- رَاوِي الأُفُق.
الذهاب إلى القناة على Telegram
لا أظهر كثيرًا في الحكاية.. لكنني دائمًا الراوي.
إظهار المزيدلم يتم تحديد البلدالفئة غير محددة
217
المشتركون
لا توجد بيانات24 ساعات
+27 أيام
+730 أيام
أرشيف المشاركات
سحر، ابنة جيراننا الموقرة، التي قضت السنة الدراسية كاملة في غيبوبة فكرية تامة، استيقظت اليوم لتكتشف أنها أصبحت "عالمة ذرة" في نظر عائلتها، فقط لأن الكنترول قرر منحها معدل اثنين وستين بالمئة برأفة إلهية تامة. وبمجرد ظهور النتيجة، تحول منزلهم الهادئ إلى ثكنة عسكرية لإطلاق "القوارح" والمفرقعات، وكأن سحر لم تنجح في الثانوية، بل قادت فرقة عسكرية لتحرير بقية الحارات المجاورة، لتهتز نوافذ الحي بأكمله على وقع الانفجاروت الحي الذي التهم ميزانية الغذاء لثلاثة أشهر مقبلة تعويضاً عن خلو رأس الابنة من أي محتوى معرفي. والدة سحر كانت تقف في الشرفة وتوزع الزغاريد والشتائم على الجيران بالتناوب لتقهر الأمهات اللواتي حصد أولادهن معدلات تسعين بالمئة في صمت، بينما سحر تجلس بالداخل تتابع تضاعف المتابعين على حسابها، متوهمة أن هذا الضجيج البارودي هو بوابة العبور نحو المجد الأبدي، غير مدركة أن المستقبل الحقيقي جالس لها خلف الباب مباشرة في دهاليز التسجيل والتنسيق، حيث ستطلق الجامعة في وجهها "قوارح" من نوع آخر تماماً؛ صدمات اقتصادية وفكرية حادة ستجعل مفرقعات اليوم تبدو كألعاب أطفال بريئة، وتترك جيوب والدها "مصفرة" تماماً في مواجهة واقع وجامعات موازية لا ترحم، ولن تطلق من أجل مجموعها الهزيل حتى شرارة عود ثقاب واحدة.
تستهلك المجاملات الاجتماعية الواجبة طاقة نفسية وعاطفية مهولة من رصيدنا اليومي، حيث يتحول التفاعل مع الآخرين في كثير من الأحيان إلى عرض مسرحي مستمر يرتدي فيه الإنسان قناع اللطف والابتسام لأشخاص قد لا يكنّ لهم أي مشاعر ود، أو يجد نفسه مضطراً لقول كلمات ثناء وتأييد لا تعبر عن قناعاته الحقيقية. يعود هذا السلوك اليومي المتكرر إلى حاجة المجتمعات الفطرية لـ "التزييت الاجتماعي"؛ فالصراحة المطلقة والجفاف في التعامل كفيلان بتدمير العلاقات وهدم الروابط الأسرية والمهنية في غضون أيام، مما يجعل هذه المجاملات نوعاً من الذكاء الاجتماعي والدبلوماسية الإجبارية للحفاظ على السلام العام وتجنب الصدامات المعيقة للحياة. بيد أن الأزمة الحقيقية تنشأ عندما يتحول هذا السلوك من مجرد كياسة وعابر سبيل إلى وظيفة نفسية مرهقة تُعرف في علم النفس بـ "العمل العاطفي"، حيث يضطر الفرد لكبت مشاعره الحقيقية من ضيق أو استياء، وتزييف مشاعر مغايرة تماماً، مما يولد فجوة عميقة بين الذات الداخلية والظاهر الاجتماعي تؤدي مع الوقت إلى الاحتراق النفسي والشعور بالاغتراب عن الذات. يتضاعف هذا العبء في بيئات العمل الحديثة والتجمعات العائلية التي تفرض بروتوكولات صارمة من الترحيب والنفاق المتبادل، ليجد الإنسان نفسه في نهاية يومه مستنزفاً تماماً من طاقته وصبره، لا لشيء إلا لأنه أمضى ساعاته في استجداء رضا الآخرين وتجنب سوء الفهم. إن ممارسة هذه الديناميكية بشكل مستمر دون وضع حدود فاصلة بين اللطف العابر والنفاق المتجذر تحول المجتمعات إلى كتل من العلاقات الهشة والزائفة، مما يتطلب وعياً بضرورة الموازنة بين الحفاظ على الروابط الاجتماعية وبين حماية السلام الداخلي والصدق مع النفس عبر تعلم مهارة الاعتذار الذكي والانسحاب الهادئ من المواقف التي تستهلك الوعي دون طائل.
