ar
Feedback

لا تقع ضحية للمخادعين! تيليمتريو يكتشف ويُميّز هذه القنوات 👉 إذا كنت تريد رؤية العلامة، اشترك

فريق صُنَّاع الوعي | الرسمية.

فريق صُنَّاع الوعي | الرسمية.

الذهاب إلى القناة على Telegram

فريق صُنَّاع الوعي.. يهدف إلى بناء الشخصية المُسلمة الواعية، وإعداد كوادر قيادية قادرة على حمل رسالة الدين وتبليغها ببصيرة وحكمة. سوريا | إدلب.

إظهار المزيد
لم يتم تحديد البلدالفئة غير محددة
217
المشتركون
لا توجد بيانات24 ساعات
-17 أيام
-730 أيام
أرشيف المشاركات
ـ مَن يُحكّم شرع الله لا يخاف أبدًا. ـ قد تمرّ بالعبد ظروفٌ خارجةٌ عن إرادته، تفوق طاقته وتُثقل كاهله، فيقع في حيرةٍ عند تضارب أمورٍ حُتّمت عليه، بل قد يجد نفسه أمام مواقف تختبر صبره وتستنزف قوته، فكيف له أن يواجه ما يعكّر صفو حياته ويسلب طمأنينته؟ إن من أجلّ النعم التي أنعم الله بها على عباده في الدنيا نعمة الإسلام؛ هذه البوابة العظيمة التي يدرك العبد من خلالها الخير في كل أموره، ويجد جوابًا لكل سؤال يعتريه، وذلك بقدر تعلّمه وبحثه في القرآن الكريم والسنة النبوية. فقد علّمنا الله في وحيه كل ما نحتاج إليه، وجعل لنا برحمته علماء يبينون للمسلم ما يُشكل عليه؛ فعلى قدر تمسكنا بالشريعة نسعد ونطمئن. ومن جمال الإسلام أن الله مطّلعٌ على سعي عبده، فإذا كان رضا الله نصب عينيه، أعانه وأخذ بقلبه واستجاب دعاءه. لذا، ينبغي للمسلم أن ينظر كيف تعامل الإسلام مع ما يماثل مشكلته، فما الدنيا إلا أيامٌ يداولها الله بين الناس كما قال تعالى: ﴿وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾، وتلك هي القوة الوحيدة القادرة على انتشال العبد من هموم الدنيا وتتابع مشاكلها. لهذا نقولها ونحن مطمئنين: من جعل شرع الله طريقه، لم يضل ولم يخف، يكفي أن الله معه، ومن كان الله معه، فمن عليه؟

ـ صنميَّة الشاشة، وسقوط الوعي شيئًا فشيئًا. ـ إن من أخطر التحولات التي شهدها العصر الحديث، انتقال الإنسان من عبادة الأصنام الظاهرة، إلى عبادة الأصنام الخفية، ومن أظهرها اليوم: الشاشة. هاتفٌ صغير، لا يتجاوز حجم الكف، استطاع أن يفعل ما لم تفعله جيوش الغزو الفكري لعقود، لم يحتل الأرض، بل احتل الوعي. لم يسرق شيئًا سوى الزمن، وهو أثمن ما يملك الإنسان إن العقل لا يُبنى بالمقاطع القصيرة، ولا بالمعلومات السريعة، ولا بالترفيه المستمر، العقل يُبنى بالقراءة المتأنية، والتفكر العميق، والحفظ المتقن. وهذه الشاشات صممت على مبدأ التقطيع تقطع انتباه الإنسان كل ثوانٍ. إشعار، رسالة، مقطع، خبر. والنتيجة عقلٌ مشتت، لا يصبر على كتاب، ولا يثبت على فكرة، ولا يقوى على تحليل قضية من قضايا الأمة. لقد صار الإنسان المعاصر يعرف كل شيء، ولا يفهم أي شيء، يتابع كل الأخبار، ولا يعي حقيقة ما يجري. بل إن هذه الشاشة تؤثر حتى على الدين. الخشوع في الصلاة يحتاج قلبًا فارغًا من الشواغل، فكيف يخشع قلبٌ ممتلئ بصورٍ ومقاطع وجدالات رأها قبل دقائق؟ والقرآن يحتاج قلبًا خفيفًا ليستقر فيه، قال تعالى: ﴿إنا سنلقي عليك قولًا ثقيلًا﴾ [ المزمل: 5]والقلب المثقل بالتفاهة لا يحمل القول الثقيل، لهذا يشكو كثيرون من عدم التأثر بالقرآن، وما علموا أن المشكلة في الوعاء الذي يستقبل القرآن. لقد تحول ورد القرآن إلى وردٍ للشاشة، وصار هجر المصحف أمرًا عاديًا، بينما هجر الهاتف أمرٌ مستحيل. ثُمّ إن أخطر ما تفعله هذه الأجهزة، أنها تصنع حالة من الغفلة المستمرة، غفلةٌ ناعمة، لذيذة، لا يشعر الإنسان فيها أنه غافل. قال تعالى: ﴿اقترب للناس حسابهم وهم في غفلة معرضون﴾ [الانبياء:1]هذه الغفلة تُنسي الإنسان حقيقة وجوده، ولماذا خلق، وإلى أين يسير. إن المعركة اليوم لم تعد معركة شبهاتٍ وشهواتٍ واضحة، بل معركة انتباه، من يملك انتباهك، يملك وعيك، ومن يملك وعيك، يملك توجيهك. والحل ليس في ترك الهاتف بالكلية، فهذا من التكلف المذموم، وإنما الحل في كسر صنميته. أن يكون في اليد لا في القلب. أداةً لا سيدًا. خادمًا لا إلـٰهًا. وأخيرًا: إن لم تضع حدًّة لهذه الشاشة، وضعته هي لك حدًّا عن الجنة.

