ملح.. وأمالي..
الذهاب إلى القناة على Telegram
بين أبواب الفقه وجد الفقهاء ملح وآمالي تزكية.. وتربية.. طرفة.. وعبرة.. جزى الله خيرا من وجد في القناة شيئا رأه نافعا فنشره ولو من غير ذكر مصدره وكتب أجره وضاعف ثوابه "ودل الطريق صدقة"
إظهار المزيدلم يتم تحديد البلدالفئة غير محددة
1 028
المشتركون
لا توجد بيانات24 ساعات
+27 أيام
+1630 أيام
أرشيف المشاركات
1 028
هذه أمالي في الاستسقاء والأمطار..
أخبار.. وتزكية.. وعبرة..
من كتب التاريخ والتراجم..
أجزأها على أيام
"إذا خشع جبار الأرض رحم جبار السماء"
"هذا موطن لا يذكر فيه إلا الله" لما قيل له ألا دعوت للخليفة أو ذكرته في صلاة الاستسقاء
وأخفياء يستسقون فرادى
أو يشتهون البرد في الصيف فينزل الله رغبتهم..
1 028
قال ابن القيم: (وقد قيل: علامة رضا الله عنك سخطك على نفسك، وعلامة قبول العمل احتقاره واستقلاله وصغره في قلبك، حتى إنَّ العارف ليستغفر الله عقيب طاعاته) -مدارج السالكين-.
وأما من غَلّب الرجاء وساء عمله فهو كالطالب الكسول والتاجر المتخاذل، فترى المتخاذل يجر قدميه ولا يحترم زبونه ولا يتماشى مع السوق، والكسول لا يذاكر كل المنهج ويبحث عمّا يضمنه ألا يرسب.. ويوشك رجاؤه أن يخذله.. قارن حال السلف بما تسمعه من الرجاء في المجالس.. حتى تظن أن المتحدث ضمن الجنة كما ضمنها أبو بكر رضي الله عنه، ونشأ عن غلطه في الرجاء تكاسل عن العمل وتجرأ على الذنوب وإصرار عليها!
الحاصل:
-أن المؤمن يحب ويعظم الإله، ثم هو بين جناحي طائر الخوف والرجاء "يحذر الآخرة ويرجو رحمة ربه".
-وحال المسابقين إلى الخيرات تغليب الخوف على الرجاء وملاحظة المنة وقصور العمل.. وحال الراكنين الكسالى تغليب الرجاء..
-وفي كل الأحوال يعاب الخوف الذي يبعث على اليأس والقنوط من رحمة الله، كما يعاب الرجاء الذي يبعث على القعود عن العمل.
-ومن يعمل وهو يغلب الخوف، أكمل من الذي يعمل وهو يغلب الرجاء..
اللهم حسن عمل.. اللهم حسن خوف ورجاء.. وحسن التعظيم والحب لك يا إلهي.. ولا حول ولا قوة إلا بالله.
1 028
بَشَرٌ كَثِيرٌ، وإنَّا لَنَرْجُو ذلكَ، فقالَ أبِي: لَكِنِّي أنا -والذي نَفْسُ عُمَرَ بيَدِهِ- لَوَدِدْتُ أنَّ ذلكَ بَرَدَ لَنا، وأنَّ كُلَّ شَيءٍ عَمِلْناهُ بَعْدُ، نَجَوْنا منه كَفافًا رَأْسًا برَأْسٍ. فَقُلتُ: إنَّ أباكَ -واللَّهِ- خَيْرٌ مِن أبِي. رواه البخاري. أبو بردة قال لابن عمر: إن أباك عمر خير من أبيه أبي موسى؛ لأن مقام الخوف أعظم وأسلم للعبد من مقام الرجاء. فهو يدفع النفس ألا تركن لرصيد، وألا تقنع بما عملت فلا تزال تلحظ خسائرها وذنوبها.. فتكون منهومة تسارع إلى الخيرات.. لا تكلّ ولا تملّ.. وهذا الحال يدفع عنها الغرور والعجب والخيلاء.. حتى يوقفها على باب العبودية الأكبر.. الافتقار. ليس لي شيء. ولا لي حق! إلا أني فقيرك وعبدك.
ويدفع عن النفس الإدلاء على الله تعالى بما عملت! كحال الأعراب "يمنون عليك أن أسلموا، قل لا تمنوا علي إسلامكم بل الله يمن عليكم أن هداكم للإيمان" قيل لسعيد من أعبد الناس؟ قال: رجل اجترح من الذنوب فكلما ذكر ذنوبه احتقر علمه.-صفة الصفوة70/3-
وقد جاء التنصيص على هذه الثمرة صراحة؛ في سورة المؤمنون، فعن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم قالت: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن هذه الآية: {والذين يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة} قالت عائشة: أهم الذين يشربون الخمر ويسرقون؟ قال: "لا يا بنت الصديق! ولكنهم الذين يصومون ويصلون ويتصدقون، وهم يخافون أن لا تقبل منهم، {أولئك يسارعون في الخيرات وهم لها سابقون}" رواه الترمذي.
وهذا الحال في أمة محمد صلى الله عليه وسلم هو حال الكمّل من الأمم السابقة، انظر إلى قوله تعالى: (وَكَأَيِّن مِّن نَّبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا ۗ وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ (146) وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلَّا أَن قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ) فنظروا إلى ذنبهم بين يدي دعائهم، ولم يتوسلوا بفضل جهادهم!