"ليس المطلب الإنساني الأسمى هو اللياذ بالطمأنينة، بل امتلاك الجسارة على مجابهة المجهول بثبات ودون فزع فالحرية واليقين لا يجتمعان؛ إذ لا حرية بلا مخاطرة، ولا فكر مستنير بلا شك"
-نَزار الرَّاوي.
Repost from ـ نَزار الرَّاوِي˓
من الظواهر السيكولوجية المثيرة للسخرية في الفضاء الرقمي اليوم هي تلك الشجاعة المستعارة والباذخة التي تهبط فجأة على البعض بمجرد الاختباء خلف أقنعة بوتات المصارحة السرية والتطبيقات المجهولة
فتجد الشخص الذي يعجز عن مواجهتك في حوار فكري علني باسمه وهويته الحقيقية يتحول خلف القناع السري إلى منظر شرس يوزع الأحكام التعميمية ويناقش الأفكار والمواضيع الكبرى ظناً منه أن السرية تمنحه حصانة ترفعه فوق النقد والتفنيد وهذا الانفصام المعرفي يثبت بدقة أن عقلية الضحية لا تجيد ممارسة التمرد إلا من داخل خيمة العتمة وخلف شاشات الكتمان لأن مواجهة الحقائق الدامغة بالاسم الصريح تتطلب من النضج والثقافة والشجاعة الفردية ما يفتقر إليه هواة التخفي فالوعي الحقيقي لا يرتدي الأقنعة ولا يستجدي مساحات سرية ليهرب من مرآة التناقض بل يواجه العالم وجهاً لوجه وعيناً بعين بسلطة فكرته وعمق منطقه
لذلك فإن خيارنا الدائم بالحديث الشفاف عبر البوت الرسمي والعلني هو الميزان الفعلي لفرز العقول المغايرة وصناعة الثقة مع جمهور يمتلك من الذكاء ما يجعله يرفض التخفي خلف النميمة الرقمية والأفكار الموروثة ومن يمتلك الكلمة الحرة والوعي الأصيل فليقلها في وضح النهار أمام الجميع دون خوف أو مواربة وحماية خصوصية الأعضاء الأوفياء تتم بالالتزام الأخلاقي المباشر وليس بالركض خلف النماذج الاستهلاكية المشوهة.
ويتقاطع هذا التوجه المعرفي مع ضرورة فتح قنوات تواصل تفاعلية وشفافة بين أصحاب المبادرة والمبدعين المشاركين مما يتيح تقديم تغذية راجعة وتوجيهات نقدية أولية تسهم في تطوير الأدوات التعبيرية للأقلام الشابة بدلاً من الاكتفاء بالقبول أو الرفض الجاف والآلي. كما أن استكمال هذه الدورة الإدارية المرنة يمتد إلى ما بعد مرحلة جمع النصوص حيث ينبغي صياغة استراتيجية نشر وتوزيع رقمي مدروسة تضمن وصول هذا الإرث الأدبي إلى المنصات والمكتبات الإلكترونية المتخصصة والموثوقة بدلاً من تركه حبيساً للمجموعات والقنوات المحدودة. إن المبادرات التي تستثمر في الوقت والجهد وتلتزم بالمعايير النقدية الصارمة تتحول تدريجياً من مجرد أنشطة عابرة في الفضاء الرقمي إلى مؤسسات ثقافية افتراضية وازنة تضع بصمتها في مسار الأدب المعاصر وتصنع جيلاً من الكتاب الحقيقيين الذين يقدرون قيمة الحبر والكلمة الملتزمة.