• أسرار التوفيق.. من عدل الله وكمال فضله على خلقه أنه سبحانه شكورٌ؛ يعطي عباده وإن أتوه حبواً.. وفي الحقيقة فإن كل من يعيش نعمةً فليعلم أنها محض فضل من الله عز وجل وتوفيق من لدنه؛ وإن هذا المعنى واضح عند أغلب الناس إلا أن الخطأ يكمن في الوصول إليه. فبعض الناس يظن أن توفيق الله تعالى يُنال بالمنى والأحلام والمهام التي تبقى قيد الورق، وينسى أن شرط توفيق الله لعبده أن يكون قد سعى وجاهد وحاول؛ فلا يُنال غالٍ دون محاولات. وإن التوفيق وإن كان من عند الله تعالى إلا أنه لا يتحقق للعبد إلا بصدق نية وقوة في العمل، وهذا المعنى نلحظه في قول النبي صلى الله عليه وسلم: « المؤمن القوي خير وأحبُّ إلى الله تعالى من المؤمن الضعيف وفي كلٍّ خير ». كما أن الله سبحانه يقول في كتابه العزيز: ﴿ إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ ﴾ إذن، لا ينبغي للواحد منا أن ينتظر هِبة الله تتنزل عليه وهو نائم، ولا يظنّ أنّ ما عند الله يُنال بالرخاء والتقاعس. بل يجب على المؤمن أن يكون قوياً مقداماً مثابراً في عمله، يضع رضى الله نصب عينيه، يبذل نفسه في سبيل الله ونصرة دينه؛ حينها فإن الله تعالى يهبه نوره ويتم له أمره بما يقدره الله عليه.

ـ خَبيئة.. ـ في زمنٍ صار فيه كل شيء يُنشر، صار الإخلاص هو العبادة الأصعب. نُصلّي، فنُخبر. نتصدق، فنصوّر. نبكي في الدعاء، فنكتب للناس عن خشوعنا. ثم نتساءل: لماذا لا نشعر بلذة القرب التي كان يشعر بها السلف؟ أتدري ما هي الخبيئة؟ الخبيئة هي عملٌ صالحٌ لا يعرفه إلا الله، عملٌ تفعله في الخفاء، لا تُحدّث به زوجتك، ولا صديقك، ولا حتى نفسك كثيرًا. عملٌ تخبئه كما تُخبئ أثمن ما تملك؛ لأنك تعلم أن ما يراه الناس قد يدخله الرياء، وما يراه الله وحده يبقى نقيًّا. كان عليّ بن الحسين، زين العابدين، يحملُ الطَّعام على ظهره في الليل، ويطوفُ به على بيوتِ الفُقراء في المدينة، لا يعرفونه، ولا يعرفهم. يضع الطعام عند الباب، ويطرق، ويمضي. ومات؛ فانقطع الطعام عن مئة بيت، فعرف الناس أنه كان هو. ولما غسّلوه، وجدوا آثار الحبال على ظهره من حمل الأكياس.. مات ولم يعرف أحدٌ خبيئته إلا بعد موته. هكذا كانوا يحرصون على إخفاء حسناتهم كما نحرص نحن اليوم على إخفاء سيئاتنا. نحن اليوم نقلنا المعادلة تمامًا، صارت سيئاتنا في الخفاء، وحسناتنا في العلن. نخاف أن يعرف الناس ذنوبنا، ولا نخاف أن يعرفوا طاعاتنا، بينما كان السلف يخافون على طاعاتهم من الناس أكثر مما يخافون على ذنوبهم؛ لأنهم كانوا يعلمون أن الذنب إذا عرفه الناس انكسرت نفسك، والطاعة إذا عرفها الناس دخلها العُجب. الخبيئة ليست أن تكون صالحًا فقط، بل أن تكون صالحًا في الخفاء. أن تقوم من الليل والناس نيام، فتصلي ركعتين لا يدري بهما أحد. أن تتصدق بصدقة لا تعلم شمالك ما أنفقت يمينك. أن تستغفر لشخصٍ ظلمك، وأنت وحدك في غرفتك، لا تريد منه جزاءً ولا شكورًا. أن تدعو لأخيك بظهر الغيب، وهو لا يعلم أنك تذكره عند الله. إن الله لا يبحث عن أعمالك الكبيرة التي يراها الناس، بل يبحث عن عملك الصغير الذي لا يراه إلا هو؛ لأن الكبير الذي يراه الناس قد يدخله الرياء، أما الصغير الذي لا يراه إلا الله، فهو دليل أنك تحبه لذاته، لا لمدح الناس. فانظر إلى خبيئتك، ما الذي تفعله حين لا يراك أحد؟ هذا أنت الحقيقي.

من الملاحظات التي تستوقف المتأمّل في سلوك الإنسان، أنه لا يعصي وهو يجهل عاقبة ما يفعل، بل يعصي وهو يؤجّل، فالمشكلة ليست في غياب المعرفة، بل في حضور التأجيل. إن الإنسان يعرف أنه سيتوب، ويعرف أنه سيُصلح حاله، ويعرف أنه سيعود، لكنه يضع كل ذلك في خانة "غدًا" وغدًا هذه ليست زمنًا حقيقيًّا بقدر ما هي حالةٌ نفسيةٌ يعيش فيها الإنسان، حالةٌ يُريح بها ضميره دون أن يغيّر واقعه. وهنا تكمن المفارقة.. فطول الأمل لا يمنح الإنسان راحةً حقيقيةً، بل يمنحه تخديرًا مؤقتًا، يُوهِم أن الوقت متّسعٌ، وأن العمر ممتدٌّ، وأن الفرصة ستظل متاحةً متى أردنا وبينما الانسان مطمئنٌّ إلى هذا الوهم، تتسرّب منه لحظاته الحاضرة التي كان يظنّها هيّنةً لا قيمة لها، فإذا بها هي رأس ماله كلّه. إن اللحظة التي يُعرض عنها اليوم، هي ذاتها اللحظة التي سيتمناها غدًا ولا يملك إليها سبيلًا. إن التسويف في حقيقته داءٌ خفيٌّ يتسلّل إلى القلب، فيُثقله بالغفلة، ويُجرّئه على المعصية، ويُوهِمه أن باب التوبة سيظل مفتوحًا له متى شاء، وأن العمر سيُمهله حتى يُرضي ما يريد، وما عَلِم أن الآجال مستورةٌ، وأن الموت لا ينتظر اكتمال الخطط، ولا يستأذن أصحاب الأماني، وأن لكل نفسٍ أجلًا إذا جاء لا يُستأخر ولا يُستقدم. تأمّل في عبارة "سأتوب غدًا" من الذي ضمن لهذا الإنسان أن غدًا سيأتي؟ ومن الذي أخبره أنه سيملك من عمره لحظةً واحدةً أخرى؟ ولهذا فإن العاقل ليس من بنى أمانيه على طول العمر، بل من استعدّ للقاء الحقيقة، وأحسن فيما بقي، واستدرك ما استطاع قبل أن يُغلق باب العمل. و العلاج في المبادرة، أن تُصلح سريرتك الآن، وأن تُجدّد توبتك الآن، وأن تُقبل بقلبٍ منيبٍ، ولا تدع للغفلة سلطانًا على روحك. فالدنيا مهما امتدّت قصيرةٌ، والرحيل مهما بَعُد قريبٌ، والموعد آتٍ لا محالة.

