه أن يطور أدواته وأسئلته، وأن يعيد النظر في القواعد على ضوء التحولات التي تفرضها الحياة القانونية.
❖ أ.د عمر محمد سالم ⑭
ومع عمر محمد محمد سالم نقترب أكثر من الأسئلة التي فرضها تطور التشريع والممارسة الجنائية؛ حيث لا تكون قيمة الفقه في تفسير النص القائم فحسب، وإنما في قدرته على قراءة التحولات التي تطرأ على التجريم والعقاب والإجراءات، وعلى إبقاء العقل القانوني يقظًا أمام المسائل التي يستحدثها الواقع.
⚖️ ليست كل الكتب القانونية سواء...
فهناك مؤلفات تُقرأ مرة، وهناك مؤلفات تُسهم في بناء العقل القانوني، وتظل مرجعًا يُرجع إليه كلما استعصى فهم نص، أو دقّت مسألة، أو تعددت أوجه التفسير.
ومن هذا المنطلق جاءت سلسلة «أعلام الفقه القانوني الجنائي»؛ للتعريف بكبار الفقهاء الذين أسهموا في بناء الفكر الجنائي العربي، وخلّفوا تراثًا علميًا لا تزال آثاره حاضرة في التشريع، والفقه، والقضاء، والمحاماة، والبحث القانوني.
📚 وخلال هذه السلسلة استعرضنا حتى الآن ثمانيةً من أبرز أعلام الفقه القانوني الجنائي:
📘 (1) الأستاذ الدكتور أحمد فتحي سرور
من أبرز فقهاء القانون الجنائي العربي، وصاحب إسهامات رائدة في قانون العقوبات، والإجراءات الجنائية، والشرعية الدستورية.
📘 (2) الأستاذ الدكتور محمود نجيب حسني
رائد المدرسة الحديثة في القانون الجنائي، ومن أبرز المؤصلين للنظرية العامة للجريمة والقصد الجنائي.
📘 (3) الأستاذ الدكتور رمسيس بهنام
فيلسوف الفقه الجنائي، وصاحب إسهامات بارزة في التأصيل الفلسفي والتحليل العلمي للظاهرة الجنائية.
📘 (4) الأستاذ الدكتور محمود محمود مصطفى
من كبار رواد الفقه الجنائي، وأحد أبرز المتخصصين في قانون العقوبات، والإجراءات الجنائية، والإثبات الجنائي.
📘 (5) الأستاذ الدكتور رؤوف عبيد
فقيه الإجراءات الجنائية، ومن أبرز الباحثين في ضمانات التحقيق والمحاكمة والإثبات وطرق الطعن.
📘 (6) الأستاذ الدكتور علي بن حسن عبدالله الشرفي
من أبرز أعلام الفقه الجنائي في اليمن، وأحد أهم من أثروا المكتبة القانونية اليمنية بمؤلفات جنائية رصينة.
📘 (7) الأستاذ الدكتور مأمون محمد سلامة
من كبار فقهاء القانون الجنائي العرب، جمع بين التأليف الأكاديمي، والمحاماة، والعمل الجامعي.
📘 (8) الأستاذ الدكتور محمد زكي أبو عامر
من أبرز أعلام المدرسة الجنائية المعاصرة، وصاحب مؤلفات امتازت بالتأصيل العلمي والفقه المقارن.
⚖️ ما الذي ميّز المدرسة العلمية لكل فقيه؟
▪️ أحمد فتحي سرور: تميزت مدرسته بالجمع بين قانون العقوبات، والإجراءات الجنائية، والشرعية الدستورية، والسياسة الجنائية.
▪️ محمود نجيب حسني: عُرفت بالدقة في التأصيل العلمي للنظرية العامة للجريمة، والقصد الجنائي، والاهتمام بالفقه الجنائي الإسلامي.