إن تعزيز هذه المنهجية الرصينة يتطلب أيضاً إدراكاً عميقاً بأن القيمة الفنية للمخرجات الأدبية لا تُقاس بغزارة عدد النصوص المشاركة بل بنوعيتها وتأثيرها الباقي في وجدان القراء، وهو الأمر الذي يفرض على الجهات المنظمة التخلي عن عقلية الأرقام والكم لصالح الكيف والجودة الفنية الخالصة.
إن الانتقال بالعمل الثقافي والمبادرات الرقمية من العشوائية إلى الرصانة يتطلب تبني منهجية إدارية مرنة تحترم قيمة الإبداع وتمنح الكلمات وقتها الكافي للنضج والتشكل. وتتحقق هذه المرونة أولاً من خلال الموازنة الواعية بين حجم النص المطلوب والمهلة المتاحة حيث تلتزم المبادرات الناجحة بوضع مدى زمني لا يقل عن أسبوع كامل للمواضيع العميقة والنصوص المطولة مما يتيح للكاتب فرصة مراجعة مسوداته وصقل صوره البلاغية دون الوقوع تحت وطأة الذعر الزمني. كما يساهم اعتماد آلية الإعلان التمهيدي المسبق في تهيئة المناخ الذهني للمشاركين قبل فتح باب الاستقبال الفعلي مما يضمن تدفق نصوص حقيقية مدروسة بعناية بدلاً من رصف الحروف على عجلة للحاق بالموعد النهائي. ومن الناحية التنظيمية فإن توظيف النماذج الإلكترونية الذكية لجمع المشاركات بدلاً من الرسائل الخاصة العشوائية يمنح المنظمين قدرة أكبر على فرز وتقييم الأعمال بتمهل ودون الحاجة لإغلاق باب التقديم سريعاً خوفاً من تكدس الرسائل. وفي هذا السياق التنظيمي المكتمل يصبح من حق إدارة المبادرة استخدام برمجيات فحص أصالة النصوص للتأكد من خلوها من الانتحال أو التوليد الآلي، إذ إن منح الوقت الكافي للكتّاب يسقط أي مبرر للجوء إلى تقنيات الذكاء الاصطناعي ويوفر بيئة عادلة تضمن خروج مشروع أدبي رصين يمتلك مقومات البقاء والأثر في وجدان القراء.
Repost from - رَاوِي الأُفُق.
الإنسان الذي تظهر عليه سلبيات نادرة، أي الذي يتغير أحيانًا في بعض المواقف، ليس من الضروري أن نربط ذلك بالسلبية المطلقة أو أن نحكم عليه بناءً على أخطاء محدودة ارتكبها في لحظة غفلة فقد تكون تلك السلبيات مجرد طاقة مكبوتة، أُغلِقَت داخل كيان إنسان يُتقن فن الكتمان، ولا تعكس جوهره الحقيقي أو سلوكه العام إن الانطباع الذي نكوّنه عنه لا يجب أن يكون مرآة دقيقة لكل تصرفاته العابرة، إذ كثيرًا ما تخفي اللحظات العابرة أعماقًا من النضج والوعي والقدرة على ضبط النفس.
-نَزار الرَّاوِي.
في سوسيولوجيا الجماهير تتحول الفكرة الخاطئة عند إجماع الحشود عليها إلى ما يشبه الدين الأرضي أو الثابت الاجتماعي لكنها تظل خطأ في جوهرها والمشهد المعاصر مليء بالخرافات الطبية والحلول السحرية وحتى النظريات الأدبية الركيكة التي يصفق لها الملايين ويتبناها المجتمع كحقائق مطلقة لمجرد أن الجميع يرددها دون وعي أو تفكير
والانسياق خلف الحشد يمنح الفرد شعوراً زائفاً بالأمان والانتماء لكنه يجرده من عقله وحريته الفردية فالخطأ يظل خطأ حتى لو آمن به الجميع والصواب يظل صواباً حتى لو وقف في وجهه العالم بأسره واحداً واحداً.