ـ الوقت يمضي.. ـ من جمال الإسلام وعذوبته أنك تستطيع في كل لحظة أن تصنع مجدًا. إن الله سبحانه قدَّر لعبده أن يعيش في ظروف معينة، قد توافق ما رسمه في مخيلته، وقد تخالف أحلامه؛ لكنه حينها مكلَّف أن يدير تلك الظروف بما يحبه الله ويرضاه، فلا يقعد يندب حظه، بل يغتنم ظرفه ويعيش فرصته، ليعمل عملًا يرفعه عند الله. وبكل سهولة، تستطيع أن تحوّل مجريات يومك إلى عبادات، وأن توجّه قلبك إلى الله في كل خطوة تخطوها، سواء خططتَ لها أم وقعت صدفة. يا صاحبي، إنك حين تلقي التحية على إنسان مررتَ به، فإنك تحيي مفهوم الإخاء، وتكتب لنفسك فرصة رائعة في زمن العمل، وحين تُبعد العثرة عن طريق المارّة، فإنك تنتصر على ذاتك وترفع نفسك عند الله، وحين تعين محتاجًا وتمشي في خدمته، فإنك تقترب من أن تكون أحبَّ الناس إلى الله. يا صاحبي، إنما أنت أيام، كلما انقضى يوم انقضى بضعٌ منك، فلتكن أعيننا مفتوحة، ولننوِ بكل حركة أن نكون خالصين لله، ولنصنع تاريخًا يليق بالمسلمين، ولنكن شامةً كما وصفنا النبي صلى الله عليه وسلم.

ـ إلف المعصية.. ليس الخطر أن تزلَّ قدمك في الذنب، إنما الخطر أن تألف موطئه، فالشيطان لا يلقي بك في الهاوية دفعة واحدة، بل يمهّد لك طريقها خطوة خطوة، حتى تمشي إليها مطمئنًا. أول مرة ترتجف، كأن قلبك يستنكر ما اقترفته يداك، والثانية يخفّ الارتجاف، كأن شيئًا من النور قد انطفأ، والثالثة يسقط الحياء، فلا يبقى بينك وبين المعصية حجاب، ثم تصير عادة، والعادة إذا تمكّنت صارت طبعًا، والطبع إذا استحكم أنساك أنك كنت يومًا تستعظم هذا الذي تستصغره الآن. وهنا العقوبة التي لا تُحسّ: أن تقيم على الذنب وتحسب أنك سليم، قال بعض السلف: «المعصية بعد المعصية عقاب»، وما أصدقها من كلمة! فليست العقوبة أن تُعذَّب بالذنب، بل أن تُعذَّب به وأنت لا تشعر، تظن أنك تركته وراءك، وهو قد سكن فيك، صار منك كالدم في العروق، يجري ولا تراه، ولا تحاسبه، ولا يهزّك وخزُه. ثم تنفتح أبواب التبرير، وهي أوسع أبواب الهلاك. تُرجع الذنب إلى الظروف، وتُعلّقه على الناس، وتستتر خلف التعب، وتعيد ذلك حتى يصير العذر عقيدة، والوهم حجة، عندها لا ترى الخطأ خطأً، ولا التقصير تقصيرًا، بل ترى نفسك مظلومًا إن نصحك ناصح، ومعتدًى عليك إن ذكّرك مذكّر، وتلك هي الغفلة الكبرى: أن تكون غارقًا ولا تدري أنك غارق. فلا تنتظر أن يقرع قلبك جرس الندم، فقد يصدأ الجرس بطول الإلف. بل قف مع نفسك وقفة صدق، وسلها: أيّ ذنب صار عندي عاديًا؟ وأيّ خطيئة لم تعد تقلقني؟ فإنك متى تركت محاسبة نفسك، فقد أطلقت لذنبك العنان ليكبر، وأنت تحسبه صغيرًا.

