كُنَّاشة من دروس السيد المددي
الذهاب إلى القناة على Telegram
قناة تُعنى بجمع الفوائد العلمية، والترجمات المختارة من دروس الأستاذ آية الله السيد أحمد المددي الموسوي/ جمعها مصطفى زهير السوداني
إظهار المزيدلم يتم تحديد البلدالفئة غير محددة
711
المشتركون
+124 ساعات
+377 أيام
+3930 أيام
أرشيف المشاركات
فعليّة الحكم في علم الأصول ومناقشة قاعدة «الصلاة لا تُترك بحال»
(1. في معنى الفعلية:
يرى المحقق النائيني أن التكليف لا يصبح فعلياً إلا بعد تحقق شروطه ووجود موضوعه. والمراد بالموضوع عنده هو ما يقع خارج دائرة الطلب؛ أي ما لا يكون مطلوب الإيجاد من المكلَّف، وإنما يترتب الحكم على وجوده إذا تحقق، كـ دلوك الشمس بالنسبة إلى وجوب الصلاة.
وعليه، فقبل دلوك الشمس – ولو بساعتين – لا يكون التكليف فعلياً، وإنما تصبح الفعلية بعد تحقق الدلوك.
أما سائر الأصوليين، فيرون أن الفعلية تابعة للإنشاء، أو بعبارة أخرى: إن فعلية كل قانون ترجع إلى كيفية جعله وتشريعه. ففي المثال المذكور، وإن لم يؤذَّن بعد، فإن القانون الشرعي موجود بالفعل، وهو قوله تعالى:
> ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ [الإسراء: 78].
وعلى هذا المبنى، لا تُقبل الفعلية التي أثبتها المحقق النائيني من الناحية القانونية والاعتبارية.
2. المعنى الثاني للفعلية هو مقابل الأوامر الامتحانية؛ فهذه الأوامر إنشائية، أما الأمر الفعلي فهو ما صدر بقصد إيجاد الداعي في نفس المكلَّف.
غير أن الإشكال في هذا الاصطلاح هو أن الأوامر الامتحانية ذات طابع شخصي، ولا ترتبط بالتشريع العام، ولذلك لا ينبغي أن تكون محوراً في علم الأصول القائم على دراسة النظام القانوني، وإن كانت مناسبة في إطار علاقة المولى والعبد.
3. المعنى الثالث للفعلية هو إبلاغ القانون وإيصاله إلى المجتمع، وهو معنى وجيه؛ فالقانون لا يكون فعلياً إلا بعد الإعلان عنه ونشره، أو – بلغة العصر – بعد أن يصبح مُعلناً ومتداولاً.
وعليه، تكون الفعلية في مقابل مرحلة التشريع من جهة، ومرحلة التنجز من جهة أخرى.
ويشهد لذلك قوله تعالى:
> ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّىٰ نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: 15].
فبعثة الرسول تمثل مرحلة فعلية الحكم بإبلاغه للناس.
أما التنجز، فهو وصول الحكم إلى المكلَّف بحيث تقوم عليه الحجة.
ويؤيده قوله تعالى:
> ﴿لِأُنذِرَكُم بِهِ وَمَن بَلَغَ﴾ [الأنعام: 19].
فقوله: ﴿لِأُنذِرَكُم بِهِ﴾ يدل على إعلان الحكم وفعليته، بينما ﴿وَمَن بَلَغَ﴾ يدل على وصوله إلى المكلَّف، وهو معنى التنجز.
---
في عبارة: «الصلاة لا تُترك بحال»
من العبارات المشهورة على ألسنة الفقهاء:
> «الصلاة لا تُترك بحال» أو «الصلاة لا تسقط بحال».
غير أن هذه الصيغة لم ترد بهذا اللفظ في الروايات.
وإنما الوارد في الحديث المتعلق بالمستحاضة، بعد بيان أحكامها، هو قول الإمام (عليه السلام):
> «ثم تصلي، ولا تدع الصلاة على حال؛ فإن النبي صلى الله عليه وآله قال: الصلاة عماد دينكم.»
وهنا يبرز إشكال حديثي؛ إذ لا نعلم هل الجملة الأخيرة:
> «فإن النبي صلى الله عليه وآله قال: الصلاة عماد دينكم»
هي من كلام الإمام (عليه السلام)، أم أنها من إدراج زرارة في أثناء الرواية، حيث استنبط من حديث «الصلاة عماد دينكم» وجوب الصلاة على المستحاضة.
وهذا الأسلوب يشبه طريقة استدلال بعض فقهاء أهل السنة، ولذلك يبقى احتمال إدراج هذه الفقرة في متن الحديث وارداً.
📚 المصدر: سماحة آية الله الحاج السيد أحمد المددي، دروس خارج الأصول، 23/07/1397 هـ.ش.)
الإطلاق المقامي والملازمات الفقهية: دراسة تطبيقية في روايات النظر إلى نساء أهل الذمة
(1. يُمكن القول إن القرنين الأول والثاني الهجريين كانا عصر الفقهاء في تاريخ التشريع الإسلامي، بينما كان القرن الثالث عصر المحدّثين. وبعد ازدهار الحركة الحديثية، انفصل علم الأصول تدريجياً عن الفقه، ولا سيما بعد تدوينه بصورته المتعارفة في القرنين الثالث والرابع الهجريين.
ومن نتائج هذا التطور أن الملازمات الخاصة والجزئية أُدرجت في الفقه، بينما خُصِّص علم الأصول بـ الملازمات العامة، كالبحث في ملازمة وجوب الشيء لوجوب مقدمته.
أما الملازمات الفقهية الجزئية، فمنها ما يقتضي الإطلاق المقامي، ومنها ما لا يقتضيه.
فالإطلاق المقامي هو أن يكون المولى في مقام البيان، ثم يسكت عن ذكر قيد أو شرط، فيُستكشف من هذا السكوت عدم اعتباره.
ومن أمثلته: ما ورد في أحكام نزح البئر، حيث بينت الروايات مقدار الماء الواجب نزحه عند وقوع أنواع مختلفة من النجاسات في البئر، ولم تتعرض لوجوب غسل الدلو والحبل بعد النزح، فاستفاد الفقهاء من هذا السكوت أنهما يطهران تبعاً، ولا يحتاجان إلى تطهير مستقل.
أما المثال الذي لا يثبت فيه الإطلاق المقامي، فهو الملازمة بين جواز كشف شعر نساء أهل الكتاب وجواز النظر إليه؛ إذ هل مجرد السماح لهن بكشف رؤوسهن يستلزم جواز نظر المسلمين إليها؟
وقد أفرد البخاري باباً لهذه المسألة، كما وردت روايات بشأنها في مصادرنا، ومنها ما رواه السكوني عن رسول الله ﷺ، وقد عُدَّ نقل مثل هذه المضامين من الأسباب التي أوجبت تضعيف كتاب السكوني عند بعض العلماء.
2. وقد وردت هذه الروايات في المصادر الإمامية بصيغتين:
الأولى – كما في من لا يحضره الفقيه وعلل الشرائع – عن الإمام الصادق (عليه السلام):
> «لا بأس بالنظر إلى شعور نساء أهل تهامة والأعراب وأهل البوادي من أهل الذمة والعلوج؛ لأنهن إذا نُهين لا ينتهين.»
وفي رواية أخرى:
> «... إلى رؤوس أهل تهامة والأعراب وأهل السواد من أهل الذمة؛ لأنهن إذا نهين لا ينتهين.»
الثانية – كما في الكافي –:
> «لا بأس بالنظر إلى رؤوس أهل تهامة والأعراب وأهل السواد والعلوج؛ لأنهم إذا نهوا لا ينتهون.»
ولهذا عقد الشيخ الحر العاملي في وسائل الشيعة بابين مستقلين، أحدهما في جواز النظر إلى شعور نساء أهل الذمة وأيديهن، والآخر في جواز النظر إلى شعور نساء الأعراب وأهل السواد والمجنونة.
3. ويرى سماحة الأستاذ أن بعض الفتاوى المعاصرة التي أجازت النظر إلى المرأة المسلمة إذا كانت لا تلتزم بالحجاب، بدعوى أنها «من أهل الفسق»، لا تخلو من إشكال.
ذلك لأن لازم هذا القول أن الإمام (عليه السلام) يكون قد رخّص في ارتكاب المحرم بسبب ارتكاب الغير له، وهو أمر لا يمكن الالتزام به.