أود التنويه بأنني إن شاء الله لن أتحدث بخصوص هذا الموضوع مجدداً لأنني استهلكت الكثير من طاقتي في سبيل الوصول إلى واقع حقيقي ملموس بحيث أخرجت كل ما يجول في صدري عن هذه المسألة ولم يتبق أي شيء أضيفه إلا في حالة واحدة وهي إذا عاد الناس يروجون لهذه الفكرة الخاطئة ويسوقون لها سأعود فوراً لأكشف الزيف وأخبرهم بالحقائق التاريخية والدامغة كما حدث الآن فالحق لا يسقط بالتقادم وإن عدتم عدنا.
حين يقرر الكاتب أن يتبنى الخطاب الثوري الحداثي الذي يرى في الشعر أداة لتدمير الثوابت ومجابهة المؤسسات التقليدية من عائلة وتراث ودين وسياسة بهدف خلق إنسان عربي جديد فإنه يضع نفسه تلقائياً في مقام القوة الفاعلة التي تصنع الواقع ولا تقع ضحية له فالأطروحة الأدونيسية في كتاب زمن الشعر تقوم بالأساس على فكرة الشاعر الصادم والمتمرد الذي يقذف بالجمهور خارج سباته ليخلق فرداً مغايراً من وسط الركام
لكن المفارقة المعرفية التي نشهدها اليوم في المشهد الثقافي تكمن في محاولة البعض المزاوجة بين هذا الفكر التدميري الراديكالي وبين عقلية الضحية المستكينة فتراهم يستشهدون بضرورة حداثة النص وتحطيم الموروث وفي نفس الوقت يبررون ركاكة نصوصهم المعاصرة وغياب ببيانهم الأدبي بضعف المناهج الدراسية ورداءة الأكاديميات وتراجع صدارة التعليم في بلدانهم
وهذا التناقض يسقط الحجة تماماً إذ كيف يستقيم في منطق النقد أن تدعي امتلاك القدرة على تقويض بنية مجتمع كامل وتغيير وعي جمهور حشد بحشد ثم تتباكى لأن المؤسسات التعليمية لم توفر لك حاضنة ناعمة ومثالية لتكتب، الشاعر الذي يفجر طاقة اللغة ويواجه بها العالم لا ينتظر من وزارات التربية أن تصنع له موهبته بل هو من يتجاوز سقف عصره وينحت أدواته من رحم المعاناة والحرية الفردية المطلقة المتاحة له اليوم والتي تحرر بها من أصفاد الوظيفة الإعلامية والقبلية القديمة
إن الهروب إلى التنظير الثوري لتغطية الضعف الإبداعي هو أزمة وعي حقيقية فالقصيدة التي لا تستطيع إثبات شاعريتها في الفضاء الحر المتاح لها لا يمكنها أن تدعي القدرة على هدم الموروث والمسألة في نهاية المطاف هي معركة موهبة وأصالة وليست معركة مناهج وأكاديميات
من يتأمل التاريخ بوعي نقدي وسوسيولوجي يدرك أن الشاعر الجاهلي هو الذي كان محارباً ومقيداً بالكامل وليس شاعر العصر الحديث فالشعر قديماً لم يكن ترفاً أدبياً أو هواية ذاتية بل كان يمثل المؤسسة الإعلامية الوحيدة والناطق الرسمي والسياسي باسم القبيلة بأكملها والتوثيق التاريخي يؤكد أن القصيدة كانت بمثابة بيان عسكري أو حملة بروباغندا إعلامية قادرة على تغيير الخارطة السياسية للجزيرة العربية بكاملها والشاهد التاريخي الأبرز على هذه السلطة الإعلامية المخيفة هو ما أورده ابن عبد ربه في العقد الفريد وابن رشيق في العمدة عن قبيلة بني أنف الناقة الذين كانوا يعيشون في مهانة وخزي اجتماعي ويخفون نسبهم حتى قال فيهم الشاعر الحطيئة بيته الإعلامي الشهير؛
" قَوْمٌ هُمُ الأَنْفُ وَالأَذْنَابُ غَيْرُهُـمْ
وَمَنْ يُسَوِّي بِأَنْفِ النَّاقَةِ الذَّنَبَـا".