ـ بين لذة المعصية والنّدم على فعلها. ـ إن المشكلة الأساسية هي أن الإنسان يستبدل رضا الله بلذة مؤقتة هو يعرف أن المعصية ستنتهي، ويعرف أن الحساب قادم، ومع ذلك يُقدِم عليها. وهذا يحدث لأن الإنسان يركز على اللذة الحاضرة، ولا يفكر في نتيجتها، لذة المعصية تنتهي بعد دقائق أو ساعات، لكن تبعاتها تبقى: الشعور بالذنب، وضعف علاقته بالله، واعتياد الذنب مع الوقت. والسؤال هنا: هل من العقل أن يبيع الإنسان سكينة قلبه ورضا ربه مقابل متعة قصيرة ستنتهي حتمًا؟ وهل من العقل أن يتعامل مع ستر الله عليه على أنه دليل على رضا الله، بينما هو في الحقيقة إمهال منه؟ الخطورة الحقيقية للمعصية ليست فقط في الوقوع فيها مرة واحدة، الخطورة هي في تكرارها حتى تصبح أمرًا عاديًّا.. في البداية كان الإنسان يستحي منها ويخاف منها، ثم مع التكرار يبدأ بتبريرها لنفسه، ويضعف في قلبه تعظيم الله. هذا هو التحول الأخطر. لكن هذا لا يعني اليأس، الله أخبرنا أنه يقبل التوبة مهما عظُمَ الذنب، قال تعالى: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَىٰ أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [الزمر: 53] المطلوب الآن ليس مجرد الشعور بالندم، المطلوب هو قرار عملي: ترك الذنب، والرجوع إلى الله بصدق، وعدم الرجوع إليه مرة أخرى،و الندم الصحيح هو الذي يغير السلوك، لا الندم الذي يبقى شعورًا مؤقتًا ثم يعود الإنسان إلى نفس الذنب. إن لذة المعصية تنتهي، وأنت ستحاسب على اختيارك، والانتصار الحقيقي هو أن تختار طاعة الله عندما تعرض عليك المعصية، حتى لو كانت نفسك ترغب فيها.

• حقيقة صفاءُ الدّنيا.. يقول اللّه تعالى في كتابه العزيز: {لقد خلقنا الإنسان في كبد} الدّنيا هي هي؛ يوم لك وعشرة عليك، لا يغرنّك سعادة فلان ونجاحات الآخر، كلّنا وُجدنا في الدّنيا لنُمتحن وليبلونا اللّه أيّنا أحسن عملاً.. وإنّ الإنسان فيها متنقّل من مرحلة لأخرى؛ فإذا ما اجتهد وأتمّ ما بين يديه التفت لمهمة أخرى ومشكلة أعقد، وبما أنّ المصائب والمشاقّ في الدّنيا أمور لا بدّ من عيشها فإنّه ينبغي على المسلم أن يغتنمها وأن يرى الفرصة فيها، فها هو ذا النبي صلى الله عليه وسلم يصف لنا حال المؤمن أنّ أمره كله خير إن أصابته سراء شكر فكان خيراً له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيراً له.. فهو لا ينفك عن حالين؛ شكر وصبر. ختاماً؛ طبيعة الأيّام ذاتها لن تتغير، فيها ملذّات وفيها منغّصات؛ والأمر يكمن في طريقة تعاملنا معها، فلا ينسى المُثاب شكر ربه ولا يسخط المُصاب على أقداره، بل يرضى ويصبر ويشكر حتى آخر محطات حياته.

ـ خطر المُوسيقىٰ ـ إن خطر الموسيقى على حياة الإنسان لا يقتصر على الحكم الشرعي الذي نعرفه جميعًا ـ حرام ـ بل يمتد إلى ما هو أخطر، وهو ما تصنعه بالإنسان من الداخل، فهي تعمل على استنزاف مشاعره، وتفريغ قلبه من طاقته الحقيقية، حتى يصبح غير قادر على التفاعل مع ما يستحق التفاعل، تجلس تسمعها لتستريح، فتقوم وقد زاد تعبك، وتظن أنها تخرج ما في صدرك، فإذا بها قد أفرغتك من قدرتك على أن تحزن لما يستحق الحزن، وأن تفرح لما يستحق الفرح. وهذا الاستنزاف يوقع صاحبه في حالة تشبه الإدمان، يحتاج إلى جرعة أعلى في كل مرة، حتى لا يجد في العادي ما يكفيه، ثم يصير مشدودًا إلى النغم والكلمات، باحثًا عن أي مادة تسقي هذا العطش، أو تغذي هذا الإدمان، ليعود إلى الشعور الذي ألفه، ويطول عليه الطريق، فينقطع عن الحياة الحقيقية، ويعيش في عوالم لا وجود لها إلا في ذهنه. يصرف فيها ساعاته، ويستنفد فيها طاقته، ويعود بعدها إلى واقعه فارغًا، لا يجد في نفسه دافعًا لإنجاز، ولا قدرة على الريادة، ولا شهية للقيادة. والمشكلة أن هذا الاستنزاف لا يظهر أثره فجأة، بل يتسلل ببطء، يبدأ الإنسان يلاحظ أن قلبه لم يعد يتفاعل مع ما كان يتفاعل معه، يقرأ الآية فلا يهتز لها وجدانه، ويسمع الموعظة فلا تتغير طريقة التفكير التي بات يدور عقله حولها ـ المُوسيقى ـ ويقف بين يدي الله فلا يجد في نفسه ما كان يجده، وليس السبب في القرآن ولا في الموعظة، بل في القلب الذي أُفرغ من قبل، فالمشاعر التي كانت تتفاعل مع الآيات، قد استُهلكت في غير موضعها، فلم يبقَ منها ما يتحرك. فإن أردت أن تعرف ما تفعله بك، فانظر إلى قلبك في صلاتك، وإلى دمعتك عند تلاوة القرآن، إن كنت لا تجد ما كنت تجده من قبل، فاعلم أن شيئًا ما قد سُحب منك، وأن الطريق إلى استعادة قلبك يبدأ بأن تتوقف عما استنزفك، لتعود إلى نفسك، ثم إلى ربك.

