ar
Feedback
كُنَّاشة من دروس السيد المددي

كُنَّاشة من دروس السيد المددي

الذهاب إلى القناة على Telegram

قناة تُعنى بجمع الفوائد العلمية، والترجمات المختارة من دروس الأستاذ آية الله السيد أحمد المددي الموسوي/ جمعها مصطفى زهير السوداني

إظهار المزيد
لم يتم تحديد البلدالفئة غير محددة
713
المشتركون
لا توجد بيانات24 ساعات
+357 أيام
+4030 أيام
أرشيف المشاركات
كتاب «فقه الرضا» وأثره البالغ في تاريخ الفقه الإمامي (**ولمّا كانت بعض العلوم من العلوم الاعتبارية، فقد يحدث أن يكون بحثٌ معيّن مؤثّرًا في الفقه ـ أو في مدرسة فقهية خاصّة ـ خلال مرحلةٍ زمنية معيّنة، ثم يزول هذا الأثر بعد ذلك، ومن الطبيعي حينئذٍ أن يُستبعد ذلك البحث من علم الأصول. ومن أمثلة ذلك كتاب «فقه الرضا»؛ فإنّه بعد عصر #المجلسي_الأول، ثم #المجلسي_الثاني صاحب «بحار الأنوار»، أصبح محلّ نقاش واسع؛ لأنّه كان يُنسب إلى الإمام #الإمام_الرضا (عليه السلام)، فقبله بعض العلماء، وردّه آخرون. فإذا راجعتم كتب الأصول التي أُلّفت قبل #الشيخ_الأنصاري ـ ككتاب «قوانين الأصول» ـ وجدتم أنّها تخصّص في مباحث خبر الواحد فصلًا كاملًا للبحث في «فقه الرضا»، بينما إذا راجعتم كتاب «الرسائل» وما كُتب بعد عصر #الشيخ_الأنصاري، فلن تجدوا لهذا الكتاب حضورًا في مباحث علم الأصول. وقد طُرح هذا الكتاب في البداية ضمن البحوث الحديثية والتاريخية والببليوغرافية (علم الكتب). فإذا راجعتم خاتمة كتاب «مستدرك الوسائل» ـ ولا سيّما ما كتبه #المحدث_النوري عن الكتب ـ وجدتم أنّه أفرد لكتاب «فقه الرضا» بحثًا مطوّلًا جدًّا، بل لعلّه من أطول أبحاثه، والسبب في هذا التفصيل أنّه نقل كلمات الأصوليين بشأنه. ولا شكّ في أنّ هذا الكتاب كان له أثرٌ حقيقي في الدراسات الفقهية مدةً من الزمن. فقد قال #صاحب_الحدائق: إنّ كثيرًا من الفتاوى المشهورة بين الأصحاب، والتي لم يكن لها دليل ظاهر، وُجدت لاحقًا في «فقه الرضا». [الحدائق الناضرة، ج1، ص26، نقلًا عن #المجلسي في مقدّمة «بحار الأنوار»]. ولا ريب أنّ لهذا الكلام أثرًا بالغًا، كما أنّ أصل ملاحظته ـ وهي أنّ عددًا من الأحكام كان مشهورًا بين الفقهاء من غير أن يُعرف له مستند ـ صحيحة في نفسها، وإنّما يقع البحث في تفسير هذه الظاهرة. ومن ذلك تقسيم الاستحاضة إلى ثلاثة أقسام، فقد كان هذا التقسيم مشهورًا بين الأصحاب، مع أنّه لا توجد رواية تتضمّن هذا التقسيم الثلاثي؛ إذ إنّ الروايات الواردة فيها إمّا تجعل الاستحاضة قسمًا واحدًا أو قسمين، بينما ورد التقسيم الثلاثي في «فقه الرضا». ومن هنا لا يمكن إنكار أثر هذا الكتاب في الفقه الإمامي. غير أنّ محلّ الكلام هو: هل يكفي هذا القدر من التأثير لإثبات أنّ الكتاب للإمام #الإمام_الرضا (عليه السلام)؟ أو على الأقلّ: هل يثبت أنّه كتاب معتبر يمكن الاعتماد عليه؟ ومنذ ظهوره اختلفت الأنظار فيه؛ فقد قبله #صاحب_البحار، بينما لم يقبله #صاحب_الوسائل. واستمرّ هذا الجدل قرابة مائة إلى مائة وخمسين سنة، ثم تبيّن للعلماء أنّ الخوض فيه ضمن مباحث الأصول لا ثمرة عملية له، ولا سيّما عند أمثال #الشيخ_الأنصاري، الذي ترك هذا البحث أصلًا. إذن، فإنّ هذا التطوّر وقع فعلًا في تاريخ الفقه، فلا ينبغي أن يُستغرب إدراج «فقه الرضا» في بعض الكتب الأصولية القديمة؛ فهذه طبيعة العلوم الاعتبارية، ولا سيّما أنّ هذا الكتاب كان له بالفعل تأثيرٌ كبير في الفقه الإمامي، بل هو ـ في الإنصاف ـ كتاب نفيس وعظيم القيمة. وصحيح أنّنا لا نعتمد عليه بوصفه دليلًا فقهيًا مستقلًا، لكنّه من حيث تاريخ الفقه الإمامي يُعدّ غايةً في الأهمية، ويستحقّ مزيدًا من الفهم والتحليل والدراسة. بل لعلّه ـ بحسب اصطلاحنا ـ يُعدّ من آخر الآثار العلمية للمدرسة البغدادية الثانية. ويُحتمل أنّ هذا الكتاب قد أُلّف ما بين سنتي 310 و312هـ، في عصر الغيبة الصغرى، بل لعلّه يرجع إلى زمن #الإمام_الهادي (عليه السلام). وعلى أيّ حال، فالظاهر أنّ تاريخ تأليفه يقع بين سنتي 250 و350هـ؛ إذ يُستبعد أن يكون قبل سنة 250هـ، كما يُستبعد أن يكون بعد سنة 350هـ، بل حتى بعد سنة 320هـ. ولا شكّ في أنّ هذا الكتاب كان له أثرٌ واضح في تدوين الفقه الإمامي وصياغة بنيته العلمية، ولذلك فإنّنا نكثر من مناقشته والبحث فيه. وهو في الحقيقة كتابٌ بالغ القيمة، غير أنّ مكانه ليس في علم الأصول، وإنّما في علم الرجال، أو الفهارس، أو التاريخ، أو علم الكتاب‌شناسي (الببليوغرافيا)، فهذه هي مواضعه الطبيعية، ولا ينبغي إدراجه ضمن مباحث علم الأصول. (آخر دورة في البحث الخارج في أصول الفقه/ الجلسة السادسة/ 20 ذو القعدة 1444هـ الموافق 14 كانون الأول/ديسمبر 2022م). #«فقه_الرضا»_ذو_أثر_بالغ_في_تاريخ_الفقه_الإمامي**)

الملاك الحقيقي لتمييز علم الأصول عن المباحث اللغوية (**وخلاصة القول: إنّ المشهور جعلوا الملاك في إخراج المباحث اللغوية من علم الأصول أنّها ليست ممهِّدةً للاستنباط. أمّا #الميرزا_النائيني فذهب إلى أنّ النكتة ليست في ذلك، بل في أنّ هذه المباحث تؤثّر في الصغرى، بينما تؤثّر المسألة الأصولية في الكبرى؛ لأنّ المسألة الأصولية إنّما تقع كبرى في قياس الاستنباط. إلّا أنّنا نرى أنّ الملاك الأساس شيءٌ آخر، وهو في الحقيقة ما به تميّز علم الأصول عن غيره من العلوم. فقد كان المتقدّمون يظنّون أنّ علم اللغة يؤثّر في عملية الاستنباط، ولذلك نجد في كتب الأصول القديمة ـ بل حتى في كتبنا، ككتاب «التهذيب» لـ#العلامة_الحلي ـ بابًا مستقلًا بعنوان «في اللغات»، يتناولون فيه المعاني التي يدرسها الطالب في أوّل كتاب «مغني اللبيب»، كالبحث في دلالة «إنّ»، وهل الواو لمطلق العطف أو للعطف مع الترتيب، ونحو ذلك. ومن الواضح أنّ هذه المباحث لها أثر في فهم النصوص الشرعية؛ فلو كانت الواو لمطلق العطف لا للترتيب، فإنّه بناءً على قوله تعالى: ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ﴾ [المائدة: 6]، يجوز غسل اليدين قبل الوجه؛ لأنّ الواو لا تدلّ على الترتيب. ولهذا ذهب بعض الفقهاء إلى جواز ذلك. إذن، إدراج مباحث معاني الحروف في علم الأصول كان بسبب أثرها في الاستنباط، ثم التفتوا بعد ذلك إلى أنّ هذا التأثير وإن كان ثابتًا في كثير من الآيات والروايات، إلّا أنّه ليس ناشئًا من كونها اصطلاحات شرعية. وسيأتي في بحث الحقيقة الشرعية أنّنا نميّز بين اصطلاح الشريعة الوارد في القرآن والروايات، وبين اصطلاح الفقهاء؛ بل لعلّ اصطلاح الفقهاء أولى بالملاحظة، لأنّهم قد يستعملون بعض التعابير استعمالًا لا يوافق القواعد اللغوية. فمن ذلك قولهم: «سواء كان كذا أو كذا»، مع أنّ علماء العربية نصّوا على أنّ استعمال «أو» هنا غير صحيح، وأنّ الصواب هو «أم»، ومع ذلك فهذا الاستعمال شائع جدًّا في كتب الفقهاء، مع أنّه من حيث اللغة غير مطابق للقاعدة. ومن هنا، فإنّ للفقهاء اصطلاحًا خاصًا، سواء في الفقه أم في الأصول. وعليه، فإنّ ما ذكره #الميرزا_النائيني ليس بعيدًا عن الصواب، غير أنّ النكتة الأساسية تكمن في أمر آخر. ففي بحث المشتق مثلًا، يبحث الأصوليون في مدلول هيئة المشتق: هل تختصّ بمن تلبّس بالمبدأ فعلًا، أم تشمل أيضًا من انقضى عنه المبدأ؟ غير أنّ هذا البحث في حقيقته بحثٌ لغوي، مع إمكان أن يكون المراد في بعض الآيات أو الروايات معنىً خاصًا يختلف عن المعنى اللغوي العام. فقد وردت رواية ـ مثلًا ـ تنهى عن الوضوء بالماء المشمَّس. فهل المقصود بالماء المشمَّس ما تعرّض للشمس سابقًا ثم برد بعد ذلك، أم المراد ما هو واقع تحت أشعة الشمس فعلًا؟ وكذلك الحال في الشجرة المثمرة؛ فلو كانت في فصل الشتاء، وقد تساقطت أوراقها ولم تكن مثمرة بالفعل، فهل تبقى الأحكام المترتبة على عنوان «الشجرة المثمرة» ثابتة لها أم لا؟ فمثل هذه المباحث قد تؤثّر في الاستنباط الفقهي، لكن لا بما هي مسائل فقهية، ولا بما هي من اصطلاحات الفقهاء، وإنّما بما هي مباحث لغوية. ولهذا قد يقال أحيانًا: هذا هو الحكم بحسب اللغة، لكنّ المورد الشرعي استثناءٌ من ذلك، ومع هذا لم تُدرج هذه الموارد ضمن مسائل علم الأصول. ومن هنا أيضًا ما يُذكر في مسألة رجوع الضمير إلى العام المتقدّم مع إرادة بعض أفراده، كما في قوله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ... وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ﴾ [البقرة: 228]. فقد قيل: إنّ لفظ ﴿الْمُطَلَّقَاتُ﴾ يشمل المطلّقات الرجعيات والبائنات معًا، ثم إنّ الضمير في قوله تعالى: ﴿بُعُولَتُهُنَّ﴾ لا يعود إلا إلى المطلّقات الرجعيات، أي إلى بعض أفراد العام. غير أنّ الإنصاف أنّ هذا الاستعمال لا ينسجم مع الفهم العرفي؛ لأنّ العرف لا يقبل أن يُذكر عامّ، ثم يعود الضمير إلى بعض أفراده فقط. فلو قال شخص: «زارني العلماء فقلت لهم...»، وكان المراد بـ«العلماء» الفقهاء والأصوليون والمحدّثون وعلماء الرجال جميعًا، ثم أراد بالضمير خصوص الأصوليين، لعدّ العرف ذلك خلاف ظاهر الكلام. وعليه، فإذا ادُّعي وقوع هذا الأسلوب في الآية الكريمة، فإنّه يُعدّ موردًا خاصًا واستثنائيًا، ولا يصلح لأن يكون قاعدةً أصولية عامة. ثم إنّه، وبالاستناد إلى القرائن الخارجية، ولا سيّما السنّة، نرى أنّ المراد من لفظ «المطلّقات» في الآية هو خصوص المطلقات الرجعيات، دون البائنات، ومن ثمّ فإنّ أصل هذا الإشكال غير واضح عندنا. أمّا البحث في تشخيص صغريات الآية الكريمة، فهو بحثٌ آخر.)** #تمييز_علم_الأصول_عن_المباحث_اللغوية