فقلب ميزان القوى وتحول الاسم من مسبة إلى مفخرة تتطاول بها القبائل وتتزوج بها النساء بمجرد مفعول قصيدة إعلامية واحدة
هذا الدور الإعلامي الحساس والخطير فرض على الشاعر الجاهلي رقابة مجتمعية صارمة وقيوداً أمنية خانقة من سلطة القبيلة والملوك جعلت الغوص في الشأن العام مغامرة قد تبيد عشيرته أو تنهي حياته بدم بارد والأدلة التاريخية على بطش السلطة بالشاعر الإعلامي لا تقبل الجدل فشاعر المعلقة طرفة بن العبد قُتل في شرخ شبابه بأمر من ملك الحيرة عمرو بن هند بسبب قصيدة هجاء سياسي ولم تشفع له عبقريته والشاعر عدي بن زيد العبادي زُج به في السجن حتى مات مخنوقاً بسبب مؤامرات حيكت حول نصوصه ولقيط بن يعمر الإيادي قتله كسرى فور وقوع قصيدته التحذيرية لقومه في يده ولم تكن الحرية الفردية والانعتاق من مقص الرقيب الإعلامي متاحة للشاعر إلا في مساحات مجردة كمطالع الغزل لأن الكلمة كانت تؤخذ بجدية قاتلة وترتب عليها سيوف ودماء وحروب طاحنة كحرب البسوس التي دامت أربعين عاماً بسب الشحن الإعلامي القبلي
في المقابل نجد أن شاعر العصر الحديث قد تحرر تماماً من وظيفة الإعلام والبروباغندا الجماعية بعد أن حلت الصحافة والتكنولوجيا والمنصات الحديثة مكانه فلم يعد لسان قبيلة ولا الناطق الرسمي باسم دولة بل أصبح صوتاً ذاتياً خالصاً يعبر عن وعيه الفردي وهواجسه الخاصة ويمتلك كامل الحرية في ممارسة التمرد الثقافي واللغوي دون أن يحمل عبء مصير أمة أو جماعة على كتفيه ودون أن يخشى إشعال حرب قبيلته في غنى عنها
لذلك فإن البكاء على ضعف شاعر اليوم بحجة قيود الواقع والمجتمع هو جهل موثق بوظيفة الشعر وسياقه التاريخي فالمساحة المتاحة للشاعر المعاصر للتعبير والابتكار أوسع بكثير من تلك التي خنق فيها أجداده والمسألة اليوم لم تعد مسألة قيود تمنع الإبداع بل مسألة موهبة حقيقية تفتقر للقدرة على التحليق في سماء الحرية المتاحة لها بعيداً عن أعباء الإعلام القبلي القديم
مِن أسهل الحيل الهروبية التي يمارسها البعض لتبرير رداءة المشهد الثقافي اليوم هي عقد مقارنة ظالمة ومغلوطة تاريخياً بين شاعر العصر الحديث وشعراء الجاهلية بحجة أن الأول ضحية منظومة تعليمية ومجتمعية فاشلة بينما الأخير-كامريء القيس مثلاً- كان نتاج بيئة مثالية وحاضنة ناعمة تدعم الكلمة والفصاحة
هذه القراءة السطحية للتاريخ تتناسى الواقع تماماً
فامرؤ القيس لم يصنعه مجتمع مترف يُقدّس الأدب بل طرده أبوه'حجر الكندي' لمنعه من قول الشعر وعاش منبوذاً يتسكع بين القبائل ولُقّب "بالملك الضليل" ومات وحيداً مسموماً ومغترباً في أنقرة
كما أن البيئة الجاهلية التي يظنها البعض "يوتوبيا لغوية" حاربت الشعراء وسجنتهم وقتلتهم فطرفة بن العبد قُتل في شبابه بسبب قصيدة والمثقب العبدي وآخرون عانوا من بطش السلطة القبلية والسياسية آنذاك
أن البكاء مجرد إفراز بيولوجي غبي، محاولة بائسة من الجسد للتخلص من فائض الأملاح، تماماً مثل العرق الذي يفرزه عامل نظافة يكره وظيفته.
"ضاقت بيَ الأرضُ بما رَحُبَتْ وعزَّ المشتكى
والقلبُ من فرطِ الأسى والـفـقْـدِ قد بـكَـى"
-نَزار الرَّاوي.
من يُعسّر حياة الناس يجهل أن سلوكه هذا يطمس إنسانيته ويحرمه من التناغم مع الناموس الطبيعي.