أنتَ عبدٌ لله في كل الظروف وفي شتّى منعطفات يومك! أحيانًا تشغلنا الدنيا وننغمس فيها، فننسى غاية وجودنا وهويتنا الرئيسة التي تميّزنا، فيغيب عن أذهاننا معنى العبودية، ونقصّر في كوننا عبادًا لله. لكن الموفّق في هذه الدنيا هو من عاد إليه وعيه وتذكّر أن الدنيا مرحلة قصيرة ضئيلة وعابرة أمام ما سنمرّ به من قبر وبعث وحساب، ثم تأتي المرحلة الدائمة الأبدية الخالدة. فهل يعني ذلك أن نعتكف في مصلّانا ولا نظلّ إلا صائمين قائمين راكعين ساجدين؟ وهل هذا هو مفهوم العبودية بأكمله؟ وهل يُفلح العبد إن اعتكف طيلة حياته مُفرّطًا في واجباته تجاه أهله وأقرانه وأمّته؟ إن الإسلام يدعونا إلى التوازن في حقوق أنفسنا وحقوق الآخرين. فعندما يؤدي العبد صلاته، يُفترض أن يحيا بقوله تعالى: ﴿إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر﴾فيكون حسنَ الخُلُق، طيّبَ المعاشرة، صدوق اللسان، ساعيًا في عون أخيه، ظاهرًا عليه أثر الصلاة، فلا يغضب إلا لله، ولا يشكو همّه إلا إليه، ولا يظلم ولا يجور. والدين أساسًا يدعونا إلى التوازن بين العبادات؛ فكما أن الصلاة عبادة، فرعاية الأسرة عبادة، وتحضير الأم وجبة الطعام عبادة، وطلب العلم عبادة، والكلمة الطيبة والنصح وكفّ الأذى عن الطريق عبادة. كل ذلك يغدو عبادةً عندما تصحّ النية وتخلص الوُجهة لله. لذا، فلنُعد ضبط بوصلتنا، ولنكن عبادًا لله في كل عمل نقوم به، فالمسلم كالغيث، أينما حلّ نفع. والسلام 🤍.

ـ لماذا يشعر البعض بالفراغ الرُّوحي؟ ـ ثمة فراغ يسكن الإنسان، لا يعرف له اسمًا، ولا يجد له تفسيرًا، يشعر به وهو بين الناس، ويشعر به وهو وحده، يملأ يومه بالمهام، ويحيط نفسه بالصحبة، ويغرق في الترفيه، لكنه حين يجلس مع نفسهِ يجد ذلك الفراغ حاضرًا. فما السبب؟ إنَّ هذا الفراغ نداء الفطرة التي جَبَل الله البشر عليها، صوت يخرج من أعماقك، ليخبرك أنك خُلِقتَ لشيء أكبر من هذا كله، خُلِقتَ لتعرف الله، وتحبه، وتأنس به، وتطمئن بذكره، فإذا غفلت عن ذلك، ظللت تبحث عن الأنس في كل مكان، فلا تجده.. لماذا؟ لأنك تبحث عن الماء في غير النبع. وكل ما يجلب لك سعادة مؤقتة، سرعان ما يزول، ويعود الفراغ أكبر مما كان. وقد أشار الله إلى هذا المعنى حين قال: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ [الرعد: 28] فجعل الطمأنينة في ذكره، لا في شيء غيره، ومن بحث عنها في غير موضعها؛ فسيظل يتنقل من شاطئ إلى شاطئ، وقلبه متعب، وروحه عطشى، لكن إذا عاد إلى الله، انفتح في قلبه باب لا يوصد، وذاق من الأنس ما لم يذقه في متاع الدُّنيا، حينها، يتحول الفراغ من ثقب يبتلعك، إلى فسحة يتنفس فيها قلبك. أن تعي فراغك الروحي ليس في أن تتجاهله، بل تفهمه. كل ما يشعرك بالضيق والنقص، إنما هو دعوة لكي تعود، عُد إلى القرآن، ولو بصفحة. إلى السجود، ولو بسجدة. إلى الدعاء، ولو بكلمة. وستجد أن هذا الفراغ تضائل، وبات خيطًا يقودك إلى الله.

ـ الوعي بالقُدُوات. ـ من أعظم ما يجب أن يتنبه له المسلم في هذا الزمان، أن قدواته ليست تفصيلًا هامشيًا في حياته، بل هي التي تصوغ عقله، وتشكل وجدانه، وترسم بوصلة سلوكه، أنت لا تعيش في فراغ، بل في بحر من الأصوات، وكل صوت يشدك إليه، ومن وعى هذه الحقيقة، أدرك أن السؤال عن القدوة ليس سؤالًا ثانويًا، بل هو من صلب السؤال عن هويته: من أنا؟ ولمن أنتمي؟ وإلى أين أسير؟ غير أن الوعي بالقدوات ليس مسألة سهلة؛ لأن القدوات لا تأتيك دائمًا باسمها الصريح، ولا تعلن عن نفسها، بل قد تأتيك في صورة مؤثر على شاشة، أو كاتب يُعجبك أسلوبه، أو صديق يقاسمك يومك، أو شخصية مشهورة يتابعها الناس فتتابعها معهم، وقد تأتيك في صورة فكرة تُغلف بالقبول، أو سلوك يُفرض بالعادة، أو قيمة تُلبس ثوب التقدم فتنساق إليها. وهنا يكون الاختبار الحقيقي: هل أنت واعٍ بمن يأخذ منك عقلك؟ أم أنك تسير خلف كل من رفعه الإعلام، أو أحبه الناس؟ ولنا في القرآن عبرة بالغة حين حكى عن حال من ساروا خلف غير أهل الحق، فقالوا يوم القيامة: ﴿يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا، يَا وَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا، لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي﴾ [الفرقان: 27 ـ29] ولمّا قال الله تعالى: (فلانًا) فقد نُزّه القرآن عن تسميته، ليكون ذلك درسًا لكل من يتخذ خليلًا أو قدوة، دون أن يزنها بميزان الشرع، هذا الرجل لم يقصد أن يضل، بل سار خلف صديقه لأنه أحبه، وأحبه لأنه يعرفه، ووثق به لأنه يألفه، لكن هذا الحب لم يكن مبنيًا على الحق، فكان عاقبته ندمًا. والوعي بالقُدوات يقتضي منك أن تسأل عن كل من تأثرت به: ما الذي يمثله؟ ما الذي يدعوك إليه؟ هل يزيدك قربًا من الله، أم يبعدك عنه؟ هل تجد في كلامه ما يصلح قلبك، أم ما يلهيك عن واجبك؟ هل تقتدي به في سرّه قبل علانيته، أم أنك مأخوذ بظاهره فقط؟ وهذه الأسئلة لا يعني أنها تجعل منك شخصًا متشككًا في كل من حولك، ولا تعني أن تنقطع عن الناس، بل تعني أن تكون واعيًا، وأن تختار قدواتك ببصيرة. وقد وضّح النبي ﷺ هذا الأمر حين قال: «الْمَرْءُ عَلَى دِينِ خَلِيلِهِ ، فَلْيَنْظُرْ أَحَدُكُمْ مَنْ يُخَالِلْ»، لم يقل: المرء على دين من يحب فقط، بل جعل الخُلة نفسها سببًا للتأثر بالدين، والخليل ليس فقط الصديق القريب، بل كل من تخالط روحك روحه، وتراه كثيرًا، وتسمع منه كثيرًا، وتألف فكره، فإن كان خليلك على غير دينك، ستسير معه ولو كنت تعتقد أنك واقف في مكانك. ولذلك كان السلف يختارون جلاسهم بعناية فائقة، لا تكبرًا ولا عزلًا، بل حفظًا لقلوبهم من التأثر بما يضرها. والأمر لا يتوقف عند الناس، بل يمتد إلى ما تقرؤه، وما تسمعه، وما تشاهده، فكل كتاب تقرؤه، هو خليل يعيش معك أيامًا، وكل برنامج تستمع إليه، هو رفيق يغرس في عقلك أفكاره، وكل متابع تتابعه على شاشة، هو قدوة تصوغ تصوراتك، فإذا كانت هذه المصادر لا ترضي الله، فأنت تسمح لمن لا يستحق أن يسكن عقلك، وأن يعدل بوصلة قلبك، والعاقل من يحاسب نفسه: ما الذي يغذّي فكري كل يوم؟ ومن يعلمني كيف أفكر؟ ومن يوجهي إلى ما أحب وما أكره؟ لِذا كُن واعيًا وانتقي جيِّدًا من تقتدي بهِ، والسّلام. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـ مسند أحمد بن حنبل، باقي مسند المكثرين من الصحابة، مسند أبي هريرة رضي الله عنه، ٤/١٧٦٩، ح: ٨٥٣٣

