نــبــضُ الحــروفِ.
الذهاب إلى القناة على Telegram
“هنا تُكتب الحروف كأرواح… تتسلّل للقلب فتُعيد ترتيب ما بعثرته الأيام. بين الشعر والخواطر ونور الأدب، نلتقط من الكتب وعيًا، ومن اللغة جمالًا، ومن القرآن سكينةً… “وما الأدبُ إلا روحٌ إذا نطقت، أحيت قلوبًا كانت في الصمتِ تشتعلُ.”
إظهار المزيدلم يتم تحديد البلدالفئة غير محددة
213
المشتركون
لا توجد بيانات24 ساعات
-37 أيام
-1530 أيام
أرشيف المشاركات
حين تُحبُّ أحدًا... أتُحبُّه بما تشتهي، أم بما يحب؟
أيُّهما أصدق: محبّةٌ تُقال، أم محبّةٌ تُتَّبع؟ كم من محبّةٍ ازدحمت بها الألسن، ثم خلَت منها الجوارح... وكم من اسمٍ نُكثر الصلاة والسلام عليه، ثم تمرُّ سنّته بنا فلا نُكثر السير على هديها. نقول: نحبُّ رسول الله ﷺ؛ وما أجملها من كلمة، وما أعظمها من دعوى... لكن، هل المحبة أن تقول ما تشاء، أم أن تُحبَّ المحبوب بالطريقة التي يحبها هو؟ تأملتُ طويلًا في معنى المحبة، فوجدتُ أن أصدقها ليست تلك التي يعلو صوتها، ولا تلك التي تكثر مظاهرها، وإنما تلك التي تُغيّر صاحبها حتى يصير هواه تابعًا لهدي محبوبه. فكيف نقول: نحبُّ رسول الله ﷺ، ثم نجعل للمحبة صورةً لم يجعلها هو من هديه؟ وكيف نخصُّ يومًا بما لم يخصَّه، ونفعل شيئًا لم يفعله، ثم نزعم أن ذلك غاية الوفاء؟ إن كان ما نفعله خيرًا يُتقرّب به إلى الله، فأين كان عنه رسول الله ﷺ؟ وأين كان عنه أصحابه، وهم أحبُّ الناس إليه، وأشدُّهم تعظيمًا له، وأصدقهم محبةً ونصرةً؟ كانوا يحبونه حبًّا لو وُزّع على القلوب لكفاها؛ بذلوا دونه الأموال والأنفس، وتركوا الأوطان، وصبروا على الأذى، وكان أمره عندهم أحبَّ من أهوائهم. ومع ذلك... لم يجعلوا المحبة موسمًا. لم تكن محبتهم ليلةً تُضاء ثم تنطفئ، ولا كلماتٍ تُقال ثم تنتهي؛ كانت سلوكًا. كانت في صلاتهم، وفي أخلاقهم، وفي طاعتهم، وفي حفظهم لسنته، وفي خوفهم أن يخالفوا أمره. وهنا تقف النفس طويلًا أمام قول الله تعالى: ﴿قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ تأملوا: لم يقل: فامدحوني. لم يقل: فاجعلوا لي موسمًا. لم يقل: فابتدعوا لي صورةً جديدةً للمحبة. قال: ﴿فَاتَّبِعُونِي﴾. فجعل الله الاتباع علامة المحبة. وما أعظم الفرق بين محبةٍ تُقال، ومحبةٍ تُرى! فليس تعظيم رسول الله ﷺ بكثرة الضجيج حول اسمه، ولا باستحداث ما لم يفعله، ولا بجعل محبته مناسبةً عابرة. إنما تعظيمه أن تجعل سنته أثقل في ميزانك من هواك. أن تراه في أخلاقك حين تغضب، وفي لسانك حين تتكلم، وفي رحمتك حين تقدر، وفي عفوك حين تستطيع الانتقام، وفي طاعتك حين تتعارض السنة مع رغبة النفس. أن تعرف أمره... فتقول: سمعنا وأطعنا. وأن يبلغك نهيه... فتقف، ولو خالف ذلك هواك. ومن هنا، فإن المحبة ليست بكثرة المظاهر ولا بارتفاع الأصوات. فليس من تعظيم رسول الله ﷺ أن تتحول محبته إلى رقصٍ وتمايلٍ وضجيجٍ باسم الفرح به. فهل كان ﷺ يرضى لأمته أن تجعل ذكره ساحةً للرقص والتمايل؟ وهل يُتصوّر أن أصحابه، وهم أشد الناس حبًّا له وتعظيمًا، كانوا سيجعلون محبته بهذه الصورة؟ كلا. لقد ربّاهم ﷺ على اتباعٍ يظهر أثره في الحياة، لا على مظاهر تُرى ثم تنقضي. وما كان أولئك الذين بذلوا الأرواح دونه، وحملوا السيوف في سبيل الله، أن يجعلوا تعظيم نبيهم رقصًا وتمايلًا؛ لأنهم عرفوا أن أعظم الأدب مع المحبوب ألا تُنسب إليه محبةٌ لم يعلّمها لأمته. فليس كل ما حرّك المشاعر يرضي الله، وليس كل ما أظهر الفرح كان تعظيمًا، وليس كل ما رقَّ للقلب صار عبادة. المحبة لها أدب، والتعظيم له حدّ، والعبادة لا تُؤخذ إلا من الوحي. وإن كان رسول الله ﷺ قد علّم أمته كيف تصلّي، وكيف تصوم، وكيف تذكر الله، وكيف تعامِل الناس، فلو كان الاحتفال بهذه الهيئة من شعائر محبته، أفكان يترك بيان ذلك لأمته؟ ثم قال ﷺ: «لا تُطروني كما أطرت النصارى ابن مريم، إنما أنا عبد، فقولوا عبد الله ورسوله». فالمحبة التي نريدها ليست غلوًّا يخرج عن الهدي، ولا مظاهر تتجاوز ما شرع، وإنما اتباعٌ بلا غلو، وتعظيمٌ بلا ابتداع، ومحبةٌ لا تتجاوز حدود ما شرع الله. وقد قال ﷺ: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد» متفق عليه. فالمحبة الشرعية لا تُبنى على مجرد العاطفة، ولا على استحسان النفوس؛ فالعبادات تُبنى على الاتباع والدليل. ليس كل ما استحسنه الناس صار قربة، ولا كل ما سُمّي محبةً صار محبةً شرعية. ولذلك، حين نتحدث عن محبة النبي ﷺ، لا ينبغي أن يكون سؤالنا: كيف أُظهر حبّي له؟ بل: كيف أتّبعه؟ فإن كنت تحبّه حقًّا، فاقرأ سيرته لا لتملأ بها صفحاتك، بل لتملأ بها حياتك. أكثر من الصلاة والسلام عليه ﷺ، لا في موسمٍ واحد، بل في كل حين. تعلّم سنته، ثم دعها تُهذّبك. علّم أبناءك أخلاقه. أحيِ هديه حين ينساه الناس. واجعل اسمه على لسانك، وسنته في قلبك، وأثرها في أخلاقك. فما قيمة أن تعرف سيرته، إن لم تغيّر في سيرتك؟ وما قيمة أن يفيض لسانك بالصلاة عليه، إن كانت جوارحك بعيدةً عن هديه؟ المحبة أثر. إن كانت صادقةً، تركت في صاحبها نورًا. وإن كان الوفاء حقيقيًّا، ظهر في الاتباع. ولهذا لا نريد محبةً تحتاج إلى ليلةٍ مخصوصة كي تُعلن عن نفسها؛ نريد محبةً تسكن القلب طوال العام، وتظهر في الصلاة، وفي الصدق، وفي الرحمة، وفي العفو، وفي كل موضعٍ تختار فيه السنةَ على الهوى.
أيُّ وجعٍ أشد… أن تنسى آيةً من القرآن، أم أن تنسى أنك كنتَ يومًا لا تستطيع أن تعيش دونها؟
أيُّ وجعٍ أشد… أن تنسى آيةً من القرآن، أم أن تنسى أنك كنتَ يومًا لا تستطيع أن تعيش دونها؟
سَيَبْقَىٰ حُسْنُ صُنْعِكَ حِينَ تَفْنَىٰ
وَيُدْفَنُ حُسْنُ وَجْهِكَ فِي الرِّمالِ.
_
"صـلاة الـتـوبـة"
ثبت في الحديث الصحيح عن أبي بكر رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: «مَا مِنْ عَبْدٍ يُذْنِبُ ذَنْبًا، فَيُحْسِنُ الطُّهُورَ، ثُمَّ يَقُومُ فَيُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ يَسْتَغْفِرُ اللهَ، إِلَّا غَفَرَ اللهُ لَهُ» (رواه أبو داود والترمذي).
حال العبّاس لما قال:
«نشكو الظَّماءَ
وما نشكوه عن عطشٍ
لكن لِغِلَّةِ قلبٍ باتَ محزونا!»