كما أنه يعتقد أن الشيخ الصدوق – مع ما عُرف عنه من الدقة في بعض الموارد – تعمد إثبات عبارة «من أهل الذمة»؛ تنبيهاً إلى سقوطها من بعض نسخ الكافي أو إلى عدم دقتها.
وعلى هذا الأساس، فإن الحكم مختص بنساء أهل الذمة اللواتي كانت بعض المعاهدات المبرمة مع الدولة الإسلامية تبيح لهن كشف رؤوسهن، فإذا نُهين عن ذلك لم يلتزمن بحكم تلك الاتفاقيات.
ومن ثم، فلا وجه لتعميم الحكم إلى المرأة المسلمة التي لا تلتزم بالحجاب.
وفضلاً عن ذلك، فإن الروايات إنما تتحدث عن شعر الرأس، ولا يمكن الاستدلال بها على جواز النظر إلى سائر أعضاء البدن بأي وجه.
📚 المصدر: سماحة آية الله الحاج السيد أحمد المددي، دروس خارج الأصول، بتاريخ 21/07/1397 هـ.ش.)
🔴 الربا قبل الإسلام، والفرق بين ربا القرض وربا المعاوضة
(إن مسألة الربا كانت معروفة قبل الإسلام، وكان أبرز صورها ربا القرض، حيث كان أصحاب الأموال يقرضون الناس أموالهم مقابل زيادة مشروطة.
وكانت مدينة الطائف من أهم المراكز التي ارتبطت بهذا النوع من المعاملات؛ إذ كانت زراعة العنب تمثل أهم نشاطها التجاري. وكان العباس بن عبد المطلب، عم النبي صلى الله عليه وآله، يأخذ الأموال من بعض الناس، ويتاجر بها في الطائف، ثم يردها في نهاية المدة مع زيادة متفق عليها.
كما كان اليهود من أبرز من يمارسون الإقراض الربوي، وكان هذا النوع من المعاملات شائعاً أيضاً في الحيرة. وقد سبق أن أشرنا إلى أنه كان معمولاً هناك بوثيقة تشبه ما يعرف اليوم بـ «الشيك»، تُسلَّم لمن يودع ماله عند التاجر اليهودي، وقد فصّل الحديث عن ذلك الدكتور جواد علي في كتابه «المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام».
وكان هذا النوع من الربا يُعرف بـ ربا القرض، ويُعبَّر عنه أيضاً بـ ربا النسيئة.
ثم إن النبي صلى الله عليه وآله، بالإضافة إلى تحريم هذا النوع، حرَّم نوعاً آخر هو ربا المعاوضة (ربا النقد أو ربا البيوع).
أما القرآن الكريم، فقد ورد فيه تحريم ربا النسيئة، بينما ثبت تحريم ربا المعاوضة بسنة النبي صلى الله عليه وآله، وذلك في خصوص المكيل والموزون.
فقد كانت البيض في ذلك العصر من المعدودات، بينما كان اللبن يباع بالكيل، وإن كان يباع اليوم بالوزن، كما أن الماء كان وما يزال من المكيلات.
وعليه، فإن ربا النسيئة محرم على الإطلاق، سواء تعلق بالمكيل أو الموزون أو المعدود؛ فلو أعطى شخص مائة بيضة على أن يسترد بعد شهر مائةً وعشرين بيضة، كان ذلك محرماً.
أما ربا المعاوضة فلا يجري في المعدودات؛ فلو باع شخص مائة حبة من الجوز بمائةٍ وعشرين حبة نقداً، فلا مانع من ذلك على هذا المبنى.
ومن ثم، فإن تحريم ربا المعاوضة مستنده السنة النبوية، وهو مختص بالمكيل والموزون.
وبناءً على هذا، فإن الأوراق النقدية تُعد من المعدودات، فلا يجري فيها ربا المعاوضة وفق هذا الرأي.
إلا أن بعض الفقهاء ناقشوا ذلك، وقالوا: إن العملة الورقية تقوم في أصلها مقام الذهب، والذهب من الموزونات، فتلحق به، وعليه يثبت فيها أيضاً حكم ربا المعاوضة.
📚 المصدر: سماحة آية الله الحاج السيد أحمد المددي، دروس خارج الفقه، 17/07/1397 هـ.ش.)
https://t.me/KunnashatAlMaddadi
🔴 قضاء صيام رمضان بين دلالة القرآن والسنة
(من المسائل الجديرة بالتأمل أن قضاء صيام شهر رمضان – خلافاً لما قد يتبادر إلى الذهن – لم يثبت في بعض صوره بدلالة القرآن، وإنما ثبت بالسنة النبوية.
فإن ظاهر قوله تعالى:
> ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: 184]
يدل على أن وظيفة المريض والمسافر هي الصيام في أيام أخرى، لا أن عليهما قضاء صوم فات في شهر رمضان بعنوان القضاء. ومن هنا، فإن ما يرد في كثير من الكتب الفقهية من قولهم: «يقضي المسافر والمريض» هو من باب المسامحة في التعبير.
ولهذا نجد أن فقهاء أهل السنة، مع قولهم بوجوب القضاء، تنبهوا إلى هذه الدقة، ففسروا الآية بتقدير محذوف، أي:
> ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ﴾ فأفطر، فعدة من أيام أخر.
وكذلك ظاهر قوله تعالى:
> ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ [البقرة: 184]
أن الفدية في حق من يعجز بدنه عن تحمل الصيام – مع عدم المرض – هي بدلٌ عن الصيام، لا كفارة.
والمقصود بـ المُطيق هنا من لا يعاني مرضاً، ولكن بدنه لا يحتمل الصيام، كـ الشيخ الكبير، والمرأة الحامل، ونظائرهما.
والفرق بين الفدية والكفارة أن الكفارة تكون في مورد ارتكاب المخالفة والإثم، أما الفدية فهي حكم شرعي يشرع عند العجز وعدم القدرة البدنية.
وعليه، فإن الشيخ والشيخة تجب عليهما الفدية، وكذلك المريض إذا استمر مرضه إلى رمضان اللاحق، فإن وظيفته الفدية أيضاً.
وظاهر الآية أن تكليف هؤلاء ينحصر بالفدية، كما أن ظاهر الآية الأولى أن تكليف المسافر والمريض ينحصر بالصيام في أيام أخر.
وخلاصة الأمر: إن وجوب قضاء صيام رمضان في بعض الصور ثبت بالسنة النبوية، لا بظاهر القرآن الكريم.
ولهذا ذهب بعض الفقهاء إلى أنه إذا ترك الإنسان الصوم متعمدًا بسبب الفسق، فلا يجب عليه القضاء، ولا الكفارة.
كما يرى السيد #أبو_القاسم_الخوئي أن المراد من عنوان «من أفطر متعمداً» هو: من تناول الطعام أو الشراب، أو جامع زوجته، ونحو ذلك من المفطرات، لا مجرد صدق عنوان الإفطار.
وبناءً على هذا، إذا كرر المكلف الأكل أو الشرب في اليوم الواحد، لا تتكرر الكفارة عنده؛ لأن الدليل الوارد في الأكل والشرب جاء بعنوان «من أفطر»، بخلاف الجماع، فقد ورد فيه نص خاص بعنوان: «من جامع في شهر رمضان»، ولذلك تتكرر الكفارة فيه بحسب مورده.
📚 المصدر: سماحة آية الله الحاج السيد أحمد المددي، دروس خارج الأصول، 16/07/1397 هـ.ش.)
كتب الأستاذ سعيد عرفانيان :
يقول الله تعالى عن الموضع الذي عبر منه النبي موسى عليه السلام وبنو إسرائيل:
﴿وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ فَأَنْجَيْنَاكُمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ﴾ [البقرة: 50].
وقال أيضاً:
﴿وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ﴾ [الأعراف: 138].
والمشهور أن نهر النيل انشق بأمر الله تعالى، إلا أن بعض الباحثين استبعدوا ذلك بحجة أن النيل ليس بحراً، ورجحوا أن يكون المقصود بحر القُلْزُم (البحر الأحمر)، حتى قال بعض الشعراء:
بحرُ قُلْزُمَ رآنا فانفلق.
غير أن سماحة الأستاذ آية الله السيد أحمد المددي ذكر في إحدى محاضراته أن نهر النيل يتسع في بعض مناطقه اتساعاً بالغاً حتى لا يُرى شاطئه المقابل، فيبدو كالبحر، فلا يبعد إطلاق لفظ البحر عليه.