ـ لا تجعل عُمرك يضيع سُدًى.. ـ قال الحسن البصري رحمه الله: "أدركت أقوامًا كان أحدهم أشح على عمره منه على درهمه وديناره" يا صاحبي، هؤلاء القوم لم يكونوا أغنياء ولا أقوياء، لكنهم أدركوا حقيقة غفلنا عنها: أن العمر هو رأس المال الحقيقي، وأن كل ساعة تمر، هي قطعة منك تذهب ولا تعود. كان أحدهم يحاسب نفسه على اليوم الذي تنقص فيه ساعاته ولا يزيد فيه عمله، ويقول: "إنما أنا أيام، فإذا ذهب يومي ذهب بعضي" والكثير منّا اليوم يُضيّع الساعات في تفاهات، ويحرق عمره في لا شيء، ثم يقول: الوقت يمر سريعًا. والوقت لا يمر سريعًا، بل نحن الذين نمر به غافلين، تفتح هاتفك لدقيقة، فتجد نفسك بعد ساعة لم تتحرك، تجلس أمام شاشة لتستريح قليلًا، فيذهب نصف يومك وتظن أنك لم تفعل شيئًا، والحقيقة أنك فعلت كل شيء إلا ما ينفعك. يا صاحبي، كل يوم يمضي، هو قطعة منك تنفصل، ونَفَس من أنفاسك يُحصى، وفرصة تُطوى ولا تعود، فإما أن تودعه بعمل يُذكر، وإما أن تتركه يمضي دون أن تحصد منه شيئًا. ستأتي يومًا فتفتح سجل أيامك، فلا تجد في يومك ذلك ما يسرك، فيكون فقده أشد عليك من فقده؛ لأن الفرصة ذهبت، ولم يبق إلا الحسرة، قال ابن مسعود: "ما ندمت على شيء ندمي على يوم غربت شمسه، نقص فيه أجلي، ولم يزد فيه عملي" فضع في يومك شيئًا تنفع به نفسك، وشيئًا تنفع به غيرك.. آية تتدبرها، ولو قصيرة. صدقة تخفيها، ولو يسيرة. كلمة طيبة، ولو عابرة. ثم حاسب نفسك قبل أن تنام، فإن وجدت خيرًا فاحمد الله، وإن وجدت تقصيرًا فاستغفر وابدأ من جديد. ووصيّة أخيرة: لا تنتظر أن تقف على أطلال عمرك، فتجد أن السنين التي ظننتها طويلة، ما كانت إلا رمقًا، وأن الأعوام التي حسبتها ممتدة، ما كانت إلا وميضًا، وأن الشباب الذي ظننت أنه لن يزول، ما كان إلا غيمة عبرت، وأن كل ما ضيعته من أنفاسك، لن يعود منه نَفَس واحد.

الغنيمة الحقيقية في الدنيا ومفتاح الجنة من عظيم رحمة الله بعباده أن أكرمنا بالقرآن.. هناك من يمر على آيات الله مروراً سريعاً دونما تفكر وتدبر فلا يشعر بتقدم قلبه، ومع ذلك فهو خير أن تبقى متصلاً بكتاب الله.. لكنّ الله سبحانه أكرمنا بالقرآن الكريم وجعله صلة بيننا وبينه؛ حبلاً متيناً نتشبّث به، ننظر في آيه ونتدارس صفحاته ونقف عند وقفاته متأمّلين متّعظين متعلّمين منهج الحياة، فنقتبس منه ما تحتاجه قلوبنا ونرى فيه سلوة لحالتنا النفسية آنذاك.. وإنّ من إعجاز القرآن الكريم أنك في كل مرة تقرأ فيها الآية ذاتها فإنك تفهم فيها شيئاً جديداً إذا ما كنت متدبراً فاتحاً قلبك، فخزائن العِبَر في القرآن ملأى لا تنفد لمن عرف مفاتيح التدبر.. ولو تأملنا ما يدعونا لتدبر القرآن في الوحي لوجدنا أدلة عديدة تدعونا أن نأخذ كتاب الله بقوة وبعقل وقلب متّعظ، من ذلك قوله تعالى: ﴿ كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [ ص: 29] ثم إن التدبر مفتاح العمل فلمّا يخشع القلب لكلام خالقه يعيش حالاً من الشوق والرجاء والخوف والحب لله تعالى فيصبح أقرب للعمل، وإن هذا من بركة القرآن على العبد.. نسأل الله تعالى أن يرزقنا حسن التدبر وحسن العمل، أن نموت على القرآن ونحيا عليه. والسلام.. 💜