تمييز علم الأصول عن سائر العلوم في فهم النصوص الشرعية (**ومن الأمثلة على ذلك ما ورد في بعض الروايات من أنّه: «إذا كنت في العراق فاجعل الجَدْي (النجم القطبي) على كتفك اليمنى». غير أنّ هذا ليس من باب التعبّد الفقهي؛ أي ليس المقصود أن نقول: كلّ موضع يصدق عليه عنوان «العراق» يجب فيه العمل بهذه الكيفية، إذ من الواضح أنّ الجهات تختلف باختلاف مناطق العراق. ولذلك رجع الفقهاء إلى علم الهيئة (علم الفلك)، وقالوا: إنّ هذا الحكم مختصّ بمنطقة معيّنة من العراق، حيث يكون الانحراف عن جهة الجنوب نحو الغرب بحدود (22) درجة، ولا يشمل جميع أنحاء العراق. أمّا في مورد الروايات التي دلّت على أنّ المكلّف مخيّر في مسجد النبي ﷺ بين القصر والتمام، فقد قالوا: كلّ موضع يصدق عليه عنوان «مسجد النبي ﷺ» ـ بما في ذلك الأجزاء التي أُضيفت إليه لاحقًا ـ يثبت فيه هذا التخيير؛ لأنّ التعبّد قد تعلّق بعنوان «مسجد النبي ﷺ» نفسه، ومن ثمّ توسّع الحكم بتوسّع هذا العنوان. وأمّا في مثال تحديد القبلة بالاستعانة بعلم الهيئة، فلا يوجد تعبد بعنوانٍ خاص، ولم يأتِ الشارع ليغيّر القواعد العلمية لعلم الهيئة، ولذلك يُرجع في هذه المسألة إلى علم الهيئة، لا إلى إطلاق الرواية. وعليه، يقال: إنّ علم الهيئة يقرّر أنّ القبلة في بعض مناطق العراق، كـالنجف وغيرها، تكون بالانحراف عن الجنوب نحو الغرب بمقدار يقارب (20 ـ 22) درجة. وكان يُعبَّر عن ذلك في اصطلاح ذلك العصر بقولهم: «اجعل النجم القطبي على كتفك اليمنى»؛ لأنّ هذه الطريقة تؤدّي عمليًا إلى ذلك المقدار من الانحراف. (آخر دورة في البحث الخارج في أصول الفقه/ الجلسة السادسة/ 20 ذو القعدة 1444هـ الموافق 14 كانون الأول/ديسمبر 2022م). #نكتة_التمييز_بين_علم_الأصول_وسائر_العلوم**)

تعريف علم الأصول عند #الميرزا_النائيني وموقعه في عملية الاستنباط (**ذكر #الميرزا_النائيني في كتاب «فوائد الأصول» مقدّمةً جاء فيها: «لا إشكال في أنّ العلوم ليست في عرضٍ واحد»، 1️⃣ غير أنّ هذا الكلام لا يرتبط مباشرةً بما نحن بصدده. ثم تعرّض لبيان أنّ: «جلّ العلوم تكون من مبادئ علم الفقه». ويقصد بذلك العلوم المتداولة في الحوزات العلمية، ثم قال: «ومن مقدّماته، حيث يتوقّف الاستنباط على العلوم الأدبية ـ من الصرف، والنحو، واللغة». والظاهر أنّ هذا الكلام ينسحب بدرجة أكبر على علوم البلاغة، والمعاني، والبيان، والشعر؛ لأنّ العلوم الأدبية قد عُدّت تارةً ثلاثة عشر علمًا، وأخرى ثمانية عشر، أو تسعة عشر، أو ثلاثةً وعشرين، وهذه الفروع هي الأكثر تأثيرًا في عملية الاستنباط. ثم قال: «وكذا يتوقّف على علم الرجال وعلم الأصول، ولكن مع ذلك ليست هذه العلوم في عرضٍ واحد». وهذا الكلام صحيحٌ في الجملة. ثم يذكر نكتةً في بيان الفارق بين هذه العلوم، فيقول: «والحاصل أنّ علم الأصول يقع كبرى لقياس الاستنباط»؛ أي إنّ علم الأصول يشكّل الكبرى في القياس الذي تُستنبط به الأحكام الشرعية. وقد نقل #السيد_البجنوردي هذا المعنى أيضًا في كتاب «منتهى الأصول»، 2️⃣ بينما لم يذكره #السيد_الخوئي بهذه الصراحة، 3️⃣ كما أنّ عبارة #الميرزا_النائيني هنا نفسها ليست بذلك الوضوح. والتعبير الذي كان يُنقل عنه في تعريف علم الأصول، وهو: «كلّ مسألة تقع نتيجتها كبرى لقياس استنباط حكمٍ شرعي فرعي كلّي»، قد اختصره هنا بقوله: «علم الأصول يقع كبرى لقياس الاستنباط». (آخر دورة في البحث الخارج في أصول الفقه/ الجلسة السادسة/ 20 ذو القعدة 1444هـ الموافق 14 كانون الأول/ديسمبر 2022م). #تعريف_علم_الأصول 1️⃣ فوائد الأصول 1-2: 18. 2️⃣ «علم الأصول عبارة عن جملةٍ من القضايا التي تصلح لأن تقع كلّ واحدةٍ منها كبرى في قياس تكون نتيجته الحكم الكلّي الشرعي الفرعي أو البناء العملي العقلي.» (منتهى الأصول 1: 4) 3️⃣ «وهو: العلم بالقواعد التي تقع بنفسها في طريق استنباط الأحكام الشرعية الكلّية الإلهية، من دون حاجة إلى ضميمة كبرى أو صغرى أصولية أخرى إليها.» (محاضرات في أصول الفقه 1: 11) «والمسألة الأصولية هي ما يمكن أن تقع نتيجتها في كبرى القياس الذي ينتج نفس الحكم الشرعي من دون الاحتياج إلى شيءٍ آخر.» (مصباح الأصول 3: 7).**)

#الاستصحاب_من_المسائل_الأصولية_وهو_نظير_القياس**)