#تفسير
1. معرفة الحكم الإلهي في القضايا العامة، واستنباط الأحكام المتعلقة بالمستجدات التي تواجه المجتمع من منظور الفقه الإسلامي. وهذا بحد ذاته يمثل نقصاً يحتاج إلى معالجة؛ كمعرفة الأحكام المتعلقة بالجبال، والبحار، والمعادن، والحيوانات، وغيرها، وبيان الحكم الشرعي في الوقائع والمشكلات المستجدة التي تواجه المجتمع.
2. تنفيذ الأحكام الإلهية وتطبيقها في الخارج. بل إنَّ أحد الأهداف الحقيقية لخاتمية الشريعة هو تحقيق هذا المعنى؛ إذ ليس من الواضح أنَّ الشرائع السابقة كانت تمتلك هذه الخصيصة على هذا النحو. ومن هنا كانت حادثة الغدير تؤكد ضرورة وجود من يتولى تنفيذ الأحكام الإلهية، حتى لا يكون الأمر كما وقع في عهد النبي موسى عليه السلام، حيث كان يبيّن الأحكام، ثم يأتي بنو إسرائيل فيخالفونها.
3. معاقبة المخالفين من خلال نظامٍ قضائي وجزائي مناسب، بحيث تُنفَّذ العقوبات بحق من يخرج على الأحكام.
فهذه ثلاثة أوجه من النقص الطبيعي الذي يواجه أي مجتمع، ولا بد من وجود جهة تتولى معالجته. وعلى سبيل المثال، في الأنظمة الشيوعية يتولى الحزب مهمة بيان السياسات وإدارتها، أما في النظام الإسلامي فإن الذي يبيّن الأحكام هو الإسلام نفسه، ثم تتولى السلطة الشرعية تنفيذها وتطبيقها.)
السيد آية الله السيد أحمد المددي الموسوي، دروس خارج الفقه، بحث ولاية الفقيه، الدرس المنعقد بتاريخ 18/01/1397 هـ.ش (الموافق تقريبًا لـ 7 أبريل/نيسان 2018م)،
#ولاية_الفقيه #الولاية_الاجتماعية #خاتمية_الشريعة #الغدير #السيد_أحمد_المددي
الولاية الشخصية والولاية الاجتماعية والفرق بينهما في نظرية ولاية الفقيه
(إنَّ الولاية الشخصية تُجعل مع ملاحظة خصوصيات الفرد نفسه؛ فالأصل في تشريع الولاية أن يكون هناك نقص أو قصور في جهةٍ من جهات الشخص، فتُشرَّع الولاية لسدِّ هذا النقص. وفي الغالب يكون هذا القصور شخصياً؛ كأن يكون الإنسان صغيراً، أو مجنوناً، أو سفيهاً، ونحو ذلك.
غير أنَّ الولاية على المجتمع لا يلزم أن تُفهم بهذا المعنى. فقد شاع في الآونة الأخيرة القول بأن: «لا معنى للولاية على المجتمع؛ لأن المجتمع ليس سفيهاً ولا صغيراً...». وهذا التصور غير صحيح؛ كما أنَّ الاعتقاد بأن الولاية الاجتماعية إنما شُرعت للسفهاء والجهّال باطل، فكذلك الاعتقاد بأنها تختص بالعقلاء أيضاً غير صحيح.
وقد تناولنا هذه المسألة بالتفصيل في بحث ولاية الفقيه. فقد أورد المرحوم #الميرزا_رفيع_القزويني، في شرحه لحديث مقبولة عمر بن حنظلة في كتاب الكافي، إشكالاً قوياً على ولاية الفقيه. ومع كثرة ما كُتب في هذا الموضوع في الأزمنة المتأخرة، فإنَّ الباحثين إما أغفلوا نقل كلامه، أو لم يدركوا مراده على الوجه الصحيح. وقد نقل العلامة #المجلسي كلامه في مرآة العقول بعنوان: «قال بعض المحققين»، ثم حاول الإجابة عنه، إلا أن أجوبته ـ مع الأسف ـ انتهت إلى نوع من الاضطراب وعدم الانسجام.
ولا شك أنَّ إزالة أوجه النقص الموجودة في المجتمع حكمٌ يقتضيه العقل، إلا أنَّ هذا لا يكفي لإثبات النصب؛ لأنَّ الولاية قائمة على التنصيب، وهي التي تعيّن من يتولى هذا المنصب، ولذلك فإن الولاية تحتاج دائماً إلى جعلٍ ونصبٍ خاص.
ومن هنا، فإن المرحوم #المحقق_النراقي، رغم توسّعه الكبير في بحث ولاية الفقيه في كتاب عوائد الأيام، واستدلاله بما يقرب من عشرين رواية، فإن أياً منها ـ في نظرنا ـ لا يصلح لإثبات المدعى؛ لأنها لا تتضمن دلالة على النصب.
والروايات التي يمكن أن يُستدل بها على النصب لا تتجاوز ثلاثاً:
1. رواية عمر بن حنظلة، فإن قوله عليه السلام: «جعلته» صريح في التنصيب. وقد قبل السيد #أبو_القاسم_الخوئي دلالة الرواية على النصب، لكنه ضعّفها سنداً؛ ولذلك لم يثبت بها ولاية الفقيه، حتى في منصب القضاء.
2. رواية أبي خديجة:
> «إياكم أن يحاكم بعضكم بعضاً إلى أهل الجور... فإني قد جعلته قاضياً...»
وقد حكم السيد الخوئي بصحة سندها، إلا أنه رأى أن مفادها ليس النصب، وإنما هو قاضي التحكيم؛ أي إن الإمام عليه السلام أرشد الشيعة إلى الرجوع إلى الفقهاء عند وقوع النزاع، تحقيقاً لإجراء الأحكام الشرعية في المجتمع.
3. التوقيع الشريف:
> «وأما الحوادث الواقعة فارجعوا فيها إلى رواة حديثنا؛ فإنهم حجتي عليكم وأنا حجة الله عليهم».
إلا أن السيد الخوئي لم يقبل سنده، كما احتمل أن يكون المراد منه الرجوع في الفتوى خاصة. أما القائلون بولاية الفقيه فيرون أن دلالته تشمل الفتوى والقضاء وإدارة المجتمع جميعاً.
وأما سائر الروايات المستدل بها على ولاية الفقيه، فهي ـ في حقيقتها ـ من قبيل الأحكام العقلية أو ما يرتبط بـ العقل العملي؛ فهي تدل على ضرورة انتظام المجتمع، وعلى ما يتحلى به العلماء من صفات فاضلة، لكنها لا تدل على النصب.
يضاف إلى ذلك أن هذه الروايات من الأدلة اللفظية، والعناوين الواردة فيها عناوين كلية مشككة، ومن المحتمل أن يكون المراد بها الإمام المعصوم نفسه، وأن تكون منصرفة إلى أهل البيت عليهم السلام. فمثلاً في حديث: «العلماء ورثة الأنبياء»، فإن أكمل مصاديق العالم، ومن يملك العلم على وجه التمام، هو الإمام المعصوم. وكذلك في قوله صلى الله عليه وآله: «اللهم ارحم خلفائي... الذين يأتون بعدي ويروون حديثي وسنتي»، فإن المراد بـ «سنتي» هو السنة الواقعية التي يعلمها الإمام المعصوم، أما نحن فلا نعلمها على وجه اليقين، وإنما نتبع الحجة.
كما ينبغي الالتفات إلى أن ولاية الأب والجد هي ولاية شخصية، بينما ولاية الحاكم هي ولاية نوعية واجتماعية. ففي الولاية الاجتماعية لا يُنظر إلى الفرد بما هو فرد؛ فهي ليست ولاية على المجانين، ولا على العقلاء، وإنما تتعلق بالمجتمع كله، بما يشمل الإنسان، والحيوان، والنبات، والأشجار، والأرض، والبحار، وغير ذلك.
وقد وقع بعضهم في الاشتباه، فظن أن الولاية الاجتماعية إنما هي ولاية على السفهاء أو على العقلاء، مع أن البحث لا يدور حول هذا أصلاً، وإنما يدور حول المجتمع بما هو مجتمع.
ومن هنا تختلف أوجه النقص التي تعالجها الولاية؛ ففي الولاية الشخصية يكون النقص فردياً، كالسفه، أو الجنون، أو الصغر، أو الغيبة عن الزوجة والأولاد، ونحو ذلك من الحالات التي تخلق فراغاً يحتاج إلى من يسدّه بجعل الولاية.