ـ جِهاد النَّفس.. ثمة حقيقة ينبغي أن تستقر في قلبك، هي أنك في هذه الدنيا لم تُخلق لتتبع هواك، بل لتجاهده، لم تُخلق لتستجيب لكل ما يشدك إليه، بل لتُروّض نفسك على ما يرضي ربك، والفتن اليوم كثيرة، ما ظهر منها وما بطن. فتنة في الشاشة التي بين يديك، وفتنة في المال الذي تكسبه، وفتنة في الشهوة التي تُحيط بك، وفتنة في الشبهات التي تُطرح عليك، وفتنة في الناس الذين يحيطون بك، في صحبتهم وأخلاقهم وتأثيرهم عليك. غير أن أعظم فتنة تواجهها ليست التي في الخارج، بل التي في داخلك، نفسك التي بين جنبيك، تلك التي تأمرك بالسوء، وتُزين لك القبيح، وتُثبطك عن الطاعة، وتُثقلك عن الخير. وهي لا تأمرك بالسوء دفعة واحدة، بل تتسلل إليك خطوة خطوة، تُحببك في الترفيه أولًا، ثم تُزيدك منه، ثم تُبعده عن واجباتك، ثم تُنسيك ربك، وتظن في كل مرحلة أنك بخير، حتى تنتبه بعد حين وقد قطعت شوطًا بعيدًا عن الله. ولهذا كان جهاد النفس هو الجهاد الأكبر؛ لأن عدو الخارج تعرفه وتستعد له، أما عدو الداخل فتظن أنك أنت، فلا تحاربه. وهنا يأتي السؤال: كيف تجاهد نفسك في هذا الزمن الذي كثرت فيه الفتن؟ الجواب يبدأ من اليقظة، أن تستيقظ على حقيقة أنك في معركة، وأنك في امتحان، وأن كل ما يحيط بك ليس بريئًا، بل قد يكون سببًا في سقوطك. ثم بعد اليقظة، يأتي العلم، أن تعرف حدود الله، وتفقه ما يحب وما يكره، فمن لا يعرف حدود الله لا يستطيع أن يحافظ عليها. ثم بعد العلم، يأتي العمل، ومجاهدة النفس على الطاعة، فالنفس لا تنقاد بسهولة، وإنما تحتاج إلى صبر ومصابرة، وإلى معاهدة ومراقبة، وإلى محاسبة يومية. ولنا في سير السلف عبرة، كان أحدهم يقول: "ما زلت أجاهد نفسي أربعين سنة حتى استقامت" فما ظنك بمن يظن أن نفسه ستستقيم في يوم وليلة؟ جهاد النفس هو مشروع عمر، تبدأ فيه من لحظة وعيك، وتستمر حتى تلقى الله، وتأمل حال النبي ﷺ حين كان يقوم الليل حتى تتفطر قدماه، فيقال له: قد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر، فيقول: "أفلا أكون عبدًا شكورًا؟" فابتعد عن مواطن الفتن قدر استطاعتك، واسأل الله بصدق أن يعينك على نفسك، فإن النفس لا يعينك عليها إلا الله.. والسّلام لقلبك.

﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ [الإسراء: 9] ـ إن القُرآن لا يكتفي بأن يهديك إلى ما هو حسن، بل يهديك إلى ما هو الأصلح، والأعدل، والأقوم في كل أمر من أمورك. في أخلاقك، في نفسك، في علاقاتك، في قراراتك، في وقتك، في بيتك، في عملك، في كل شيء. فالقُرآن منهج حياة كامل، يهديك إلى الطريق المستقيم في كل تفصيل. لكن السؤال: هل نحن نستفتي القرآن في أخلاقنا؟ هل نرجع إليه حين نغضب، وحين نجرح، وحين نخاصم، وحين نخطئ؟ إن القُرآن لو أعطيناه حقّه، لكان يهدي أخلاقنا قبل أن يهدي عبادتنا، لكان يهدي ألسنتنا قبل أن ننطق، وقلوبنا قبل أن تحقد، وأعيننا قبل أن تنظر، وأيدينا قبل أن تمتد. وما أكثر آياته التي تهدي إلى القول الأحسن، والفعل الأعدل، والموقف الأصوب. حتى في أدق التفاصيل، يهديك القُرآن إلى ما هو أقوم. في معاملتك مع زوجك، في تربيتك لأبنائك، في اختيارك لأصدقائك، في طريقة إنفاقك، في وقت نومك، في كل تفاصيل يومك. وما أجمل أن يقف المرء مع نفسه وقفة صدق ويسأل: هل أخلاقي أقوم؟ هل بيتي أقوم؟ هل قراراتي أقوم؟ هل لساني أقوم؟ وتأمل: "أقوم" ليست كلمة فضفاضة، بل هي كلمة موجهة. أقوم في الغضب: أن تكظم. أقوم في الخصومة: أن تعفو. أقوم في الغنى: أن تشكر. أقوم في الفقر: أن تصبر. أقوم في القوة: أن تعدل. أقوم في الضعف: أن ترضى. هذا هو القرآن. يهدي للتي هي أقوم في كل حال، وليس في حال دون حال.