الاستصحاب من المسائل الأصولية وهو نظير القياس في بنيته الاستدلالية (**لـ#الميرزا_النائيني عبارةٌ يظهر منها أنّه عدّ الاستصحاب من القواعد الفقهية، إلّا أنّه صرّح أيضًا بأنّ الدليل نفسه صالحٌ لأن يجري في بعض موارد الأحكام، غير أنّ نتيجته هناك لا تكون حكمًا جزئيًا، حيث قال: (وإن صلحت...)، ثم أشار إلى ذلك في أوائل بحث الاستصحاب. وقد ذكر في مستهلّ هذا البحث أنّ الاستصحاب إذا جرى في الشبهات الحكمية كان من المسائل الأصولية، أمّا إذا جرى في الشبهات الموضوعية فهو من القواعد الفقهية. والجدير بالذكر أنّ الأصوليين حين طرحوا بحث الاستصحاب، لم يكن مقصودهم أصلًا الشبهات الموضوعية، ولا الشبهات الحكمية الجزئية، وإنّما كان غرضهم الشبهات الحكمية الكلية. فلو قال لي والدي: «أكرم فلانًا»، فأكرمته، ثم شككت بعد ذلك في بقاء هذا الوجوب، فهذه شبهة حكمية جزئية، وقد اتّفق الجميع على جريان الاستصحاب فيها. والإنصاف أنّ الاستصحاب في الشبهات الحكمية ـ الذي اعترف #الميرزا_النائيني نفسه بأنّه من مباحث علم الأصول ـ كان في التصوّر القديم بمنزلة القياس، ولا يختلف عنه اختلافًا جوهريًا، ولعلّ هذا هو أحد الإشكالات التي أثارها الأخباريون عليه. وتوضيح ذلك أنّه منذ عصر الصحابة طُرح في الأذهان سؤالٌ مفاده: هناك موضوعات لا نعرف لها حكمًا شرعيًا، فكيف نتعامل معها؟ وكانت جميع هذه المباحث، سواء في الفقه أو في الأصول، تدور حول معالجة هذه المشكلة؛ فتارةً يُبحث عن الحكم الجزئي، وهذا هو الفقه، وأخرى يُبحث عن الحكم الكلي، وهذا هو علم الأصول. فمثلًا كانوا يقولون: إنّ حكم الخمر المتّخذ من العنب معلوم، وهو الحرمة، فهل يمكن إسراء هذا الحكم إلى أنواع أخرى من الأشربة المسكرة، كالمتّخذة من الخشب أو غيره ممّا استُحدث في الأزمنة اللاحقة؟ ومن الواضح أنّ نقل الحكم من موضوع إلى موضوع آخر يحتاج إلى دليل تعبّدي. فقالوا: إنّ الإيمان بمقاصد الشريعة يمكّننا من اكتشاف علّة إجمالية للحرمة. ومن هنا جاء أحد أركان القياس المعروف بـالسبر والتقسيم؛ فـ«السبر» يعني الفحص والإحصاء والاستقراء. فكانوا يفترضون عللًا محتملة للحرمة، ثم يختبرونها واحدةً بعد أخرى؛ فيقال: هل الحرمة لأجل كونه مائعًا؟ كلا، فالماء مائع وليس حرامًا. وهل هي لأجل لونه؟ كلا، فإنّ أشياء أخرى، كماء الرمّان، تشترك معه في اللون وليست محرّمة. وهكذا تُستبعد الاحتمالات تباعًا، حتى لا يبقى سوى الإسكار، فيُقال: الإسكار هو علّة الحرمة، وبما أنّ الإسكار موجود أيضًا في هذه الأشربة الجديدة، فإنّ الحكم يثبت لها، وهذا هو ما يسمّونه استنباط العلّة. وعليه، فإنّ القياس يقوم على وجود موضوعٍ له حكم، وموضوعٍ آخر لا حكم له، ثم تُستنبط علّة الحكم، فإذا وُجدت تلك العلّة في الموضوع الثاني، أُسري الحكم إليه؛ أي إنّهم يفترضون جامعًا بين الموضوعين، وببركة هذا الجامع ينقلون الحكم من الأوّل إلى الثاني؛ كما في إسراء حرمة الخمر المتّخذ من العنب إلى الخمر المتّخذ من الأرز. أمّا في الاستصحاب، فالموضوع واحد، لكن له حالتان؛ ففي إحدى الحالتين ثبت له الحكم، وفي الأخرى لم يثبت. فمثلًا: المرأة الحائض في حال وجود الدم ثبتت لها حرمة الوطء، فإذا انقطع الدم ولم تغتسل بعد، فإنّهم ينقلون حكم الحالة الأولى إلى الحالة الثانية، وقالوا: إنّ الملاك في ذلك هو بقاء الموضوع ووحدته. ولهذا نجدهم في الاصطلاحات الأصولية، ومنهم #الميرزا_النائيني، يقولون: «يشترط بقاء الموضوع في الاستصحاب»، أي وحدة القضية المتيقّنة والقضية المشكوكة. إلّا أنّ مجرّد وحدة الموضوع لا يكفي لحلّ الإشكال، بل لا بدّ من التمييز بين الحيثية التقييدية والحيثية التعليلية؛ فإن كانت الحرمة قد تعلّقت بذات المرأة، فإنّ ذاتها باقية بعد انقطاع الدم، فيستصحب الحكم. أمّا إذا كانت الحرمة قد تعلّقت بذات المرأة المقيّدة بوصف الحيض، فإنّ هذا الوصف قد زال بانقطاع الدم، فلا يبقى مجال للاستصحاب. ومن هنا ينبغي الالتفات إلى أنّ الاستصحاب في الثقافة الأصولية عند أهل السنّة هو في حقيقته نوعٌ من القياس. ولذلك نجد في كتاب «المعالم» عنوانًا يقول: «المقصد الثامن: في القياس والاستصحاب»، حيث جمع بينهما في موضعٍ واحد. وأرى أنّ هذه ملاحظة فنية دقيقة للغاية؛ لأنّ الاستصحاب ملحقٌ بالقياس، غير أنّ الفرق بينهما هو أنّ الاستصحاب ينقل الحكم من حالة إلى حالة أخرى للموضوع نفسه، بينما القياس ينقل الحكم من موضوع إلى موضوع آخر. فالحقّ أنّ الاستصحاب من المسائل الأصولية، وهو نظير القياس، ولذلك فإنّ عدَّه من القواعد الفقهية ـ كما صنع #الميرزا_النائيني بقوله: (وإن صلحت...) ـ ليس بصحيح. نعم، إنّ بداية البحث في الاستصحاب كانت في الموضوعات، وقد اتّفقوا تقريبًا على جريانه فيها، ثم انتقل البحث إلى الأحكام، وهناك وقع الخلاف بينهم. (آخر دورة في البحث الخارج في أصول الفقه/ الجلسة الخامسة/ 16 ذو القعدة 1444هـ الموافق 10 كانون الأول/ديسمبر 2022م).

الاستصحاب في الشبهات الحكمية وتعارض استصحاب بقاء المجعول مع استصحاب عدم الجعل (**لقد تقدّم أنّه في باب الأحكام، إذا أُريد بالأصل العملي الأصلَ الناظر إلى نفس الحكم الشرعي، فإنّه ـ بحسب رأي الأعلام ـ ينحصر في الاستصحاب؛ لأنّه يقول: كان هذا الفعل واجبًا فهو باقٍ على وجوبه، وكان حرامًا فهو باقٍ على حرمته. أمّا إذا كان الأصل ناظرًا إلى موقف المكلّف من الحكم وتلقّيه له، فهذا هو البراءة؛ لأنّها تقول: أنت لا تعلم، وما دمت لا تعلم فلا تكليف عليك. ومع ذلك، فإنّ مفاد الأصلين واحد. فالبراءة، سواء في الشبهات الوجوبية أم التحريمية، مفادها نفي الحكم، ويقابلها الاحتياط الذي يجري في الأحكام، ولكن لا بقصد إثبات نفس الحكم. أمّا الاستصحاب فهو يثبت نفس الحكم الشرعي، ولا سيّما أنّ المتقدّمين كانوا يرون أنّه يفيد الظنّ، ولذلك كانوا يعدّونه نظير القياس؛ أي إنّ الاستصحاب إمّا أن يُلحق بمصادر التشريع كحال القياس، أو يُلحق بالحجج والأمارات كخبر الواحد. أمّا في اصطلاح الأصول الإمامي المتأخّر، فقد أُدرج الاستصحاب ضمن الأصول العملية، ولم يُعدّ لا من مصادر التشريع ولا من الحجج والأمارات. ولـ#الميرزا_النائيني عبارةٌ سبق أن قرأناها، ويظهر منها أنّه عدّ الاستصحاب من القواعد الفقهية، واعتبر أنّ نتيجته هي استنباط حكمٍ شرعي فرعي جزئي. ثم التفت إلى أنّ الاستصحاب يصلح أيضًا لإثبات الأحكام الكلية، فصرّح بذلك. ومع ذلك، فإنّ عددًا كبيرًا من الأصوليين، وكذلك الأخباريين الذين لا يرون أصلًا حجّية الاستصحاب في الشبهات الحكمية، يختلفون في ذلك. بل إنّ #الملا_محمد_أمين_الأسترآبادي عدّ الاستصحاب إحدى المسائل الأساسية ـ من بين تسع أو إحدى عشرة مسألة ـ التي وقع فيها الخلاف بين الأخباريين والأصوليين في كتاب «الفوائد المدنية». وخلاصة رأيه أنّ قوله عليه السلام: «لا تنقض اليقين» منصرفٌ عن الأحكام الكلية، وإنّما هو ناظر إلى الموضوعات الخارجية. أمّا مشهور الأصوليين ـ ومنهم #الميرزا_النائيني ـ فيرون جريان الاستصحاب في الشبهات الحكمية الكلية. وخلاصة الكلام: إنّنا نجد بين الأصوليين المتقدّمين، كـ#السيد_المرتضى، من لا يقول بجريان الاستصحاب، بخلاف #الشيخ_الطوسي. ومن هنا، فإنّ القول بجريان الاستصحاب أو عدم جريانه ليس من أصول المذهب؛ إذ إنّ كلا الرأيين موجود في التراث الإمامي، كما أنّ الأخباريين أيضًا لا يقولون بجريان الاستصحاب في الشبهات الحكمية. وكذلك فإنّ #السيد_الخوئي لا يقول بجريان الاستصحاب في هذه الموارد، ولكن ليس بسبب انصراف دليل الاستصحاب، بل بسبب التعارض؛ إذ يرى أنّ استصحاب بقاء المجعول يعارض استصحاب عدم الجعل، فيتساقطان معًا. وتوضيح ذلك أنّه بالنسبة إلى هذين الأصلين، توجد أربعة آراء أو أربعة احتمالات: 1. يرى #السيد_الخوئي أنّ كلا الاستصحابين يجريان، إلا أنّهما يتعارضان ويتساقطان. 2. يجري استصحاب بقاء المجعول في الشبهات الحكمية الكلية، ولا يجري استصحاب عدم الجعل. وهذا هو الرأي المشهور بين الأصوليين منذ زمن #الوحيد_البهبهاني، وقد أكّد عليه أكثر تلامذة #السيد_الخوئي في مقابل أستاذهم. وحاصل كلامهم أنّ استصحاب عدم الجعل يرتفع بمجرد تحقّق الجعل. ومثاله في الموضوعات الخارجية: إذا رأيت زيدًا جالسًا إلى ساعة معيّنة، ثم شككت بعد ذلك في بقائه جالسًا، فإنّك تستصحب الجلوس، ولا تستصحب عدم الجلوس السابق؛ لأنّ عدم الجلوس قد ارتفع بتحقّق الجلوس، وما ارتفع لا يعود حتى يُستصحب. ومن هنا، لا يبقى مجال لاستصحاب عدم الجلوس بعد تحقّق الجلوس، وهذا نظير البحث المعروف في القضايا الحقيقية والقضايا الخارجية. 3. وعكس هذا الرأي ـ ولعلّه رأي بعض الأخباريين ـ وهو جريان استصحاب عدم الجعل دون استصحاب بقاء المجعول. ويترتّب على ذلك القول بعدم حجّية الاستصحاب في الشبهات الحكمية؛ لأنّ المرجع حينئذٍ هو استصحاب عدم الجعل. فلو شككنا ـ مثلًا ـ في أنّ الشارع جعل حرمة وطء المرأة بعد انقطاع دم الحيض وقبل اغتسالها، فإنّ الأصل الأوّلي هو عدم الجعل. نعم، قد رفعنا اليد عن هذا الأصل في زمن وجود الدم، أمّا بعد انقطاعه فنرجع إلى استصحاب عدم الجعل؛ لأنّ الأصل أنّ هذا الحكم لم يكن مجعولًا، ثم ثبت زمن الحيض، وبعد زوال الدم وقبل الغسل نستصحب عدم الجعل السابق. 4. والرأي الرابع هو رأي الأستاذ نفسه، وهو أنّ لا استصحاب عدم الجعل يجري، ولا استصحاب بقاء المجعول؛ لأنّ كلا هذين الاستصحابين لا يجري أصلًا في الاعتبارات القانونية. (آخر دورة في البحث الخارج في أصول الفقه/ الجلسة الخامسة/ 16 ذو القعدة 1444هـ الموافق 10 كانون الأول/ديسمبر 2022م). #الآراء_في_تعارض_استصحاب_بقاء_المجعول_مع_استصحاب_عدم_الجعل**)

