ar
Feedback

لا تقع ضحية للمخادعين! تيليمتريو يكتشف ويُميّز هذه القنوات 👉 إذا كنت تريد رؤية العلامة، اشترك

- أُوَام .

- أُوَام .

الذهاب إلى القناة على Telegram

لا ماءَ يُنقذُ هذه الحُنجرة.

إظهار المزيد
لم يتم تحديد البلدالفئة غير محددة
220
المشتركون
+124 ساعات
-57 أيام
-1430 أيام
أرشيف المشاركات
ذات يومٍ، حين نظرتُ لعينيها خُيّل لي أنَّ الضوء يتجنّب النظر إليها احترامًا، فالعتمة فيها ليست ظلامًا.. بل دفء دفءٌ مُبهم، يشبه أريحية الغرق حين لا تعود تقاوم التيار، بل تترك جسدك يهبط ببطء.. وأنت تُردد.. ليكن هذا موتي، على الأقل.. لا يُوجع. كانت تتحدث بهدوء يُربك قلقي، تُصغي لأحزاني دون أن تُبدي شفقة وتُمرر الكلمات كما تمرّ الشظايا داخل جسدٍ متعب، صامتة... لكنها تقتل. أحببتها كما يُحب العابرُ رائحةَ الخبز في شوارع المدن الباردة، وكما يُحب الناجون ذكرى السقوط في عينيها كنت أبحث عن تبرير لكل الحروب، وكل القصائد... وكل النهايات المبكرة. ثم ألتفتُّ إليه.. صاحبي القديم.. ذاك الذي كنا نكتب معًا نضحك، نلعن الكتب الرديئة، ونتحدث عن الموت بسخرية تعذّر تفسيرها كان يعرف أين تضع نقطة الختام وكيف تترك جملةً تشتعل بعدك. كان يُجيد الغياب، بهدوء قاتل بلا ضجيج، بلا أبوابٍ تُغلق، يتركك في المنتصف وبيده كل المفاتيح. ولأنني صدقته، تركت له مساحةً في داخلي، بنيت له كُوّة يختبئ فيها حين تشتدّ الدنيا لكنه أشعلها، وأحرقني وأنا أبتسم. لم يمت، لكنه قُتل في داخلي كما تُقتل المعاني إذا نُطقت في غير وقتها، تساقط من عيني كدمعةٍ حادة وسكن في حنجرتي كأسمٍ ممنوع النطق. وأنا... كنت أحاول أن أحبها بنفس الطريقة التي سامحته بها، بنفس الصبر الذي لا يتقنه من تآلف مع الخذلان، بنفس الذكاء الذي يُخفي الدماء تحت الأكمام، بنفس الهندسة الدقيقة التي تبني بها المدن جدارًا يقف.. وإن لم يسكنه أحد. ماعدت أعرف... هل أبكي على امرأةٍ استقرت في قلبي كـ حكايةٍ مروية نصفها، أم على صديق حيّ، لكنه رحل.. كأنه لم يوجد. ياصاح، أنا الذي لم تُهزمني الشوارع ولا الحروب، تهشّمتُ على عتبة اثنين: امرأة لم يكفي حُبي لها، وصديقٌ أحببتُه أكثر مما يجب. وفي تلك اللحظة الأخيرة وجدت عبارة على هامش دفاتر أحد المجانين القدماء، كتب... بعض القلوب لا تُهزم بالحروب، بل بلأحبة الذين غادروا وهم أحياء .!

كتابات قديمة:

ما بينَ المُتعبِ والمُتعبْ.. أُوجدُ أنا.

الوحدةُ مرضٌ يُصابُ بهِ الشخصُ.. والشعبُ كذلك.

عندما أموت.. سيتحللُ كلُّ شيءٍ، إلا وحدتي؛ فهي كعظمي تماماً، لذا ستظلُّ تحت الترابِ ولا تبلى. أنا وحيد.. فعاشرتُ الكتابةَ، رغم معرفتي أنني لن أُفهم، فصرتُ وحيداً أكثر، متروكاً أكثر، مُبلىً أكثر.

أتى الغَبَشُ.. مُحمَّلاً بالحزنِ، فأصبحتُ منذ الولادةِ حزيناً. لطالما كنتُ حزيناً، حتى اقترنَ الحزنُ باسمي؛ فأصبحَ لحزني (حاءُ) الحيرةِ، و(راءٌ) راقتْ لهُ الأَجداثُ فحملَ نعشَه زَيْنٌ مبتسماً، و(نونٌ) نسَتني هناك.. معلقاً بين الأسودِ والأبيضِ! عندما أحزنُ.. تتوقفُ عقاربُ الساعةِ عن السيرِ كما تشاء، ليرغمها حزني أن تسيرَ كما يشاءُ؛ فتصبحُ ثقيلةً جداً، مرغمةً على المُضيِّ قدماً وهي باكيةٌ.. عليّ، وعليها، وعلى الطريقِ. ذاتَ مرةٍ قيل لي إنني (طِرْسٌ)؛ وُلدتُ بياضاً نقياً من رَحِمٍ سوداءَ، فتبنَّاني الحزنُ وكتبَ على ذاتي ما يشاء، فبكيتُ حينها على أمي.. ألم يرَ الناسُ نقاءَها الذي يُشبهُ السماء؟! ثم ابتسمتُ.. فالكعبةُ سوداءُ، وحزني.. ما هو إلا وباء!

نحنُ نكتُبُ فقط لكي لا نتفحّم.