أما في الولاية الاجتماعية، فالمسألة مختلفة تماماً، إذ المقصود هو معالجة النواقص الاجتماعية، ومن أبرزها:
تطوّر طبقات التراث الحديثي الإمامي ومعنى «المصنَّف» عند الشيخ الصدوق
(**ليس المراد من وصف الكتاب بأنّه «مصنَّف» أن يشتمل على الأحاديث الساقطة بالكلية، وإنّما المراد أن يضمّ الأحاديث التي تكون في مرتبة «يُكتب ولا يُحتجّ به».
ونحن نرى أنّ مقصود #الشيخ_الصدوق من «المصنَّف» هو: مجموعةٌ من الأحاديث التي تكون إمّا حجّة، أو على الأقل ممّا يستحقّ التدوين والحفظ، وإن لم تكن صالحةً للاحتجاج. أمّا الأحاديث التي قيل فيها: «لا يُكتب»، أو «لا يُكتب إلا للاعتبار» ـ أي ليعتبر الإنسان من سوء حال راويها ـ، أو الأحاديث التي قيل فيها: «خرّقتُه»، فليست داخلةً في هذا المفهوم.
ومثل هذه المناقشات الاصطلاحية كانت قد ظهرت عند أهل السنّة في أواخر القرن الثاني وأوائل القرن الثالث الهجري، أمّا عند الإمامية فلم تظهر إلا في القرن الثامن على يد #العلامة_الحلي. وأمّا مؤلفات الشيخ الصدوق فهي تعود إلى القرن الرابع، ولم تكن هذه المصطلحات قد استقرّت آنذاك في الوسط الإمامي.
وقد مرّ التراث الحديثي الإمامي بمراحل وطبقات متعدّدة، ينبغي الإحاطة بها:
فمنذ عصر الإمام السجاد (عليه السلام) إلى عصر الإمام الصادق (عليه السلام)، ظهرت مؤلفات أصحاب الأئمة.
ثم إلى حدود سنة 300هـ ازدهر التأليف في بغداد، وبعدها إلى حدود سنة 400هـ نشط في قم، فانتخب #الشيخ_الصدوق طائفةً من هذا التراث، كما انتخب #الشيخ_الكليني طائفةً أخرى.
ثم جاءت المرحلة الخامسة في القرن الخامس مع #الشيخ_الطوسي، حيث جمع بين الرجال، والفهارس، وعمل الأصحاب، وغير ذلك، فشكّل طبقةً جديدة في التعامل مع التراث.
ثم تبدّلت الصورة جذرياً في عصر #العلامة_الحلي، إذ طرح مباحث حجية خبر الواحد، وتقسيم الأخبار إلى الصحيح، والحسن، والموثّق، واستمر هذا المنهج قرابة ثلاثة قرون حتى ظهور المدرسة الأخبارية.
ومع بروز الأخباريين تكوّنت طبقة جديدة هيمنت على الساحة العلمية الإمامية، ولا سيّما في العصر الصفوي، حيث ساعدت الظروف السياسية والاجتماعية على انتشار هذا الاتجاه.
ثم في القرن الثاني عشر الهجري، ومع ظهور #الوحيد_البهبهاني، نشأت طبقة جديدة أعادت علم الأصول إلى مركز البحث، وتغيّر على أساسها منهج قبول الروايات وردّها.
وبعد ذلك أضاف #الشيخ_الأنصاري بدوره طبقةً جديدة في البناء الأصولي، كان لها أثر بالغ في تطور الدراسات الإمامية.
(آية الله السيد أحمد المددي، دروس البحث الخارج في الفقه، 19 مهر 1396هـ.ش، نقلاً عن قناة «دروس عرفانيان»).)
#السيد_أحمد_المددي #الشيخ_الصدوق #العلامة_الحلي #الشيخ_الكليني #الشيخ_الطوسي #الوحيد_البهبهاني #الشيخ_الأنصاري #علم_الحديث #التراث_الحديثي #المصنف #حجية_الخبر
دلالة «المصنَّف» عند الشيخ الصدوق وإمكان تطبيقها على كتب الحسين بن سعيد
(**إنّ الذي أفهمه من عبارة #الشيخ_الصدوق بشأن لفظ «المصنَّف» ـ بل ويمكن تعميمه على كتب #الحسين_بن_سعيد إذا كان هذا هو المراد من المصنَّف ـ هو أنّه لم يكن يدرج الأحاديث الضعيفة، وإنّما كان يورد الروايات التي قد يكون عمل بها بعض الأصحاب.
ويؤيّد ذلك ما ذكره #النجاشي في وصف كتب الحسين بن سعيد، حيث قال:
> «وكتب ابني سعيد كتب حسنة معمول عليها، وهي ثلاثون كتاباً.»
(رجال النجاشي: ص58، رقم 136-137).
فليس المقصود أنّ كتبه تشتمل على روايات لا حجية لها أصلاً، بل المراد أنّ رواياتها ذات أصل معتبر، وإن لم يقبل بعض العلماء العمل ببعضها.
ومن أمثلة ذلك روايات الاستصحاب، التي لم يقبلها اثنان من كبار علماء قم، وهما #الشيخ_الكليني و#ابن_الوليد، وكذلك رواية النذر بالإحرام قبل الميقات، فإنّ إحدى طرقها من روايات الحسين بن سعيد، وقد كان #الشيخ_الطوسي أول من نقلها عنه.
وخلاصة الأمر: يبدو أنّ هذه الروايات لم يكن الإشكال فيها من جهة صدورها عن المعصوم، وإنّما إنّ علماء قم، عند تنقيحهم للتراث الحديثي، لم يرتضوا العمل بها. فهي ليست روايات ضعيفة بالمعنى الاصطلاحي، وإنّما روايات لم يُسلَّم بقبولها عندهم.
(آية الله السيد أحمد المددي، دروس البحث الخارج في الفقه، 19 مهر 1396هـ.ش، نقلاً عن قناة «دروس عرفانيان»).)
#السيد_أحمد_المددي #الشيخ_الصدوق #الحسين_بن_سعيد #النجاشي #الشيخ_الكليني #ابن_الوليد #الشيخ_الطوسي #علم_الحديث #المصنف #تنقيح_التراث_الحديثي
منهج الشيخ الصدوق في إيراد الأحاديث الضعيفة وحدود قاعدة التسامح في أدلة السنن
(**للشيخ #الصدوق عددٌ من المشايخ المجهولين، ومنهم علي بن شاه بَمَرورُوذ، وهو ممّن لا نعرفه أصلاً، ولم نعثر على اسمه لا في كتب الإمامية ولا في كتب أهل السنّة. بل قد يورد الشيخ الصدوق أحياناً سنداً لا نعرف فيه سوى طرفيه؛ أي لا نعرف من رجاله إلا الشيخ الصدوق في أوّل السند والإمام الصادق (عليه السلام) في آخره. وكان الغرض من ذلك ـ فيما يبدو ـ الحفاظ على هذه الأحاديث وعدم ضياعها.
ومن أمثلة ذلك ما أورده في فضل صيام الأيام البيض، حيث روى بسندٍ طويل يبدأ بـ: «حدّثنا أبو الحسن علي بن عبد الله بن أحمد الأسواري الفقيه...» وينتهي إلى عبد الله بن مسعود عن النبي (صلى الله عليه وآله)، مع أنّ هذا السند مضطربٌ جداً، ثم يعقّب عليه مباشرة بقوله: «هذا الخبر صحيح». والمراد من ذلك ـ فيما يظهر ـ أنّ مضمون الرواية صحيح، ولا سيّما أنّها تتعلق بعملٍ مستحب، وإن كان سندها لا يخلو من اضطراب.^(علل الشرائع 2: 379-380، ح1).
وأمّا القول بأنّ الشيخ الصدوق أورد أمثال هذه الروايات استناداً إلى قاعدة التسامح في أدلّة السنن، فليس بصحيح أيضاً.
وقد نبّه #الشيخ_يوسف_البحراني إلى ذلك، فمع أنّ الشيخ الصدوق يروي حديث «من بلغ»، إلا أنّه يرفض هذا التوجيه؛ لأنّ الصدوق يذكر في كتاب «من لا يحضره الفقيه» روايةً في صلاة ليلة الغدير، ثم يصرّح بعد ذلك قائلاً:
> «وأمّا خبر صلاة يوم غدير خم والثواب المذكور فيه... فإنّ شيخنا محمد بن الحسن ابن الوليد (رضي الله عنه) كان لا يصححه... وكل ما لم يصححه ذلك الشيخ ولم يحكم بصحته من الأخبار فهو عندنا متروك غير صحيح.»
(من لا يحضره الفقيه 2: 90، ح1817).