البراءة في علم الأصول بين المنهج التراثي والقراءة الأخبارية (**ومن بين الكتب الإمامية التي أُلِّفت في علم الأصول، والتي جاءت ـ إلى حدٍّ كبير ـ وفق المعايير الأصولية المتداولة في ذلك العصر، كتبُ #العلامة_الحلي؛ حتى إنّ كتاب «معارج الأصول» لـ#المحقق_الحلي ليس على هذا النمط. 1️⃣ فقد جاءت كتب #العلامة_الحلي منسجمةً مع المعايير الأصولية السائدة، وانتقل قسمٌ كبير من مباحثها ـ باستثناء بعض المواضع ـ إلى كتاب «المعالم». ثم جاءت مرحلة «المعالم»، وهي المرحلة التي شهدت الهجوم العنيف من المدرسة الأخبارية وما أثارته من إشكالات. وكان من الطبيعي أن تبدو كتب #العلامة_الحلي مشابهةً للكتب الأصولية عند أهل السنّة، ولذلك وجّه إليها الأخباريون انتقاداتٍ حادّة وشديدة. ثم جاء #الوحيد_البهبهاني، فاستخرج معظم المباحث الأصولية من الروايات، وبذلك زالت الإشكالات التي أثارها الأخباريون. فقد استند في إثبات البراءة إلى حديث الرفع، بينما #الشيخ_الطوسي لم يذكر حديث الرفع أصلًا. 2️⃣ وعليه، فإنّ #الشيخ_الطوسي لم يستند إلى حديث الرفع في القول بالبراءة، بل إنّ البراءة في كلمات أمثال #ابن_إدريس وغيره هي البراءة المتداولة عند أهل السنّة، وليست البراءة المستندة إلى حديث الرفع. 3️⃣ وعلى أيّ حال، فإنّ الأخباريين في ما بعد طرحوا حديث الرفع؛ لأنّه كان يُستدلّ به في مقابل القول بالبراءة، لكنّهم حملوه على الموضوعات الخارجية، وقالوا: إنّه لا يشمل الأحكام الشرعية. ثم جاء #الوحيد_البهبهاني، وقال: بل إنّ هذا الحديث صالح للاستدلال في الأحكام الشرعية أيضًا. وخلاصة الأمر: إنّ التاريخ العلمي لهذا التطوّر في المدرسة الإمامية واضحٌ تمامًا، غير أنّ ذلك لا يعني إخراج بحث البراءة من علم الأصول. نعم، هناك ـ بل عدّة ـ مناهج واتجاهات مختلفة في معالجة هذه المسألة، إلّا أنّ اختلاف المناهج لا يقتضي القول بأنّ البراءة ليست من مباحث علم الأصول. (آخر دورة في البحث الخارج في أصول الفقه/ الجلسة الخامسة/ 16 ذو القعدة 1444هـ الموافق 10 كانون الأول/ديسمبر 2022م). #البراءة_ليست_خارجة_عن_علم_الأصول 1️⃣ ولا سيّما أنّ #العلامة_الحلي ألّف دورةً أصوليةً من ثلاثة مجلّدات تشبه إلى حدٍّ ما كتاب «الحلقات»، وهي: «مبادئ الوصول إلى علم الأصول» الذي يُعدّ مقدّمةً، ثم «تهذيب الوصول»، ثم «نهاية الوصول». وله أيضًا كتاب «منتهى الأصول»، وهو غير كتاب «نهاية الوصول». 2️⃣ وتوضيح ذلك أنّ حديث الرفع لم يرد أصلًا في كتب #الشيخ_الطوسي. نعم، ينقل في بعض كتبه ـ ككتاب «الخلاف» ـ حديث الرفع الثلاثي (الخطأ، والنسيان، والإكراه)، وهو مرويٌّ عن أهل السنّة، غير أنّ الفقرة المهمّة فيه، وهي: «ما لا يعلمون»، التي تصلح لإثبات البراءة، ليست موجودة فيه. ولدينا حديث رفع ثلاثي، ورباعي، وسداسي، وتساعي، وجميعها من المرويّات الخاصّة بالإمامية. وقد ورد هذا الحديث في كتاب «أصول الكافي» ضمن باب الإيمان والكفر. ويبدو ـ بحسب ما اطّلعت عليه ـ أنّ #الشيخ_الطوسي لم يكن ينقل من «أصول الكافي»، ولا نعلم سبب ذلك؛ فلعلّه لم يكن الكتاب متوفّرًا لديه، أو لعلّه لم يلتفت إلى أنّ بعض رواياته تصلح للاستدلال الفقهي، مع أنّ الحديث قد ورد أيضًا في كتب #الشيخ_الصدوق. كما أنّه لا يكثر من النقل عن آثار #الشيخ_الصدوق. وقد ورد حديث الرفع في كتاب «الفقيه» مرسلًا، وفي كتاب «الخصال» مسندًا. وإن كان المشهور اليوم بين العلماء أنّهما حديثٌ واحد، إلّا أنّا أوضحنا أنّهما حديثان مختلفان، وأنّ المرسل غير المسند. 3️⃣ ومن الملاحظ أنّ الروايات التي نقلها #الشيخ_الطوسي هي التي اشتهرت في الأزمنة اللاحقة، أمّا الروايات التي انفرد بنقلها #الشيخ_الصدوق أو #الكليني فلم تنل القدر نفسه من الشهرة. ولذلك لم يشتهر حديث الرفع؛ لأنّ #الشيخ_الطوسي لم يورده. وكذلك حديث «من بلغ» لم يذكره #الشيخ_الطوسي أصلًا، مع أنّه موجود في كتابي «الكافي» و«المحاسن»، كما ورد مضمونه أيضًا في كتاب «ثواب الأعمال» لـ#الشيخ_الصدوق.)

علم أصول الفقه وإغفال مباحث مصادر التشريع في المدرسة الأصولية المتأخرة (وينطبق الأمر نفسه على علم أصول الفقه؛ فقد اتخذ هذا العلم مع مرور الزمن بنيةً ومنهجًا خاصَّين، إلا أنّ كتاب #الشيخ_الطوسي «العدة» لا يشبه الكتب الأصولية المتداولة عند أهل السنّة، بل يمتاز بطريقته الخاصة؛ إذ يشتمل على جملة من الكليات وبعض المباحث العامة، غير أنّ تنظيمه وأسلوبه لا ينسجمان مع هيكلية كتب الأصول عندهم.¹ ولو تأملنا في الإشكالات المطروحة في الدراسات الأصولية المعاصرة، لوجدنا أنها لا تكاد تتعرض لمباحث مصادر التشريع، وإنما جعلت محور البحث هو الحجج والأمارات، ثم ألحقت بها الأصول العملية. ولا سيّما بعد #الوحيد_البهبهاني، حيث ظهر في المدرسة الإمامية اتجاهٌ يفرّق تفريقًا أساسيًا بين الأصول العملية والأمارات والحجج، ثم تطور هذا الاتجاه لاحقًا إلى تقسيم الأصول نفسها إلى قسمين: الأصول المحرزة والأصول غير المحرزة (أو: الأصول التنزيلية وغير التنزيلية).) (آخر دورة في خارج أصول الفقه/ الجلسة الخامسة/ 16-9-1401هـ ش = 7 كانون الأول/ديسمبر 2022م). #علم_أصول_الفقه_وإغفال_مباحث_مصادر_التشريع 1️⃣ إنّ دراسة تطور مباحث علم الأصول أصبحت اليوم ميسورة؛ إذ لا يزال بين أيدينا كتاب «الرسالة» للإمام #الشافعي، الذي يُعدّ ـ بحسب الرأي المشهور ـ أقدم كتابٍ وصل إلينا في علم الأصول. وأظنني رأيت في بعض المواضع أن كتاب الأصول المنسوب إلى #الشيباني قد عُثر عليه وطُبع أيضًا. كما أن كتاب #أبي_الحسين_البصري، وهو من علماء القرن الرابع، لا يزال موجودًا. وأما في المدرسة الإمامية، فيبدو أن أول كتاب أصولي بالمنهج المتعارف هو كتاب #ابن_الجنيد_الإسكافي؛ وقد اطلعت على نسخة منه، فوجدتها قريبة في منهجها من كتب الأصول المعروفة. صحيح أن #الفضل_بن_شاذان (المتوفى سنة 260هـ) ألّف في بعض المباحث الأصولية، إلا أنّ أول دورة أصولية متكاملة ـ فيما وقفت عليه ـ هي للإسكافي. وأما أقدم كتاب كامل بأيدينا اليوم فهو «الذريعة» لـ #السيد_المرتضى، وإلى حدٍّ ما أيضًا «العدة» لـ #الشيخ_الطوسي. ثم جاءت بعد ذلك مؤلفات التزمت بالتنظيم المتداول آنذاك، حتى أصبح «مختصر ابن الحاجب» هو المتن المعتمد، وصارت الهيكلية التي وصلت إلينا في كتب الأصول ـ إلى زمن «المعالم» تقريبًا ـ مبنية إلى حدٍّ كبير على ترتيبه. ثم بعد «المعالم» أعادت المدرسة الإمامية صياغة علم الأصول، ولا سيما بعد #الوحيد_البهبهاني، حيث اكتسبت المباحث الأصولية بنيةً جديدة، غير أنّ هذا لا يعني إخراج بعض المباحث من علم الأصول أو إدخال أخرى فيه. وعند المقارنة يتضح أن كتاب #أبي_الحسين_البصري وما أُلّف بعده يسير تمامًا وفق المنهج والترتيب الأصولي المعروف، بل حتى «الذريعة» لـ #السيد_المرتضى جرى ـ في الجملة ـ على هذا النسق، إلا أنه لما كان لا يقول بحجية خبر الواحد، جاءت مباحث الأخبار عنده ـ وهي من أهم مباحث الأصول ـ بصياغة مختلفة، وإلا فإن ترتيب الكتاب هو نفسه. بخلاف «العدة» لـ #الشيخ_الطوسي، فإنه يتميز بترتيب خاص لا يوافق الترتيب المألوف في كتب الأصول. 2️⃣ ويتجلى ذلك بوضوح في المنهج الذي سلكه #الشيخ_الأنصاري في كتاب «الرسائل»؛ إذ جعل عملية الاستنباط تدور حول حالات المكلّف: فإما أن يحصل له القطع، أو الظن المعتبر، أو يرجع إلى الأصول العملية، ثم قسم الأصول إلى محرزة وغير محرزة، ورتب مباحثه وفق الحالات الإدراكية للمكلّف (كالقطع والظن ونحوهما). بينما نجد أن المدارس القانونية الحديثة لا تجعل محور البحث الحالة الإدراكية للشخص، وإنما طرق الإثبات القانونية الخاصة. نعم، إذا حصل القطع فقد يكون معذِّرًا أو لا يكون، أو ـ بتعبيرهم ـ منجِّزًا أو معذِّرًا. غير أنني أرى أن المنجِّزية ليست أمرًا قابلًا للجعل؛ إذ إنّ أحد معاني الحجية التي ذكرها صاحب «الكفاية» هو المعذرية والمنجزية، والبحث في المعذرية معقول، أما المنجزية التي ذكروها، فإذا أصابت الأمارة الواقع، فلا يبقى مجال للقول بأنها مجعولة؛ لأنها حينئذٍ ليست مما يقبل الجعل أصلًا.)