▪️ رمسيس بهنام: اتسمت بالتحليل الفلسفي العميق، وربط القانون الجنائي بعلم الإجرام والسياسة الجنائية.
▪️ محمود محمود مصطفى: برزت في الدراسات المقارنة لقانون العقوبات، والإجراءات الجنائية، والإثبات الجنائي.
▪️ رؤوف عبيد: تميزت بالعناية الدقيقة بالإجراءات الجنائية، وضمانات التحقيق والمحاكمة، وصحة الدليل.
▪️ علي بن حسن عبدالله الشرفي: أسهمت في إثراء الفقه الجنائي اليمني، وربطت في عدد من مؤلفاتها بين الفقه الإسلامي والقانون اليمني.
▪️ مأمون محمد سلامة: جمعت بين البحث الأكاديمي، والخبرة العملية في المحاماة، والدراسة المتعمقة للقانون الجنائي والإجراءات الجنائية.
▪️ محمد زكي أبو عامر: امتازت بالتأصيل العلمي، والفقه المقارن، والعناية بأحكام محكمة النقض وربطها بالتطبيق العملي.
⚖️ ماذا تعلمنا من هذه السلسلة؟
لقد أكدت هذه السلسلة أن التكوين العلمي في القانون الجنائي لا يتحقق بقراءة النصوص التشريعية وحدها، وإنما يكتمل بالرجوع إلى مؤلفات الفقهاء الذين أسهموا في تفسير تلك النصوص، وتأصيلها، وتحليلها، وربطها بالتطبيق القضائي.
كما بينت أن دراسة القانون الجنائي لا تقتصر على قانون العقوبات، بل تمتد إلى الإجراءات الجنائية، والإثبات، والسياسة الجنائية، وعلم الإجرام، والفقه المقارن، وغيرها من العلوم المتصلة به.
وأظهرت كذلك أن المؤلفات القانونية الرصينة ليست مجرد شروح للنصوص، وإنما هي مدارس علمية تُنمّي الملكة القانونية، وتُرسخ منهج التحليل، وتُعين على حسن الاستدلال، وصياغة الدفوع، وفهم فلسفة التجريم والعقاب.
ولهذا كانت مؤلفات هؤلاء الأعلام، ولا تزال، من أهم المراجع التي يرجع إليها القضاة، والمحامون، وأعضاء النيابة، والباحثون، وطلاب الدراسات العليا في مختلف أنحاء الوطن العربي.
إن بناء المحامي لا يبدأ من قاعة المحكمة، بل يبدأ من مكتبته.
وما هذه السلسلة إلا دعوة للعودة إلى المراجع القانونية الأصيلة التي صنعت أجيالًا من القضاة والمحامين والباحثين، وأسهمت في ترسيخ الفقه القانوني العربي وبناء الملكة القانونية.
وما زالت الرحلة مستمرة بإذن الله مع أعلامٍ آخرين ومؤلفاتٍ أخرى تستحق أن تُقرأ، إيمانًا بأن القراءة الجادة هي أول طريق التميز المهني، وأن الاستثمار الحقيقي للمحامي هو في علمه.
✍️ المحامي والقانون - ركائز العدالة للمعرفة القانونية
#المحامي_والقانون
#أعلام_الفقه_القانوني_الجنائي
#القانون_الجنائي
#المحاماة
#الثقافة_القانونية
@The_lawyer_and_the_lew
كتاب في علم اصول القانون
-خلاصة المحاضرات التي القاها الاستاذ عبد الرزاق احمد السنهوري على طلبة السنة الاولى بكلية الحقوق في علم أصول القانون كمقدمة تمهيدية لدراسة القانون بوجه عام ودراسة القانون المدني بوجه خاص.
تأليف الاستاذ عبد الرزاق احمد السنهوري
كتاب فقه الخلافة وتطورها لتصبح عصبة أمم شرقية
تأليف الاستاذ الدكتور عبد الرزاق أحمد السنهوري رحمه الله