وهذا يكشف بوضوح أنّ الشيخ الصدوق إذا علم بضعف الحديث، لم يعمل به حتى في المستحبات، ولم يكن يرى جواز الاعتماد عليه لمجرّد كونه وارداً في باب الفضائل أو السنن.
ومن هنا، فإنّ ما استظهره #الشيخ_يوسف_البحراني في هذه المسألة استظهارٌ صحيحٌ في نظرنا.
(آية الله السيد أحمد المددي، دروس البحث الخارج في الفقه، 19 مهر 1396هـ.ش).)
#السيد_أحمد_المددي #الشيخ_الصدوق #ابن_الوليد #الشيخ_يوسف_البحراني #علم_الحديث #التسامح_في_أدلة_السنن #من_لا_يحضره_الفقيه #علل_الشرائع
مفهوم «المصنَّف» ومراتب الاحتجاج بالحديث في تطور المصطلح الحديثي
(أمّا حلُّ الإشكال، فهو أنّنا نواجه مشكلةً تتمثّل في أنّ بعض المصطلحات كانت متداولةً في القرنين الثالث والرابع الهجريين عند أهل السنّة، كاصطلاحي «الصحيح» و«الحسن»** في وصف الحديث، في حين أنّنا لا نتبنّى هذه المصطلحات بالمعنى الذي استقرّ لديهم. بل إنّ أوّل من استعمل عند الإمامية مصطلح «الحسن» هو #العلامة_الحلي في القرن الثامن، حيث جعله في مقابل «الصحيح»، وعرّف الحديث الحسن بأنّه ما كان في سنده راوٍ إماميٌّ ممدوح، لكنّه غير موثَّق. أمّا أهل السنّة، فلا يعتمدون هذا التعريف.
وكان هدفهم من هذا التقسيم إيجاد مرتبةٍ وسطى للأحاديث؛ فهي ليست في درجة الحجية الكاملة، ولكن لا يصحّ طرحها وإهمالها، بل يمكن الاستناد إليها بدرجةٍ ما. ومن هنا ظهر لديهم فيما بعد تقسيم الحديث إلى «حسن لذاته» و«صحيح لغيره».
أمّا #العلامة_الحلي، فقد أراد أن يقرّر أنّ الحديث الصحيح حجّةٌ على الإطلاق، بينما الحديث الحسن حجّةٌ ما لم يعارضه دليلٌ آخر. فمثلاً: حديث أحمد الأشعري حجّةٌ مطلقاً، أمّا الحديث الذي يرويه إبراهيم بن هاشم، فهو حجّة بشرط عدم وجود معارض له. وهذه مرتبةٌ متوسّطة من الحجية؛ فقد يكون الحديث حجّةً في مورد، ولا يكون كذلك في موردٍ آخر. وهذا الاصطلاح لم يعد متداولاً في الحوزات العلمية اليوم؛ إذ إنّ السيد #أبو_القاسم_الخوئي في أواخر حياته كان يكتفي بالتفريق بين الحديث المعتبر وغير المعتبر، من دون الالتزام بهذه المراتب.
وقد صرّح #العلامة_الحلي بهذا المعنى في كتاب «مختلف الشيعة»، حيث يقول في عددٍ من الموارد: «ولا معارض له، فالحديث حجّة».
وإذا تذكّرتم بحث الشهرة الفتوائية ـ وهي اشتهار الفتوى بين الأصحاب من دون دليلٍ خاص، بخلاف الشهرة الروائية (ورود الرواية في أكثر من مصدر)، والشهرة العملية (عمل المشهور برواية ضعيفة) ـ فإنّ #الشيخ_الأنصاري لم يستثنِها من الأصل الأوّلي القاضي بحرمة التعبّد بالظن، بخلاف بعض أنواع الظنون التي قيل بخروجها عن هذا الأصل، مثل:
1. الظن الحاصل من خبر العدل أو الخبر الموثوق به.
2. الظن الحاصل من ظواهر القرآن.
3. الظن الحاصل من الإجماع المنقول بخبر الواحد.
4. الظن الحاصل من الشهرة الفتوائية.
5. الظن الحاصل من قول أهل اللغة.
وعلى خلاف #الشيخ_الأنصاري و#الميرزا_النائيني وغيرهما، الذين لم يبحثوا عن الجذر التاريخي لهذا المبنى، فإنّ #العلامة_الحلي نفسه يبيّن منشأه في «المختلف» بقوله: «لنا أنّه مشهور ولا معارض له»، فجعل الشهرة بمنزلة الحديث الحسن، وأثبت لها نوعاً من الحجية المتوسطة.
وأمّا عند أهل السنّة، فلمّا كانوا يلتزمون بالحجية التعبدية للأخبار، انصبّ اهتمامهم على وضع ضوابط دقيقة للحجية. فقد نُقل عن أبي حنيفة أنّه لم يثبت عنده سوى سبعة عشر حديثاً صحيحاً ـ وإن كان الأحناف لا يسلّمون بهذه النسبة ـ بينما نُقل عن أحمد بن حنبل، الذي توفي بعده بإحدى وتسعين سنة، أنّه اطّلع على مليون وسبعمائة ألف حديث، وهو فارقٌ هائل.
وكان الطالب يدوّن ما يسمعه من أستاذه في الأصول، وهي ما نسمّيه اليوم المسوّدات، حتى كانوا يقولون: «له أصول حسان». ثم يعمد بعد ذلك إلى ترتيب تلك المواد، ومقارنة أسانيدها ومتونها بما يسمعه من أساتذة آخرين، فإذا وجد بعض الروايات لا تنسجم مع سائر الأحاديث ولا أصل لها، مزّقها وأتلفها، وكان يقول: «خرّقتُ أحاديث فلان». ومن هنا نشأت المراتب المختلفة للأحاديث.
ثم جاء #الإمام_البخاري فخصّص كتابه بالأحاديث الصحيحة، وأمّا عند الإمامية فأوّل من سلك هذا المسلك هو صاحب «معالم الدين»، حيث ميّز بين الصحاح والحسان. غير أنّ هذه المصطلحات انتقلت إلينا بمضامين تختلف عمّا كانت عليه عند أهل السنّة؛ لأنّنا لم نكن نعيش في بيئتهم الاصطلاحية.
ولذلك نجد عندهم مراتب متعدّدة في الحكم على الرواة والأحاديث، منها:
1. «حديثه يُكتب ولا يُحتجّ به».
2. «لا يُكتب حديثه».
3. «لا يُكتب إلا للاعتبار».
4. «خرّقتُ أحاديثه».
وأمّا عندنا، فإنّ وصف الكتاب بأنّه «مصنَّف» يقابل ـ في حقيقته ـ المرتبة التي يعبّر عنها أهل السنّة بقولهم: «يُكتب ولا يُحتجّ به»، ولا يعني أنّه داخلٌ في مرتبة «لا يُكتب حديثه».**)
#السيد_أحمد_المددي #علم_الحديث #مصطلح_الحديث #المصنف #الحديث_الحسن #الحديث_الصحيح #الشهرة_الفتوائية #العلامة_الحلي #الشيخ_الأنصاري #الميرزا_النائيني #أحمد_بن_حنبل #البخاري
المصدر: آية الله السيد أحمد المددي، دروس البحث الخارج في الفقه، 19 مهر 1396هـ.ش، #عرفانيان
#كتابُ_«علل_الشرائع» بين الجمعِ الروائي والالتزامِ الفقهي
(**ألّف صاحب #الحدائق رسالةً في حرمة الجمع بين امرأتين من ذرية السيدة فاطمة الزهراء (عليها السلام). كما أنّ السيد #أبو_القاسم_الخوئي كان في بداية أمره ـ في حاشيته على العروة الوثقى ـ إمّا يفتي بالحرمة أو يحتاط فيها احتياطاً وجوبياً، ثم عدل عن ذلك لاحقاً.
ومستند هذا الحكم روايةٌ واحدة وردت في كتاب «علل الشرائع» للشيخ الصدوق، ولم يوردها في كتاب «من لا يحضره الفقيه»، كما وردت أيضاً بطريق آخر في «تهذيب الأحكام». ومضمونها أنّ الإمام الصادق (عليه السلام) قال:
> «لا يحلّ لأحدٍ أن يجمع بين الاثنتين من ولد فاطمة (عليها السلام)، فإنّ ذلك يبلغها فيشقّ عليها». فسأله الراوي: «يبلغها؟» فقال: «إي والله».
[علل الشرائع 2: 590/38؛ تهذيب الأحكام 7: 463/1855].