بداية تدوين علم دراية الحديث عند الإمامية ومقارنته بالتراث السني (بدأ العمل المنهجي في علم الأصول منذ القرن الثالث الهجري، كما بدأ في الفترة نفسها تقريبًا التأليف في علم الرجال. أمّا مباحث دراية الحديث، فلدينا فيها مباحث معروفة، إلا أنّها لم تُبحث في المصنفات الإمامية القديمة، ويُعدّ أقدم كتاب مستقل لدينا في هذا الفن ـ فيما نعرفه ـ هو كتاب #الشهيد_الثاني في القرن العاشر الهجري. وقبل الشهيد الثاني ألّف علماء أهل السنّة مئات الكتب في دراية الحديث، مع الشروح والحواشي عليها.¹ ولا ينبغي إنكار أنّ هذا العلم لم يكن متداولًا عند الإمامية في تلك المراحل، وحين بدأ الاهتمام به لدينا ـ ولنفرض منذ أن تناول #العلامة_الحلي علم الرجال ـ كانت كثير من المسائل الرجالية قد نضجت عند أهل السنّة؛ لأنّ هذه العلوم من العلوم الاعتبارية التي تتطوّر وتتوسّع بمرور الزمن. ومن ذلك أنّ بحث الراوي والمرويّ عنه لا نجده في كتاب العلامة، وبحسب ما أعلمه فإنّ أوّل من طرحه هو #المحقق_الأردبيلي في كتابه «جامع الرواة» (في القرن الثاني عشر وأوائل الثالث عشر الهجري)، وهو زمن متأخر جدًا؛ ولذلك لا يمكن مقارنتنا بهم من هذه الجهة.²) (آخر دورة في خارج أصول الفقه / الجلسة الخامسة / 16-9-1401هـ.ش) الهوامش 1️⃣ إذا اعتبرنا كتاب «المحدّث الفاصل» لـالرامهرمزي أوّل مصنّف في هذا الفن، فإنّ علماء أهل السنّة ألّفوا منذ أواخر القرن الرابع الهجري إلى عصر #الشهيد_الثاني مئات الكتب، بل أكثر من ذلك، ولا سيّما «مقدمة ابن الصلاح» لـابن الصلاح الشهرزوري، وهي من أهم كتبهم في الحديث ودراية الحديث، وقد كُتبت عليها شروح وحواشٍ كثيرة، حتى إنّ الشهيد الثاني نفسه نقل في بعض المواضع نصّ عبارته حرفيًا. 2️⃣ وليس معنى هذا الكلام أن نُعيد تعريف علم الرجال بطريقة تجعل كتاب «خلاصة الأقوال» للعلامة الحلي هو المعيار. فهذا العلم له ضوابطه وأصوله ومسائله الخاصة، وعدم معالجتنا لبعض تلك المسائل لا يبرّر تغيير مفهوم العلم ليتوافق مع ما وصل إلينا من مؤلفاتنا. فلا بدّ أنّ هناك أسبابًا خاصة لهذا النقص، وكان الأولى دراسة تلك الأسباب، لا إعادة تعريف علم الرجال بما يناسب كتاب «الخلاصة»، أو تعريف دراية الحديث بما ينسجم فقط مع كتاب الشهيد الثاني. ويضاف إلى ذلك أنّ #الشهيد_الثاني في كتابه في الدراية سار في مواضع كثيرة وفق المنهج الذي اعتمده علماء أهل السنّة، مع أنّه قد لا يكون منسجمًا في بعض تفاصيله مع طبيعة الروايات الإمامية. #بداية_تدوين_علم_دراية_الحديث_عند_الإمامية #تأخر_التأليف_الإمامي_في_دراية_الحديث #علم_الرجال #دراية_الحديث #الشهيد_الثاني #العلامة_الحلي #المحقق_الأردبيلي

النسبة بين السنّة والفريضة: هل هي نسبة تخصيص أم شرح وبيان؟ (إنّ البحث الأساس الذي يطرحه أهل السنّة بشأن السنّة هو: ما هي نسبة السنّة إلى الفريضة نفسها؟ وقد أشرنا غير مرّة إلى ما ورد في رواياتنا: «إنّ الله فرض الزكاة، وسنّها رسول الله (ص) في تسعة أشياء»، في إشارة إلى أنّ فرض الزكاة جاء مطلقًا من الله تعالى، بينما كان تطبيق النبي (ص) لها في تسعة أشياء فقط، أو أنّ المراد هو أنّ سنّة رسول الله (ص) هي في الأصل شارحة للكتاب ومبيّنة له. وأمّا مصطلح «التخصيص» ـ الذي يُعبَّر عنه اليوم اصطلاحًا بـ «الجمع العرفي» أو «الجمع المقبول» ـ فبحسب ما أعلم، فإنّ أوّل من استعمله في كلمات الأصوليين هو #الشافعي في كتابه «الرسالة»، ومنذ ذلك الحين شاع استعماله. كما أنّ هذا النمط من الجمع بالتخصيص دخل إلى فقهنا الإمامي بدرجة كبيرة على يد #الشيخ_الطوسي. ويقول الشافعي نفسه في «الرسالة» بعد أن ذكر قوله تعالى في الزكاة: «فرض الله الزكاة، وسنّها رسول الله (ص)»، ثم قال: «فكان مخرج الآية عامًا على الأموال، وكان يحتمل أن تكون على بعض الأموال دون بعض، فدلّت السنّة على أنّ الزكاة في بعض الأموال دون بعض». ومن الناحية الأصولية، ينبغي التفريق بين التخصيص وبين السنّة والفريضة؛ فإذا قلنا: إنّ هذا من باب التخصيص، فمعناه أنّ تحديد رسول الله (ص) الزكاة في تسعة أشياء إنّما يكشف عن المراد الجدّي من قوله تعالى: ﴿وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾؛ لأنّ حقيقة التخصيص هي ذلك. فكما أنّ قولنا: «أكرم العلماء» ثم «لا تكرم فسّاق العلماء» يكشف عن أنّ المراد الجدّي هو العلماء غير الفسّاق. إلّا أنّ #نجم_الأئمة يعترض في كتابه «شرح الكافية» على هذا الفهم، ويرى أنّ التخصيص بهذا المعنى غير معقول؛ لأنّه إذا قيل: «جاء القوم»، فمعناه أنّ الجميع ـ ومنهم زيد ـ قد جاءوا، ثم إذا قيل: «إلّا زيدًا»، أصبح المعنى أنّ زيدًا لم يأتِ، وهذا تناقض. ولذلك يطرح تفسيرًا آخر، وقد احتملنا أنّه كان منطلقًا لفكرة الحكومة عند بعض علمائنا؛ إذ يقول: إنّ معنى قول القائل: «جاء القوم إلّا زيدًا» هو في الحقيقة: «جاءني القوم غير زيد»؛ أي إنّ إخراج زيد من الموضوع يتحقّق أولًا، ثم يُسند الحكم إلى الموضوع بعد إخراجه، وهو قريب ممّا عبّر عنه المتأخّرون بالحكومة. وعليه، فلم يكن هذا البحث مهملًا عبر التاريخ. فإذا قلنا إنّ العلاقة هي علاقة تخصيص، فإنّ سنّة رسول الله (ص) تكون شارحة للمراد الجدّي من الآيات. أمّا إذا لم نقل بالتخصيص، وقلنا: إنّها سنّة مستقلة، فالأمر يختلف؛ إذ يكون لكلٍّ من الفريضة والسنّة حكمه الخاص. ومن ثمرات هذا الفرق أنّه إذا قلنا بالتخصيص فلا يجوز التعدّي عن الموارد المنصوصة، أمّا إذا لم نقل بذلك واعتبرناها سنّة، جاز التوسعة والتعميم؛ فالنبي الأكرم (ص) سنّ الزكاة في تسعة أشياء، ثم نُقل أنّ #الإمام_علي (ع) فرض الزكاة على الخيل أيضًا. ووجه ذلك أنّ قولهم: «سنّها رسول الله (ص)» يعني أنّ هناك حكمًا إلهيًا عامًا، كقوله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً﴾، وهناك سنّة نبوية خصّت تسعة أشياء. فقد طبّق النبي (ص) هذا الحكم على تلك الموارد، لكن لا يلزم من ذلك أن يكون المراد الجدّي من الآية منحصرًا فيها؛ فالآية تبقى على إطلاقها، والسنّة تبقى على موردها، ويجوز للحاكم أن يأخذ الصدقة من غير تلك الموارد استنادًا إلى عموم الآية، ولكن بوصفه حكمًا حكوميًا، لا بوصفه سنّة لرسول الله (ص). ومع ذلك، ليس من الواضح لماذا لم يلتفت #الشافعي إلى هذه النكتة؛ إذ إنّه في كتاب «الرسالة» استعمل تعبيري «التخصيص» و«السنّة والفريضة» معًا، في حين أنّ رواياتنا عبّرت بوضوح عن الأمر بلفظي السنّة والفريضة.) #النسبة_بين_السنّة_والفريضة_تخصيص_أم_شرح #الشافعي #الشيخ_الطوسي #نجم_الأئمة #الإمام_علي