إن هذهِ الدُّنيا مليئة بالابتلاءات والمِحن، والمرءُ فيها مُعرّضٌ لما يكدر صفوه، ويُؤلم قلبه، ويُشتت فكره، وسيُبتلى حتمًا بمالهِ أو ولدهِ أو صحتهِ أو ما يُحبّ، هذه سنة الله في خلقه. لكنّني كمُسلمٍ ينبغي أن أنظر للابتلاء من زاويةٍ مختلفة، فأنا لم أُخلق لهذه الدنيا، ولم أُخلق ليكون همي وظيفةً أو تخصصًا أو إنسانًا، بل خُلقت لغايةٍ واحدةٍ عظيمة، غايتنا هي الجنة، وما دام الطريق إلى الجنة واضحًا، وقلبي معلق بالله، فكل نائبةٍ دون ديني هيّنة، وكل مصيبةٍ لا تُبعدني عن الجنة فهي دون، مهما كبُرت ومهما صعبت ومهما كانت ثقيلة وشاقّة ومُوجعة. أحيانًا قد نفقد شيئًا أحببناه جدًّا، سواء إنسان، أو وظيفةٌ حلمنا بها طويلًا، أو تخصصٌ بذلنا فيه أعمارنا، أو أيّ شيءٍ آخر كان له حيّزٌ في قلوبنا. لكن الحقيقة أن هذا الفقد بحد ذاته تربيةٌ من الله، وتهذيبٌ للنفس، وتذكيرٌ بأن هذه الدنيا ليست بدارِ قرار، ولا دار بقاء، وأن كل ما فيها إلى زوال، مهما أحببناه، ومهما تعلقنا به، ومهما ظننا أننا لا نستطيع العيش بدونه. فالله حين يأخذ منك شيئًا، إنما يأخذه ليُفرغ قلبك لما هو خيرٌ منه، وليُعلمك أن التعلق الحقيقي لا يكون إلا به، وأن العوض الحقيقي لا يكون إلا في الجنة. فليكن ميزانك واضحًا: ما لم يمسّ دينك، وما لم يُبعدك عن الجنة، وما لم يحل بينك وبين رضا الله، فهو هيّن، وهو مُعوَّض، وهو يسير بإذن الله، وسيأتي يومٌ تقول فيه: الحمد لله على ما أخذ، والحمد لله على ما أبقى، والحمد لله أن غايتي كانت وما زالت هي الجنة.

ـ ماذا أنجزت؟ ـ توقّف الآن قليلًا، وضع يدك على قلبك، واسأله بصدق: ماذا أنجزت؟ لا تسأل عن مهامك التي أنهيتها اليوم، ولا عن رسائلك التي رديت عليها، ولا عن مشاويرك التي قضيتها، تلك أشياء تفنى وتُنسى. لكن اسأل نفسك عن شيء واحد: ماذا أضفت إلى رصيدي عند الله؟ أعلم أن السؤال قد يكون ثقيل، وقد تتحاشاه؛ لأنك تعرف الجواب. تعرف أنك تصلي وتصوم وتقرأ القرآن أحيانًا، لكنك تعرف أيضًا أن قلبك ليس كما كان. وأن لسانك انشغل عن ذكر الله، وأنك تمر على الآيات فلا تهتز. وتسمع المواعظ فلا تتغير. لكن الله لا يريدك أن تمزق نفسك باللوم، بل يريدك أن تنهض، أن تبدأ من الآن، ولا تنتظر أن تتفرغ أو أن تتحسن الظروف، ابدأ بخطوة صغيرة: استغفار تقوله بصدق، صدقة تخفيها عن الناس، دمعة تخرج من خشية الله، كلمة طيبة تجبر بها قلبًا مكسورًا. إن هذه الأشياء على صِغرها وسهولة أدائها، هي التي تنجيك، وهي التي ستراها في صحيفتك. تأمل حال رجل صلى ركعتين في ظلمة الليل، لم يرهما أحد، لكنهما في ميزانه إلى يوم القيامة، ورجل تصدق بصدقة خفية، فقال النبي ﷺ عنها: «حَتَّى لَا تَعْلَمَ شِمَالُهُ مَا تُنْفِقُ يَمِينُهُ» فكان من السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله. فلا تنتظر الغد، ربما لا يوجد غد. أنجز ولو ذكرًا، ولو استغفارًا، ولو صدقة، ولو ركعة، ولو كلمة طيبة؛ لأنّ الدُنيا لا تساوي شيئًا إن خرجت منها ويدك فارغة. فتدارك نفسك، قبل أن تُدرك. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ صحيح البخاري، كتاب الأذان، باب من جلس في المسجد ينتظر الصلاة وفضل المساجد، ١/١٣٣، ح: ٦٦٠

هل تُهتَ في ميادين الحياة؟ لا عليك، كلّنا في الدّنيا نمرّ بفترات يخبو بها نورنا، ويُطفأ فيها توهّج قلوبنا.. تتعب وتكابد ولا تعلم إن كنت قد أجدْت أم لا، لا عليك مرّة أخرى.. قد تظنّ للوهلة الأولى أنّه قد أُغلق عليك، لكنّها ما أعتمت إلّا لتُشرق من جديد.. كيف لا واللّه ربّك! كيف لا واللّه القائل في حديث قدسيّ : «أنا عند ظنّ عبدي بي» يا صاحبي، إيّاك أن تيئس واللّه معك ما يفعل اللّه بعذابنا إن شكرنا وآمنّا! اللّه رحيم وإنّ رحمته تسع كلّ شيء. فقط، افعل ما يقتضيه عليك الآن الّذي تعيشه وحكّم شرع اللّه تعالى وجاهد نفسك؛ تَعش سعادة لا حدود لها ويكأنّك طيرٌ يتنقّل حيث شاء.. يا صاحبي، قد قال اللّه عزّ وجلّ في كتابه: {وَذَٰلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنتُم بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُم مِّنَ الْخَاسِرِينَ (23) } فانظر إلى ظنّك باللّه! أيليق بعظمته سبحانه؟ أيليق برحمته وحكمته؟ لا يكن ظنّك سيّئاً فيرديك. وختاماً، استعن باللّه يا صاحبي ولا تعجز. والسلام.. 🩵🕯️