إلّا أنّ هذه الرواية ليست صحيحة السند، وإن وصفها صاحب العروة الوثقى بالصحة، حيث قال:
> «والرواية وإن كانت صحيحة، إلا أنّ الأصحاب أعرضوا عنها...»
ومن وجوه الإشكال في الاستدلال بها أنّ كتاب «علل الشرائع» من المصنَّفات، وليس من الكتب التي التزم مؤلفها بالعمل بجميع ما أورد فيها من الروايات.
وقد ناقش صاحب #الحدائق هذه القضية، وبيّن أنّ الشيخ الصدوق يذكر أحياناً رواياتٍ في «علل الشرائع» ثم يصرّح بعدها بقوله:
> «قال محمد بن علي بن الحسين، مصنّف هذا الكتاب: لا أعمل بهذه الرواية»،
كما وقع ذلك في غير موضع من الكتاب. وهذا يدلّ على أنّ وصف الكتاب بأنه «مصنَّف» يعني أنّه يجمع رواياتٍ قد يعمل بها المؤلف، وقد لا يعمل بها، وليس مجرّد إيرادها دليلاً على التزامه بمضمونها.
ومن الشواهد أيضاً أنّ الصدوق علّق في بعض المواضع على حديث فضل بن شاذان، فقال:
> «غلط الفضل...»
ثم بيّن وجه الخطأ في بعض فقراته، مما يكشف عن أنّه كان يمارس النقد العلمي للنصوص، ولا يلتزم بكل ما يورده في الكتاب.
ومع ذلك، فإنّ رواية فضل بن شاذان وإن كانت من منفردات الشيخ الصدوق، إلا أنّه كان يراها معتبرةً في الجملة؛ لأنّه نقل بعض مقاطعها أيضاً في كتاب «من لا يحضره الفقيه»، وهو الكتاب الذي صرّح في مقدمته بأنّه اقتصر فيه على ما يراه حجّةً ويعمل به.
أمّا الشيخ الحر العاملي، فلم يقبل التعميم القائل بأنّ جميع روايات «علل الشرائع» مشتركة بين المقبول وغيره، وذهب إلى أنّ ما لم يعلّق عليه الصدوق أو يردّه فهو ـ في الظاهر ـ ممّا ارتضاه.
غير أنّ هذا الاستظهار ـ كما يرى سماحة الأستاذ #السيد_أحمد_المددي ـ لا ينسجم مع ما صرّح به الشيخ الصدوق في ديباجة «من لا يحضره الفقيه»؛ إذ يظهر منها أنّ التزامه بالعمل إنما كان خاصّاً بذلك الكتاب، دون سائر مصنّفاته.**)
ـــ آية الله السيد أحمد المددي، درس الخارج في الفقه، 19/7/1996م.
#دلالةُ_المُصنَّف_وحجّيةُ_كتاب_«من_لا_يحضره_الفقيه»
(**قيل: إنّ كتب الحسين بن سعيد من قبيل المصنَّفات، ومن ثمّ فليس من اللازم أن يكون مؤلِّفها قد التزم بالعمل بجميع الأحاديث التي أوردها فيها.
وهذا المعنى نجده أيضاً عند الشيخ الصدوق، حيث يقول في مقدمة كتابه «من لا يحضره الفقيه»:
> «ولم أقصد فيه قصد المصنِّفين في إيراد جميع ما روَّوه». [من لا يحضره الفقيه 1: 2-3].
وقد قُرئت العبارات المشابهة لهذه الجملة على ثلاثة أوجه:
1. «وما فيه فقد رَوَيتُه عن فلان».
2. «فقد رُويتُه عن فلان».
3. «فقد رُوِّيتُه عن فلان».
والصحيح ـ وفق قواعد علم الحديث ـ هو الوجه الثالث، أي: «رُوِّيتُه» بالتشديد وبصيغة المجهول؛ لأنّ معناها: أنّي تلقّيت هذا الحديث عن أستاذٍ أذن لي بروايته، فجُعلتُ راوياً له.
وهذا في الحقيقة لونٌ من الاجتهاد في فهم الاصطلاح.
أمّا إذا أُخذت الرواية بمعنى الحكاية والنقل، صحّ حينئذٍ أن يقال: «رَوَيتُه».
ومن هنا يتّضح أيضاً معنى قوله (عليه السلام):
> «وأمّا الحوادث الواقعة فارجعوا فيها إلى رواة أحاديثنا».
فليس المراد بـ «رواة أحاديثنا» كلَّ من يحفظ الأحاديث أو ينقلها؛ وإلّا لأمكن لأيّ يهوديٍّ يحفظ شيئاً من الحديث أن يصبح وليَّ أمر الشيعة! بل المقصود هو الراوي المؤهَّل الذي تلقّى الحديث على الوجه الصحيح، وأُجيز له نقله، مع امتلاكه أهلية الفهم والاستنباط.
وقد أشار إلى هذا المعنى أيضاً كتاب «تحفة العالم في شرح خطبة المعالم»، وهو من المطبوعات الحديثة.
وعلى هذا الأساس، يتبيّن أنّ الشيخ الصدوق كان ملتفتاً تمام الالتفات إلى هذا الاصطلاح؛ ولذلك صرّح بأنّ كتابه «من لا يحضره الفقيه» ليس كتاباً مصنَّفاً بالمعنى الذي يجمع فيه المؤلف جميع ما وصل إليه من الروايات، بل هو كتابٌ انتخب فيه ما يراه حجّةً صالحاً للاعتماد والفتوى.**)
ـــ آية الله السيد أحمد المددي، درس الخارج في الفقه، 19/7/1996م.
#المستدرَك بين النظرية والتطبيق: قراءةٌ نقدية في «المستدرك» و«مستدرك الوسائل»
(**ألّف الحاكم النيسابوري كتابه «المستدرك على الصحيحين» على أساس أن يجمع الأحاديث التي كانت ـ بحسب اصطلاح المحدّثين ـ على شرط الشيخين؛ أي: إذا كان الحديث مستوفياً للشروط التي اعتمدها البخاري ومسلم في تصحيح الأحاديث، ولم يُخرجاه في صحيحيهما، أثبته الحاكم في كتابه.
ومن المعلوم أنّه إذا كان الحديث على شرط البخاري فهو ـ في الغالب ـ على شرط مسلم أيضاً؛ لأنّ شروط البخاري في الرجال والرواية أشدّ وأدقّ من شروط مسلم.
غير أنّ الحاكم يذكر أحياناً حديثاً ثم يقول: «هذا حديث صحيح الإسناد عندي ولم يُخرِجاه»، معترضاً بذلك على البخاري ومسلم لعدم إخراجهما له. وقد ذهب بعض علماء أهل السنّة إلى التفريق بين «أخرج» و«خرّج»؛ فالأولى عندهم تعني إيراد الحديث بتمامه، والثانية تعني إيراد بعضه أو الاستشهاد به، إلا أنّنا لا نرى كبير أثر لهذا الاصطلاح في محلّ البحث.
وعليه، فإنّ قوله: «صحيح الإسناد ولم يُخرِجاه» معناه أنّ الحديث صحيح عند الحاكم، أو عند مشهور المحدّثين، لا أنّه على شرط الشيخين؛ إذ لو كان كذلك لصرّح بقوله: «على شرط مسلم» أو «على شرط الشيخين». وبهذا يتّضح أنّ مثل هذه الموارد لا تُعدّ ـ في الحقيقة ـ من المستدرَك بالمعنى الدقيق.
وقد سبق أن ذكرنا أنّ الميرزا حسين النوري ألّف كتابه «مستدرك الوسائل» بهذا الحجم الكبير، إلا أنّ الإشكال الأساس فيه أنّه ليس مستدركاً بالمعنى الحقيقي؛ لأنّ الشيخ الحرّ العاملي، صاحب «وسائل الشيعة»، قد اطّلع على أكثر تلك الروايات، لكنه لم يعتمدها، ولذلك لم يوردها في كتابه. ونادراً ما نجد روايةً موجودةً ـ مثلاً ـ في «كامل الزيارات» أغفلها صاحب «الوسائل» ثم استدركها الميرزا النوري. وإنما أورد الأخير في الغالب رواياتٍ لم يرَ صاحب «الوسائل» حجّيتها أو وثاقتها. ومن ثمّ، فإنّ وصف الكتاب بـ «المستدرك» ليس دقيقاً من هذه الجهة، وإن كان الإشكال نفسه موجوداً ـ بدرجة أقل ـ في «المستدرك على الصحيحين» للحاكم.