غياب مباحث مصادر التشريع في كتب أصول الفقه الإمامية المتأخرة (لقد كنّا نؤكد مرارًا أن التعرّف إلى الجذور التاريخية للمسألة يكشف نتائجها بصورة واضحة، بحيث لا تبقى حاجة كبيرة إلى التعرض للنتائج بصورة مستقلة. فلو تأملنا في الكتب التي أُلّفت في العقود الأخيرة بعد كتاب «الرسائل» ـ وهو من أشهر كتب الأصول ـ في الأصول المتأخرة عند الإمامية، ككتابات #المحقق_النائيني، و#السيد_الخوئي، و#الشيخ_محمد_حسين_الأصفهاني وغيرهم، لوجدنا أنهم لم يخصّصوا في تعريف علم الأصول أو موضوعه بحثًا مستقلاً لمصادر التشريع. فعلى سبيل المثال، فإن كتاب «كفاية الأصول»، مع أنه يتعرض للكتاب والسنة، جعل البحث المتعلق بالكتاب مندرجًا ضمن مبحث حجية الظواهر، ولم يتناول سائر المسائل المرتبطة بالكتاب الكريم استقلالًا.¹ أما السنة، فقد بحثها من زاوية كونها محكية بخبر الواحد، دون أن يعالج حقيقة سنة رسول الله ﷺ بوصفها موضوعًا مستقلًا. وكذلك الحال في الإجماع؛ إذ تناولوه غالبًا من حيث كونه كاشفًا ـ شأنه شأن خبر الواحد ـ أي باعتباره من الحجج والأمارات، لا باعتباره مصدرًا من مصادر التشريع. وأما القياس، فلم يكن مقبولًا عند الإمامية أصلًا، فضلاً عن الاستحسان والمصالح المرسلة ونحوها، فهي أولى بالإهمال. ومن هنا، فإن المناقشات التي أوردها هؤلاء الأعلام، والبحوث التي طرحوها، أغفلت تمامًا البحث في مصادر التشريع بوصفها مصادر للتشريع. ومع أن الكتب القديمة ـ حتى كتاب «معالم الدين» ـ كانت تشتمل على مباحث تتعلق بالكتاب وغيره من المصادر، فإن هذه المباحث حُذفت بالكامل في المدرسة الأصولية الإمامية المتأخرة. ففي ذيل مبحث حجية ظواهر القرآن، وتحديدًا في بعض التنبيهات، يُشار إلى مسألة تحريف القرآن، وهناك يقع شيء من الحديث عن الكتاب، وإلا فإن المباحث الكلية المتعلقة بالكتاب نفسه أو بحقيقة السنة قد أُهملت تمامًا.² أما أهل السنة، فلهم بحوث خاصة في الإجماع، غير أن هذه البحوث لم تُنقل إلى المدرسة الإمامية، بل طُرح الإجماع فيها بصيغة خاصة، ومع ذلك لم يُبحث فيه بما يستحقه من الدراسة. فالإجماع في الفكر الإمامي له تاريخ محدد، كما أن مدّعي الإجماع يختلفون باختلاف العصور، ولكل مرحلة ظروفها الخاصة، إلا أن هذه الجوانب ـ مع الأسف ـ لم تُبحث أيضًا. وهكذا، فإن معظم ما عولج في علم الأصول انصبّ على الحجج والأمارات، ثم على الأصول العملية، وفق المباني التي تبناها الأصوليون، كما عبّر صاحب «الكفاية» بقوله: «التي ينتهي إليها المجتهد في مقام العمل»، والمقصود بها الأصول العملية.) 1️⃣ لا ينبغي أن يُتوهَّم أن جانبًا من مباحث مصادر التشريع ـ كحجية الكتاب ـ قد بُحث في علم الكلام، وأن جانبًا آخر يدخل ضمن علوم القرآن، وأن المقدار اللازم في علم الأصول هو مجرد حجية ظواهر القرآن؛ فإن العلوم متداخلة بطبيعتها. وكذلك الحال في حجية الخبر؛ إذ إن الخبر في الأزمنة السابقة كان طريقًا لإثبات مسائل اللغة وغيرها، كقولهم: «أخبرني فلان...» أو «سمعت فلانًا يقول عن فلان...» لإثبات معنى لفظ في اللغة العربية، ومع ذلك لا يقال إن البحث في حجية الخبر ليس بحثًا أصوليًا، بل هو بلا شك من صميم علم الأصول. 2️⃣ كما لا يصح أن يقال: إننا ما دمنا نملك خبرًا حاكيًا عن السنة، فقد أصبحت السنة بأيدينا؛ لأن البحث في السنة له استقلاله الخاص، كما أن العلاقة بين السنة والكتاب ـ وهي من المسائل التي تعرضنا لها في مباحث التعارض ـ تُعد من أكثر البحوث حيوية وأهمية. #غياب_مباحث_مصادر_التشريع_في_كتب_الأصول_الإمامية #المحقق_النائيني #السيد_الخوئي #الشيخ_محمد_حسين_الأصفهاني #صاحب_الكفاية

البيع إنشاءُ مبادلةٍ لا تنزيل، وبيان الاحتمالات الثلاثة في باب النيابة (يقول #الميرزا_الإيرواني: «ومعنى: بعتك هذا بكذا: إنشاء المبادلة والمقابلة بين المالين، وجعل أحدهما بمنزلة الآخر». والظاهر أنّ هذا التعبير غير دقيق؛ ففي البيع لا يوجد تنزيل، وإنما يوجد نقلٌ وتبديل. فعندما تقول: «بعتك هذا الكتاب بمائة تومان»، فليس المعنى أنّ الكتاب يساوي المائة أو نُزِّل منزلتها، بل المعنى أنّني نقلتُ ملكية الكتاب إليك في مقابل تملّكي للمائة، فهو نقلٌ وجعلُ أحد المالين بدلاً عن الآخر، لا تنزيل أحدهما منزلة الآخر. وهذه المصطلحات ذات حمولة قانونية وحقوقية دقيقة، فلا بد من مراعاتها. نعم، التنزيل يرد في باب العبادات؛ فحين أصلّي نيابةً عن والدي، يكون المقصود أنّ هذه الصلاة تُعدّ صلاةً له، وهذا تنزيل، لا نقلٌ ولا تبديل. وفي باب النيابة يمكن تصوير ثلاثة احتمالات: 1. تنزيل البدن؛ أي: اعتبار بدن النائب بمنزلة بدن المنوب عنه، وهذا خلاف الظاهر. 2. تنزيل العمل، وهو الظاهر؛ أي: اعتبار عمل النائب قائماً مقام عمل المنوب عنه. ولو لم نقل بهذا المعنى، لأصبحت جميع الصلوات النيابية والاستئجارية محلَّ إشكال؛ لأنّ التكليف قد تعلّق بالمنوب عنه وهو لم يؤدّه. ففي الحقيقة، حين تصلّي عن شخصٍ ترك الصلاة عشر سنوات، فإنّك تصلّي ليكون عملك بمنزلة عمله، فإذا اعتُبر كذلك برئت ذمته. وقد كرّرنا مراراً أنّ كلّ موردٍ يتحقّق فيه التنزيل ـ أي حيث يقال: «هذا يقوم مقام ذاك» ـ فهو بنفسه اعتبارٌ وجعلٌ وتصرفٌ اعتباري، ولا يملكه إلا الشارع، أو من أذن له الشارع بذلك. وهذه قاعدةٌ عامة ينبغي حفظها. وعليه، فبدلاً من الجدل حول صحّة النيابات وعدمها، فإنّ البحث الفني الدقيق هو: هل أذن الشارع في تنزيل صلاة النائب منزلة صلاة الميت أم لا؟ فإن قال الشارع: «اعتبرتُ عملك عملَه»، صحّت النيابة وبرئت ذمته. أمّا إذا لم يرد هذا الإذن، فمجرد عدم الدليل كافٍ للحكم بالبطلان؛ لأنّ العمل بحسب القاعدة التكوينية هو عملُ الفاعل نفسه، فإذا أُريد جعله لغيره فلا بد من دليل. نعم، قد يتحقق ذلك إذا أذن الشارع، أمّا من دون إذنه فلا يترتب الأثر، ولا تبرأ ذمة المنوب عنه. ولهذا فكلّ موارد النيابة ـ في العبادات وغيرها ـ تخضع لهذه القاعدة، إلا إذا قامت قرينة ثابتة أو كان الأمر من الأمور العرفية، كأداء دين الغير. 3. تنزيل الثواب؛ ففي هذا الفرض، وإن كان المنوب عنه يُعاتب يوم القيامة على ترك الصلاة، إلا أنّ ثواب العمل يُهدى إليه ويصل إليه.) (خارج الفقه/ المكاسب/ البيع/ 18-09-2017) #البيع_إنشاء_مبادلة_لا_تنزيل #بيان_الاحتمالات_الثلاثة_في_باب_النيابة

إمكان إرادة المعاني الثلاثة للغرر في حديث: «نهى النبي (ص) عن بيع الغرر» > (في عبارة: «نهى النبيّ (ص) عن الغرر»، ذهب جماعة إلى أنّ الغرر بمعنى الجهالة، ولذلك أدرجوا الحديث في مباحث الجهالة. وذهب آخرون إلى أنّ المراد منه الخطر، بينما رأى فريق ثالث أنّ المقصود الخداع والتغرير؛ إذ يقال: «غرّه» أي خدعه وأوقعه في الغش. ويقدّم #الميرزا_النائيني تقريباً لطيفاً، فيرى أنّ هذه المعاني الثلاثة ليست متباينة، بل هي معانٍ طولية مترتّبة بعضها على بعض، وإذا كانت المعاني طولية لا عرضية، فلا مانع من إرادة الجميع معاً. فالجهالة تهيّئ الأرضية للخداع والمكر، والخداع بدوره يؤدّي إلى الخطر والنزاع. ومن ثمّ يمكن القول: إنّ الغرر يشمل المعاني الثلاثة جميعاً؛ لأنّ الجهالة تؤدّي إلى التغرير، والتغرير يفضي إلى الخطر. وبناءً على ذلك، يكون النبي (ص) قد نهى عن الجهالة، والخداع، والخطر معاً؛ إذ إنّ الجهل يفتح باب الخداع، والخداع يفضي إلى وقوع الضرر والمشكلات. وفي بحث البيع أيضاً، لو اقتصرنا على القرائن السياقية لواجهنا إشكالاً؛ لأنّ هذه القرائن ليست ملفوظة، وإنّما هي شواهد حال، فقد يدّعي أحدهم أنّ شاهد الحال يدلّ على معنى، ويدّعي آخر خلافه. ومع وجود الجهالة تتهيّأ أسباب المكر والخداع. وإذا تأمّلنا في واقع الحياة المعاصرة وجدنا أنّ الإنسان يبتكر باستمرار وسائل يكون فيها قدر من الجهالة والغرر؛ لأنّه أدرك ـ بما لديه من نزعة إلى التحايل ـ أنّ جمع الثروات غير الاعتيادية لا يتحقّق غالباً بالطرق الطبيعية، بل عبر معاملات تقوم على الغرر أو الجهالة أو الاحتيال. ومن هنا نشأت صور المقامرة، والربا، وسائر الأساليب التي تُكسى بثوب العقود والمعاملات، بينما حقيقتها قائمة على الغرر. فالمقامرة ـ مثلاً ـ من أبرز مصاديق الجهالة؛ إذ قد يخسر الإنسان جميع أمواله دفعة واحدة. وينبغي الالتفات إلى أنّ بحثنا هنا ليس بحثاً أخلاقياً؛ فإنّ الدراسات الاقتصادية الحديثة تصرّح بأنّ الاقتصاد ـ بوصفه علماً ـ لا يتكفّل بالأخلاق ولا بتحقيق العدالة، بل له غاية أخرى. وما ذكرناه وإن كان خارجاً عن الإطار الاقتصادي المحض، إلا أنّه يكشف عن حقيقة أعمق، وهي أنّ كثيراً من المعاملات المستحدثة ـ كالشركات الهرمية ونظائرها ـ قد صيغت في صورة عقود قانونية، غير أنّ روحها قائمة على الغرر. والأساس الذي جاء به الإسلام على يد النبي الأكرم (ص) هو إزالة هذا الغرر من المعاملات. ومن هنا، فإنّ المهم في نظرنا ليس الإكثار من التفريعات أو تأليف آلاف الصفحات، بل استخراج القواعد العامة والروح الكلية للتشريع، ثم استظهارها من مجموع الأدلّة وتطبيقها على الوقائع المستجدّة وفق مقتضيات الزمان. أمّا الانشغال بالفروض النادرة والتفصيلات البعيدة، فهو شبيه بما نُقل من السؤال: لو خرج كلب الماء أو الجمل من البحر، هل يحلّ أكله؟ فأجاب #محمد_بن_مسلم: لسنا نبحث بهذه الطريقة؛ فما كان له فلس أكلناه، وما لم يكن له فلس لم نأكله، سواء أكان كلباً أم قطاً أم سمكة أم غير ذلك؛ أي إنّ العبرة بالقاعدة الكلية لا بالفروض المتكلفة.) (خارج الفقه/ المكاسب/ البيع/ 18-09-2017) #هاشتاكات: #إمكان_إرادة_المعاني_الثلاثة_للغرر_في_حديث_«نهى_النبي_ﷺ_عن_بيع_الغرر» #الميرزا_النائيني #الغرر #الجهالة #الخداع #القواعد_الكلية #فقه_المعاملات

ضرورة صراحة ألفاظ العقد في الدلالة على المقصود، وأثر المعاني الحرفية في الرقيّ الفكري (🔹 إنّ استعمال الألفاظ ذات الدلالة الواسعة في العقود ليس صحيحًا، بل لا بدّ أن يكون العقد صريحًا في المعنى الذي أُنشئ من أجله. فأين في قول القائل: «إذا جئتَ فأخذتَ مالي فأنا لا أنازعك» دلالةٌ على التمليك أو النقل والانتقال؟ والإنصاف أنّ الحقّ مع #المرحوم_النائيني؛ إذ يرى أنّه لا بدّ في العقود أولًا من تعيين المُنشأ، ثم استعمال ألفاظٍ مناسبة لذلك المُنشأ. أمّا هذه العبارة، فلعلّها لا تدلّ إلا على إباحة التصرّف. فلو قال: «تعال وخذ كتابي وأعطني خمسين تومانًا، وأنا راضٍ»، فقد يكون مراده بقوله: «أنا راضٍ»: خذ الكتاب للمطالعة ثم أعده واسترجع مالك، فأين دلالة هذه العبارة على التمليك؟ ثمّ إنّه حتى لو ادُّعي أنّ هذا من العرف، فإنّ هذا العرف لا يخلو من التسامح؛ لأنّه يفضي إلى النزاع. وإلى جانب نهي النبي (صلى الله عليه وآله) عن الغرر: «نهى النبي (ص) عن الغرر»، فإنّ هذا الأسلوب بنفسه منشأٌ للاختلاف. ولذلك نرى اليوم أنّ الناس إذا أرادوا إجراء معاملة مهمّة عمدوا إلى تسجيلها رسميًا. بل إنّ صاحب كتاب «الوسيط» قسّم الوثائق المكتوبة إلى قسمين: وثائق رسمية حكومية ووثائق غير رسمية، وكلّ ذلك من أجل رفع الإبهام والإجمال وتوضيح مفاد المعاملة بما يمنع وقوع النزاع. 🔹 وقد يطرأ على اللفظ نوعٌ من الاختصار، بل إنّ المعنى الحرفي في حقيقته هو المعنى الاسمي نفسه، ولكن بصورة مختصرة. ومن هنا، إذا أردتَ أن تعرف مستوى رقيّ مجتمعٍ ما، فانظر: هل يغلب في لغته استعمال المعاني الحرفية أم المعاني الاسمية؟ فإن كثرت فيه المعاني الاسمية دلّ ذلك على تقدّمه الحضاري والصناعي، أمّا إذا كثرت فيه المعاني الحرفية دلّ ذلك على تقدّمه الفكري والفلسفي؛ لأنّ إدراك المعاني الحرفية يقتضي ملاحظة العلاقات والجهات المختلفة حتى تُختصر في تعبير موجز، وهذا لا يتحقّق إلا مع دقّة في التفكير. ومن ثمّ، فإنّ المجتمع الذي تكثر فيه المعاني الحرفية يمتلك قدرةً أكبر على التحليل العقلي؛ لأنّه يقوم بتحليل العلاقات والمعاني، بخلاف سائر الألفاظ.) (خارج الفقه/ المكاسب/ البيع/ 18-9-2017م). #وجوب_صراحة_العقد_في_الدلالة_على_المعنى #أحد_الفروق_بين_المعنى_الحرفي_والمعنى_الاسمي

قوام اللفظ واللغة بالتفاهم الاجتماعي، وضرورة استعمال مصطلحات كلّ علم في مجاله (لقد بيّنّا مرارًا وتكرارًا أنّ قولهم: «إنّ (عن) للمجاوزة»، إنّما يراد بـالمجاوزة** أنّهم يفترضون شيئًا بوصفه مبدأً، فإذا انفصل عنه شيء قيل: إنّه جاوزه. ومن هنا اشتهر بين علماء دراية الحديث من أهل السنّة أنّ العنعنة مساوقة للاتصال؛ ولذلك يقولون: «عليّ بن إبراهيم عن أبيه»، ولا يقولون: «من أبيه». والسرّ في ذلك أنّ الفارسية تترجم «مِن» و«عن» بمعنى واحد هو «من»، بينما تفرّق العربية بينهما؛ فإذا قيل: «من فلان»، فلا يقتضي ذلك أن يكون الناقل قد سمع منه مباشرة أو لم يسمع، أمّا إذا قيل: «عن فلان»، فظاهر الكلام أنّه قد سمع منه مباشرة. وبيان ذلك أنّ «من» تدلّ على الابتداء والمنشأ، ولكن لا يلزم في ذلك أن يكون السامع قد تلقّى الكلام منه مباشرة، بل يكفي مجرّد الارتباط به. أمّا «عن» فظاهرها المجاوزة؛ أي إنّ الكلام قد صدر من ذلك الشخص ووصل إلى السامع مباشرة، لا أنّه مجرّد منسوب إليه. ولتوضيح ذلك يُمثَّل بقولهم: «رميتُ السهم عن القوس». فلو كان القوس لك، ولكن شخصًا آخر هو الذي أطلق السهم، والسهم مرّ عبر قوسك، لم يصحّ أن يقال: «رميت السهم عن القوس»، بل لا بدّ أن يكون السهم قد انطلق من نفس القوس. ولهذا ذهب جماعة من علماء الحديث، من السنّة والشيعة، إلى أنّ العنعنة أعمّ من الاتصال، وقالوا: إنّ قول الراوي: «عن فلان» لا يستلزم أن يكون قد سمع منه مباشرة، ولو كان بينهما واسطتان، وإنّما المهم أنّ الكلام قد صدر عنه. وفي المقابل، ذهب آخرون إلى أنّ استعمال «عن» يدلّ على أنّ الكلام صدر منه مباشرة وسمعه الراوي منه. وأمّا بين المتقدّمين من علماء الشيعة فلم أقف على هذا البحث، لكن في البدايات الأولى لعلم دراية الحديث عند أهل السنّة كان نحو 95% منهم يعدّون العنعنة مساوقة للاتصال، وربما ذهب نحو 4 أو 5% إلى أنّها أعمّ من الاتصال. وبعبارة أخرى: ينبغي عند دراسة الحروف أن نحدّد بدقّة المعنى الذي وُضع له كلّ حرف؛ فما معنى الاستعلاء؟ وما معنى الظرفية؟ وما معنى «من»؟ فقد ذُكر لها في كتاب «مغني اللبيب» نحو خمسة عشر معنى، إلا أنّه يمكن إرجاعها إلى جامع واحد. وكذلك «عن»، فإنّ معناها أن يُلاحظ الشخص، ويُنظر إلى هذا الكلام على أنّه قد صدر منه، لا أنّه منسوب إليه فحسب. فإذا قيل: «عن فلان»، فالمعنى أنّ الكلام صدر منه ووصل إلى سمعي. فإذا كان النقل بواسطة، ومع ذلك استُعملت «عن فلان»، كان ذلك من المجاز والتدليس. غير أنّ التدليس في اصطلاح المحدّثين ليس بمعنى الكذب أو الغشّ والخداع، كما يتوهّمه بعض الناس، إذ يظنّون أنّ «المدلِّس» يعني «الكذّاب». وقد رأيت بعضهم يقول: كيف يروي عنه وقد قيل فيه إنّه مدلِّس؟! بينما نجد بين كبار أئمّة أهل السنّة ـ مثل #سفيان_الثوري ـ من وُصف بالتدليس، ولم يكن ذلك في نفسه قدحًا فيه. فالتدليس معناه أنّ ظاهر الرواية يوحي بالاتصال، بينما هي في الواقع غير متصلة، لا أنّ الراوي اختلق الحديث أو رواه عن ضعيف، وإنّما حذف اسم الواسطة، مع أنّه قد يصرّح في موضع آخر بأنّ تلك الواسطة في غاية الوثاقة. نعم، كان كثير من كبار المحدّثين ـ وربما بلغوا 95% ـ وعلى رأسهم #البخاري، يشدّدون على عدم قبول حديث من اتُّهم بالتدليس إذا رواه بصيغة العنعنة، وكانوا يقولون في اصطلاحهم: «صرّح فيه بالتحديث بالسماع، فزالت شبهة التدليس». ولذلك كان #البخاري، لدقّته الشديدة، إذا كان أحد شيوخه معروفًا بالتدليس، ولم يقل إلا «عن»، لم يرو عنه، لأنّ شبهة التدليس قائمة، أمّا إذا قال: «سمعت»، قبل حديثه. وأصل مادّة «دَلَس» و«غَلَس» يدلّ على الظلمة؛ ولذلك فإنّ التدليس في اصطلاحهم يعني: إيراد الحديث في صورة تُورث الإبهام والإخفاء، وكأنّه أُدخل في الظلام بحيث لا تتّضح حقيقته، وليس معناه الكذب أو الغشّ أو الاختلاق.) (خارج الفقه/ المكاسب/ البيع/ 14/9/1396هـ.ش) #التعريف_الحقيقي_للتدليس وتصحيح الفهم الخاطئ لمعناه #قوام_اللفظ_واللغة_بالتفاهم_الاجتماعي #العنعنة_وعلاقتها_بالاتصال #سفيان_الثوري #البخاري