ومن الجدير بالذكر أنّ صاحب «وسائل الشيعة» راجع كتابه أكثر من مرة؛ فقد ألّفه أولاً، ثم أعاد مراجعته، ثم دوّن في المراجعة الثالثة تعليقاتٍ وإضافات. وقد عُثر على هذه التعليقات في السنوات الأخيرة، وأُدرجت في طبعة مؤسسة آل البيت، ولم تكن موجودة في تحقيق المرحوم الربّاني.
وفي خاتمة «وسائل الشيعة»، وفي الفوائد التي ألحقها بالكتاب، يصرّح صاحب «الوسائل» بأنّه ترك الرواية عن عددٍ من الكتب؛ إمّا لعدم شهرتها، أو لعدم ثبوت نسبتها إلى مؤلفيها، ويذكر من بينها «فقه الرضا» وغيره. ومن الطبيعي أنّ الميرزا النوري لو اطّلع على هذه التعليقة قبل تأليف كتابه، لما سمّى كتابه «مستدرك الوسائل».
كما نُقل عن النوري أنّه لم يكن يعدّ العلامة المجلسي «المحدّث الأعظم»، وربّما كان يظنّ أنّ الظروف التي عاشها المجلسي في العصر الصفوي، وما رافقها من الحروب مع العثمانيين، حالت دون اطّلاعه على جميع التراث الحديثي الشيعي. ولذلك كان يرى أنّ لقب «المحدّث الأعظم» أولى بكلٍّ من الشيخ الصدوق، والشهيد الأول، والشيخ أحمد الأحسائي، وربّما نفسه أيضاً، دون العلامة المجلسي. والإنصاف أنّ هؤلاء الأعلام قدّموا جهوداً كبيرةً ومتميزةً في خدمة الحديث وتراث الإمامية.**)
ـــ آية الله السيد أحمد المددي، درس الخارج في الفقه، 7/12/1996م.
سعيد #عرفانيان
#مصطلح_«متفقٌ_عليه» بين الفهم الشائع والمعنى الاصطلاحي
(**1. من أهمّ الفوائد العلمية التي أفدتها من سماحة الأستاذ #السيد_أحمد_المددي في باب مصطلحات الحديث، أنّ بعض الباحثين يسيئون فهم قول علماء أهل السنّة في بعض الروايات: «متفقٌ عليه» أو «حديثٌ صحيحٌ متفقٌ عليه».
فقد ظنّ بعض علمائنا ـ لعدم الإحاطة بالاصطلاحات الحديثية عند أهل السنّة ـ أنّ المراد هو اتفاق علماء أهل السنّة وإجماعهم على صحّة الحديث، بينما المقصود في اصطلاحهم شيء آخر، وهو أنّ الإمام البخاري والإمام مسلم قد اتفقا على إخراج الحديث في صحيحيهما؛ أي إنّ الرواية مرويّة في صحيح البخاري وصحيح مسلم معاً، ولا يدلّ هذا الوصف بذاته على انعقاد إجماعٍ بين علماء أهل السنّة على مضمونها أو حجّيتها.
2. وقد بذل ناشرُ أحد كتبنا جهداً كبيراً، مستعيناً ببعض الفضلاء من أهل العلم، ليُقنعني بأنّ هذا الاصطلاح يدلّ على كون الحديث مجمعاً عليه عند أهل السنّة، غير أنّ الصواب هو ما تقدّم، وهو ما يتّضح بأدنى مراجعةٍ لكتبهم ومصطلحاتهم الحديثية.
وكما قال الشاعر السيد أشرف الدين الجيلاني (نسيم الشمال):
> لا تلمسْ! أغمضتُ عينيَّ كلتيهما،
لا تمشِ! لقد انكسرت قدماي.
لا تتكلّم! فقد قطعتُ الكلام،
ولا تنطق! فقد أطبقتُ فمي.
لا تفهم شيئاً! ولا تُثر هذا الحديث،
ولا تطلب من الإنسان أن يتعمّد الجهل.
قد أصبح أخرس، وأعمى، وأصمّ،
ولكن من المستحيل أن أصبح أحمق.)
سعيد #عرفانيان
🔴 روايات الواقفة وأثرها في تقويم النصوص الحديثية
(**قد تَرِدُ بعضُ الأحاديث إلينا منحصرةً بطريق الواقفة، مع أنّ أصلها مأخوذٌ من كتبٍ معتبرة عند الإمامية، ككتاب ابن أبي عمير. وقد احتملنا أنّ هذه الروايات كانت موجودةً بالفعل في كتاب ابن أبي عمير، ثم عُرضت لاحقًا على الأئمة المتأخرين، كالإمام الجواد والإمام الهادي والإمام العسكري (عليهم السلام)، فرفضوها، وقالوا: إنّها غير ثابتة، أو لعلّها صدرت تقيةً، أو وقع فيها خطأٌ في النسخة، أو نحو ذلك.
وبناءً على هذا، لم يعمل الشيعة بهذه الروايات ولم يُثبتوها في تراثهم الحديثي، بينما أثبتها الواقفة في كتبهم؛ لأنّهم لم يكونوا يؤمنون بإمامة الأئمة المتأخرين، فلم يرجعوا إليهم في تصحيح الروايات وتمحيصها، واضطروا إلى الاعتماد على الكتب وحدها في بناء فقههم، فانتقلت تلك الروايات إلى مصنفاتهم. ولهذا تُعدّ هذه الأحاديث من الروايات الشاذّة.
ومن أوضح الأمثلة على ذلك: قصة كثرة زيجات الإمام #الحسن المجتبى (عليه السلام) وادعاء أنّه طلّق خمسين امرأة. فقد وردت هذه الرواية حصراً في «الكافي» ومن طريق الواقفة، عبر حميد بن زياد ومحمد بن سماعة، عن محمد بن زياد، وهو ابن أبي عمير. ومن المعلوم أنّ الواقفة كثيراً ما يعبّرون عنه في كتبهم باسم «محمد بن زياد».
ومن الواضح أنّ الرواية كانت موجودة في كتاب ابن أبي عمير، ثم عُرضت على الإمام الجواد (عليه السلام)، فأنكرها وعدّها باطلة؛ إذ إنّ جميع الأخبار الواردة في هذا الشأن تتعلق بفترة إقامة الإمام الحسن (عليه السلام) في الكوفة، ولم يُنقل شيء من ذلك عن فترة إقامته في المدينة. كما أنّ مدة إقامته في الكوفة لم تتجاوز ثلاث سنوات تقريباً، ومن غير المعقول أن يكون قد تزوج وطلّق خمسين امرأة خلال هذه المدة القصيرة. ومن هنا، فإنّ ما اشتهر عند بعض أهل السنة من أنّ «الكوفة معدن الكذب» ليس خالياً من منشأ تاريخي، وإن كان إطلاقه بهذا الوجه غير دقيق).
ـــ آية الله السيد أحمد #المددي، درس الخارج في الفقه، 15 بهمن 1396هـ.ش.
🔴 المرحلة الخامسة في منهج الاستنباط عند السيد أحمد المددي
قال الاستاذ سعيد عرفانيان :
يكتب المرحوم الميرزا النائيني – تبعًا للشيخ الأنصاري (رحمهما الله)، ومكمّلًا لما قرره –:
«اعلم أنّ إثبات الحكم الشرعي من الخبر الواحد يتوقّف على أصل الصدور، وجهة الصدور، وعلى الظهور، وإرادة الظهور.»
(فوائد الأصول 3: 156).
أي إن الفقيه، لكي يثبت حكمًا شرعيًا اعتمادًا على خبر الواحد، لا بد أن يجتاز أربع مراحل:
1. إحراز أصل صدور الرواية؛ إذ إن الحجية إنما تدور مدار ثبوت صدورها عن المعصوم (عليه السلام).
2. التحقق من جهة الصدور؛ لأن الرواية إذا صدرت تقيةً مثلًا، لم تصلح للاستدلال على الحكم الواقعي.
3. إثبات ظهور ألفاظ الرواية في المعنى المراد الاستدلال به.
4. إحراز أن المعصوم (عليه السلام) أراد هذا الظهور، ولم تكن هناك قرينة صارفة عنه.
وقد أضاف سماحة الأستاذ آية الله السيد أحمد المددي مرحلةً خامسةً، تُعدّ من أبرز إضافاته المنهجية، وهي: التدقيق في ألفاظ الرواية نفسها.
والمقصود بهذه المرحلة – وهي بحق من روائع منهجه العلمي – أنه إذا وصلت الرواية إلينا بألفاظٍ مختلفة عبر مصدرين أو ثلاثة أو أكثر، فإن على الفقيه أن يوازن بين هذه الصيغ المختلفة، ويستعين بالشواهد والقرائن؛ ليُميّز اللفظ الأقرب إلى ما صدر حقيقةً عن المعصوم (عليه السلام).
شبهات الحداثيين في ضوء النقد الحديثي: قراءة في قاعدة «على اليد» ومنهج التمحيص الروائي
كتب الأستاذ سعيد عرفانيان:
يفتتح بعض الكتّاب المعاصرين اعتراضاتهم على الأحكام الشرعية بالاستناد إلى رواياتٍ لم يُمحَّص سندها أو دلالتها تمحيصًا علميًا، فيُنشئون عليها نتائج فكرية وفقهية واسعة، مع أنّ المنهج الحديثي الدقيق قد يفضي إلى نتائج مغايرة تمامًا.
ومن النماذج البارزة لذلك قاعدة «على اليد ما أخذت حتى تؤدّيه»، وهي من القواعد التي شاع الاستدلال بها في الفقه الإمامي، بل ادُّعي عليها الإجماع. فقد رُوي عن النبي ﷺ: «على اليد ما أخذت حتى تردّه»، أو: «حتى تؤدّيه»، ومقتضاها أنّ مجرّد استيلاء الإنسان على مال غيره يوجب الضمان إلى أن يردّه إلى صاحبه، وهو حكمٌ يُعدّ ـ في نفسه ـ على خلاف الأصل العقلائي، ولذلك احتاج إلى دليلٍ خاص.
وقد بيّن آية الله السيد أحمد المددي أنّ هذه الرواية لم تُنقل في طرق الإمامية عن الأئمة (عليهم السلام)، بل إنّ هناك شواهد تدل على أنّ الأئمة لم يأخذوا بمضمونها. وأما في مصادر أهل السنة، فهي تدور أساسًا على الحسن البصري عن سمرة بن جندب، وهو راوٍ أحاطت به ملاحظات تاريخية وعلمية معروفة، كما أنّ الحسن البصري لم يروها عنه بصيغة السماع المباشر.
ويرى السيد المددي أنّ دخول هذه الرواية إلى التراث الفقهي الإمامي كان على يد الشيخ الطوسي في كتاب الخلاف، ثم شاع الاستناد إليها تدريجيًا حتى ادُّعي انجبار ضعفها بعمل الأصحاب، مع أنّ هذا المسلك ـ بحسب تحليله ـ لا ينهض لإثبات الحجية؛ إذ إنّ مجرد إيراد الشيخ للرواية في الخلاف، مع عدم اعتماده عليها في فتاواه، لا يكفي لإثبات تحقق عمل الأصحاب بها.
ويزيد الأمر دلالةً ما نقله الحاكم والترمذي من أنّ الحسن البصري نفسه عدل عن هذا الرأي، وقال بعد ذلك: «هو أمينك لا ضمان عليه» في العارية، وهو ما يكشف عن تراجعه عن فهمه الأول للرواية.
ومن هنا يخلص السيد المددي إلى التفريق بين أصل القاعدة وبين ثبوت تطبيقاتها الحديثية؛ فالإشكال ليس في إمكان وجود قاعدة عقلائية للضمان، وإنما في ثبوت هذا النص النبوي وصحة الاستدلال به على النحو المتداول.
وعليه، فإنّ كثيرًا من الطروحات التي يثيرها بعض الحداثيين اعتمادًا على رواياتٍ غير محرّرة حديثيًا لا تستند إلى أساسٍ علمي راسخ، بل تكشف عن قراءةٍ سطحية للتراث الروائي، في حين أنّ المنهج النقدي الداخلي الذي تبنّاه كبار المحققين من علماء الإمامية ـ ومنهم السيد أحمد المددي ـ يقتضي إعادة فحص النصوص قبل البناء عليها في الاستدلال أو توجيه النقد.
🔴 تصرّفات عمّار الساباطي وأثرها في تفرّد بعض رواياته
(**سبق أن تعرّضنا في أوائل بحث الاستصحاب، وقبل ذلك بمناسبة رواية عمّار بن موسى، وهي قوله: «قال: كلّ شيءٍ نظيفٌ حتّى تعلم أنّه قذر، فإذا علمت فقد قذر، وما لم تعلم فليس عليك» (تهذيب الأحكام 1: 285، ضمن ح 832)، إلى احتمال أنّ عمّار الساباطي قد يكون تدخّل في صياغة الرواية؛ وذلك لأنّ هذا التعبير ـ أي: «كلّ شيءٍ نظيفٌ حتى تعلم أنّه قذر، فإذا علمت فقد قذر» ـ الذي يجعل الحكم دائراً مدار العلم، قد انفردت به روايات عمّار.
أمّا سائر رواياتنا، فقد ورد فيها ـ مثلاً ـ: «كلّ شيءٍ هو لك حلال حتى تعلم أنّه حرام بعينه فتدعه من قبل نفسك» (الكافي 5: 313، ضمن ح 40؛ تهذيب الأحكام 7: 226، ضمن ح 989). غير أنّ تعبير عمّار أقرب إلى القول بالتصويب، إذ يوحي بأنّ الواقع تابعٌ لعلم المكلّف، مع أنّ الوجدان يقضي بخلاف ذلك.
إنّنا ندرس روايات كلّ راوٍ على حدة، مع ملاحظة أسلوبه الخاص في التعبير. ويبدو أنّ عمّار كان يرى نوعاً من التلازم بين العلم والوجود، مع أنّ بينهما فرقاً جوهرياً؛ فإنّ حدّ العلم غير حدّ الواقع.
ففي قوله: «إن كان في منقارها قذر... وإن لم يعلم أنّ في منقارها قذراً...» جعل «لم يعلم» في مقابل «كان»، مع أنّ المتعارف أن يُقابل الوجود بعدم الوجود، فيقال: «إن كان... وإن لم يكن...». ولو كان هذا الأسلوب صادراً عن الإمام (عليه السلام)، لتكرّر في موارد أخرى، مع أنّ هذا النص لم يرد بهذا اللفظ في غير روايات عمّار، مما يعزّز احتمال أنّه من تصرّفاته في النقل.
ومن هنا، يُستبعد جداً أن يكون التعبير بـ«لم يعلم» في مقابل «كان» من ألفاظ الإمام (عليه السلام)، إلا أنّ مجموع روايات عمّار يكشف عن أنّه كان يساوي ـ في نظره ـ بين العلم والواقع. وهذه الطريقة في التعبير غير مقبولة، وأرى أنّها من أسرار شذوذ بعض رواياته، وأنّ منشأ ذلك اجتهاداته الشخصية في أثناء النقل.
ولعلّ هذا يفسّر أيضاً أنّ الأئمة (عليهم السلام) أمروا بالأخذ بما رواه بنو فضّال دون ما رأوه، كما في قوله (عليه السلام): «خذوا بما رووا، وذروا ما رأوا» (وسائل الشيعة 18: 72، ح 79)، بينما لم يرد نظير هذا التوجيه بشأن كتاب عمّار، مع أنّ كتابه كان من أهم الكتب الفقهية المتداولة عند الفطحية.
ويبدو أنّ السبب في ذلك أنّ كتاب عمّار لم يكن يُنظر إليه بوصفه كتاب روايةٍ محضة، بل كتاب فتاوى أيضاً. أمّا كتب بني فضّال، ففقهها قائم على ألفاظ الروايات نفسها، إذ كانوا ينقلون النصوص كما هي. وأمّا عمّار، فيظهر أنّه كان يتصرّف في بعض الألفاظ، وأنّ كتابه كان أقرب إلى كتاب «من لا يحضره الفقيه» من حيث اشتماله على الفتاوى والروايات معاً.
وليس هذا بالأمر الغريب؛ فإنّ «الموطأ» للإمام مالك يضمّ الروايات، ثم يذكر بعدها اجتهاده وتعليقاته العلمية. ويبدو أنّ كتاب عمّار كان على هذا النمط أيضاً؛ يجمع بين الرواية والفتوى، مع وقوع النقل بالمعنى في بعض مواضعه، ومن شواهد ذلك قوله: «فإذا علمت فقد قذر»، وهو تعبير لم يرد في غير هذا الموضع.)**
ـــ آية الله السيد أحمد المددي، بحث الخارج في أصول الفقه، 23/11/1396هـ.ش.
نقلا عن الأستاذ سعيد عرفانيان