التعريف الإجمالي بكتاب «الوسيط» ومنهجه في دراسة الالتزام والعقود (إنّ كتاب «الوسيط» من تأليف #السنهوري، وهو من أبرز علماء القانون في العالم العربي. بل إنّه وضع بعض الدساتير، ويتميّز بسعة الاطلاع. غير أنّ مادّته العلمية تعتمد بدرجة كبيرة على القانون الفرنسي، كما أنّ جهده الأساس انصبّ على شرح القانون المدني المصري. وقد تحدّث في مقدّمة كتابه عن أنّ مصر لم تكن تمتلك في السابق قانونًا مدنيًا بالمعنى الحديث، فلجأت إلى الاقتباس من القانون الفرنسي. ويعبّر عن ذلك بتعبير جميل، إذ يقول: إنّ البلد قد «استضاف» الأفكار القانونية القادمة من الغرب، ثم يختم بقوله: «غير أنّ الضيف لا بدّ له يومًا أن يعود إلى بيته»؛ أي إنّ الواجب هو إعادة صياغة تلك الأفكار ضمن البيئة القانونية الإسلامية والعربية. ومن هنا ألّف هذا الكتاب بوصفه محاولةً لعودة الضيف إلى وطنه الفكري، وقد بذل فيه جهدًا كبيرًا. فالمجلّد الأوّل من الكتاب يدور حول «الالتزام»، حيث استعمل مصطلح «الالتزام» بدلًا من «العقد»؛ أي الالتزام الذي ينشأ بين الأطراف. وبعض المباحث التي نبحثها نحن ضمن كتاب البيع ـ كشرائط المتعاقدين ـ تناولها هو في إطار البحث العام عن الالتزام، لأنّ منهجه يقوم على دراسة نظرية الالتزام بصورة كلية. وبعبارة أخرى: هناك بحث عامّ يتناول الشروط التي ينبغي توافرها في طرفي الالتزام على نحوٍ مطلق، ثم تأتي بعد ذلك البحوث الخاصة بكل عقد، كعقد البيع والإجارة والنكاح. ولذلك نجد أنّه بحث الفضولي أيضًا في هذا القسم العام، بينما نحن نبحثه في كتاب البيع؛ لأنّهم ينظرون إلى المسألة من زاوية الالتزام بوجه عام، سواء وقع الفضولي في البيع أو في غيره من العقود. ويبلغ حجم المجلّد الأوّل ـ فيما أذكر ـ نحو 1300 صفحة، وهو مجرّد مدخل وتمهيد للبحث. أمّا المجلّد الثاني، فهو مخصّص لبحث إثبات الالتزام، فيتناول وسائل الإثبات، كالمحرّرات الرسمية والعرفية، والإثبات أمام القضاء وخارجه، ثم ينتقل إلى مباحث الإقرار والبيّنة واليمين. ومن اللافت أنّ طبيعة هذه المباحث قريبة جدًا ممّا نبحثه نحن أيضًا في باب الإثبات. ويقع هذا المجلّد ـ بحسب ما أذكر ـ في نحو 1250 صفحة، وكلّ ذلك قبل الدخول في مباحث البيع. ثم يأتي المجلّد الثالث ليتناول كيفية انتقال الالتزام، كالحوالة ونحوها، ويقع أيضًا في حدود 1100 صفحة. وبعد هذه المجلّدات الثلاثة يبدأ المؤلّف في المجلّد الرابع ببحث البيع. وفي تقديري، فإنّ ما يذكره علماؤنا قبل الدخول في مباحث البيع لا يتجاوز صفحتين أو ثلاث صفحات، بينما خصّص #السنهوري لما قبل البيع ما يقارب أربعة آلاف صفحة.) #التعريف_الإجمالي_بكتاب_الوسيط #منهج_السنهوري_في_نظرية_الالتزام #السنهوري #الالتزام #العقود #البيع

دراسة رأي #الإيرواني في تعريف البيع ومقارنته برأي #الميرزا_النائيني (دخل المرحوم #الإيرواني إلى البحث من طريقٍ يختلف عن طريق #الميرزا_النائيني، إذ انطلق من فكرة الحيازة؛ فالحيازة تُوجب الملكية والسلطنة، ومن ثمّ يكون للإنسان حق نقل هذه السلطنة إلى غيره. وينتقل هذا الحق تارةً بواسطة النواقل القهرية، كالإرث أو ما يفرضه الشارع أو القانون من نزعٍ للملكية، وتارةً أخرى بواسطة النواقل الاختيارية، وهي العقود. ومن هنا بدأ بحثه في حقيقة العقد. أما #الميرزا_النائيني فقد دخل إلى المسألة من خلال تقسيمات العقود كما ذكرها الفقهاء، والإنصاف أن هذا الطريق أقرب إلى المنهج القانوني؛ لأن تقسيم أبواب الفقه لا يرتبط في نفسه بحقيقة العقد أو بحقيقة البيع. وقد ذهب #الميرزا_النائيني إلى أن المنشأ في الهبة هو التمليك المجاني، وفي البيع هو التمليك بعوض، وفي الصلح هو التسالم. أما #الإيرواني فيرى أن حقيقة هذه العقود ومنشأها واحد، وأن الاختلاف بينها إنما هو في التعبير واللفظ فقط. والإنصاف أن هذا الرأي غير قابل للقبول.) #دراسة_رأي_الإيرواني_في_تعريف_البيع 1️⃣ لأن البحث في تفسير العقود يقتضي تحديد ما الذي يقع عليه النقل والانتقال. وظاهر كلام #الإيرواني أن الذي ينتقل هو السلطنة، بينما ذهب بعضهم إلى أن الذي ينتقل هو الملكية؛ أي إن المالك يتبدل، فكنتُ مالكًا للكتاب وكان الآخر مالكًا للمال، وقال آخرون: إن الذي ينتقل في العقود هو المال نفسه. 2️⃣ ويبدو لي أن منشأ الإشكال أمر آخر، وإن لم يصرّح به لا #الإيرواني ولا #الميرزا_النائيني، وكأن في ذهن كلٍّ منهما مقدماتٍ غير مصرّح بها. فـ#الميرزا_النائيني ينظر إلى العقد بوصفه عقدًا شكليًا، ويسعى إلى ضبطه وتقنينه، بحيث يتميّز البيع عن الهبة والصلح وفق ضوابط محددة. أما #الإيرواني فينظر إليه بوصفه عقدًا رضائيًا، ويرى أن الحقيقة واحدة، وهي نقل العين، وإنما تختلف الألفاظ. ومن ثمّ فإن منهج #الميرزا_النائيني أكثر ضبطًا وتقنينًا، في حين يركّز منهج #الإيرواني على التراضي والإرادة الشخصية، بحيث يكفي تحقق التراضي بأي كيفية كانت. #دراسة_رأي_الإيرواني_في_تعريف_البيع #العقد_الشكلي #العقد_الرضائي #الملكية #السلطنة

الهبة المعوَّضة ليست بيعًا (إنَّ الهبة المعوَّضة ليست تمليكًا بعوض، بل سواء أكانت الهبة معوَّضة أم غير معوَّضة، فهي تمليكٌ مجاني. وإنما الكلام في أن الهبة إذا كانت معوَّضة، فهي تمليك بلا عوض، ولكن في مقابل أن يقوم الطرف الآخر أيضًا بتمليكٍ مجاني. وبعبارة أخرى: إن وصف المعاوضة يتعلق بالفعل لا بالمال؛ أي: أنا أهبك هذا المال مجانًا، على أن تهبني أنت أيضًا مالًا آخر مجانًا. وهذا قريب من الشرط، وإن لم يكن شرطًا، بل هو عقد خاص له حقيقته المستقلة. فعندما يقول: «وهبتك هذا بهذا»، فإن المنشأ هو تمليكان مجانيان، لا البيع؛ لأنه لا تتوافر فيه شروط البيع، إذ استُعمل فيه لفظ الهبة، ومع أن الباء تفيد المقابلة، إلا أن المقابلة هنا هي مقابلة فعلٍ بفعل، لا مالٍ بمال. *وخلاصة القول: بما أننا قلنا بضرورة ملاحظة المنشأ، وأن يكون اللفظ دالًا عليه، فإذا كانت المعاملة مبادلة عين بعين، فهي في العادة بيع، ولا يُستعمل فيها لفظ «وهبت»؛ لأن الهبة في اللغة العربية تعني التمليك المجاني، وحتى في الهبة المعوَّضة فإن منشأها في الحقيقة تمليك مجاني في مقابل تمليك مجاني، لا مال في مقابل مال. فإذا قال: «وهبتك هذا بهذا»، فالمعنى: أنا أملِّكك هذا مجانًا، على أن تملكني أنت أيضًا مجانًا.) #الهبة_المعوَّضة_ليست_بيعًا 1️⃣ يريد #الميرزا_النائيني أن يقول: إن الهبة المعوَّضة وإن كان فيها عوض، إلا أن هذا لا يغيّر حقيقتها؛ فهي تملّكٌ مجاني، وليس العوض فيها مالًا في مقابل مال، وإنما هو تمليك مجاني في مقابل تمليك مجاني؛ أي: أنا أهبك المال مجانًا، على أن تهبني أنت أيضًا مالًا مجانًا، فتكون المقابلة بين تمليكين، لا بين مالين.