ومن هنا تفهم العبارات التي فيها هضم للنفس عن جماعات من أئمة العمل والزهد:
-مالك بن دينار العابد المشهور يقول: والله لو وقف ملكٌ بباب المسجد، وقال: يخرج شرّ من في المسجد، لبادرتكم إليه. -صفة الصفوة 3/189-. وقال: إذا ذُكر الصالحون فأفٍّ لي وتُفّ صفة الصفوة 3/187
-أيوب السختياني يقول عن نفسه: إذا ذكر الصالحون كنت منهم بمعزل. 3/197 صفة الصفوة.
-الإمام أحمد: (إذا عرف الرجل نفسه، فما ينفعه كلام الناس) يحتقر عمله وهو.. هو..
-ابن تيمية: (أنا لست بشيء، ولا لي شيء، ولا عندي شيء، ولا مني شيء!) ثم يقول: (والله ما زلت أجدّد إسلامي في كلّ وقت، وإلى الآن ما أسلمت إسلامًا جيدًا..!)
-ولما قيل لعمر بن عبد العزيز رحمه الله: " جَزَاكَ اللَّهُ عَنِ الإِسْلامِ خَيْرًا" قَالَ : " لا، بَلْ جَزَى اللَّهُ الإِسْلامَ عَنِّي خَيْرًا" حلية الأولياء (5/ 331). والإمام أحمد لمّا أتاه رجل فسأله عن شيء أو كلَّمه في شيء، فقال له: جزاك الله عن الإسلام خيراً، فغضب أبو عبد الله، وقال له: من أنا؛ حتى يجزيني الله عن الإسلام خيراً؟ بل جزى الله الإسلام عني خيراً" طبقات الحنابلة (1/ 298) .
وتفهم أيضاً كيف تمنوا ألا يكونوا بشراً؛ لأنّه غلبّ الخوف في حياته: فأبو بكر رضي الله عنه مرّ على طير قد وقع على شجرة، فقال: طوبى لك يا طير تطير فتقع على الشجر، ثم تأكل من الثمر، ثم تطير ليس عليك حساب ولا عذاب يا ليتني كنت مثلك، والله لوددت أني كنت شجرة إلى جانب الطريق فمر علي بعير فأخذني فأدخلني فاه فلاكني، ثم ازدردني، ثم أخرجني بعراً ولم أكن بشراً. قال : فقال عمر رضي الله عنه: يا ليتني كنت كبش أهلي سمنوني ما بدا لهم حتى إذا كنت كأسمن ما يكون، زارهم بعض من يحبون فذبحوني لهم فجعلوا بعضي شواءً وبعضه قديداً، ثم أكلوني ولم أكن بشراً، قال : وقال أبو الدرداء رضي الله عنه: يا ليتني كنت شجرة تعضد وتؤكل ثمرتي ولم أكن بشراً. -الزهد لهناد السري-.
قال بشر بن منصور: كنت أوقد ناراً بين يدي عطاء السليمي في غداة باردة، فقلت: يا عطاء أيسرك الساعة لو أنك أُمرت أن تُلقي نفسك في هذه النار ولا تُبعث إلى الحساب؟ فقال لي: إيْ ورب الكعبة، قال: ثم قال: والله مع ذلك لو أُمرتُ به لخشيت أن تخرج نفسي فرحاً قبل أن أصل إليها!
هذه المشاعر وهذا الاستحضار للذنب هو ما يدفع إلى مزيد العمل، وأن يشعر في كل الأحوال أنه في سبااااق لا يتوقف أبداً حتى يلج قبره..
فالقصد أن تغليب الخوف على الرجاء وملاحظة الذنب واحتقار الإنسان لعمله هو سبيل الكاملين في درجات الدنيا وتجارتها.. وكذا في المسابقين إلى الجنة "من أخاف أدلج، ومن أدلج بلغ المنزل".
1 028
عين السابقين دوماً على الخسارة.. لا الأرباح
مشهد تكرر معي في مراحل الدراسة من الابتدائية إلى آخر الطريق.. ترى أشخاصاً لو نقصت عليه درجة واحدة اسودت الدنيا في وجه وأظلمت عليه، وهو من الأوائل علينا.. تراه لا يزال يلاحق الأستاذ يجادله ليعيد له الاختبار أو يمنحه أي نشاط يعوض به النقص.. يلومه نفسه على الخطأ والقصور.. كأنه لم يربح شيئاً.. يلحظ خسارته ولو قلّت. حتى أنساه ذلك درجاته.. وأنساه أنه من الأوائل.. الكسول يراه فيرحمه يقول: يفعل كل هذا وهو أصلاً من الأوائل علينا، وما يضره لو نقصت عليه درجة أو عشر درجات! فكان ماذا؟
المنهوم في التجارة يفعل ذلك أيضاً. عينه دوماً على خسارته وما فاته، ولو كان أكثر صفقاته أرباح. ولأنّ عينه على الخسارة دوماً لا يقر له قرار سعياً إلى تعويض تلك الخسائر، فهو يعمل بطاقته القصوى طول الوقت.. لا يركن إلى ربح ولا يقنعه أنّ رصيده بالملايين..
تلك مشاهد دنيوية.. لننظر في العبادات:
الوضوء! كفارة ذنوب كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم، ثم يشرع لك بعد الوضوء أن تقول الشهادتين وتقول: "اللَّهُمَّ اجْعَلْنِي مِنَ التَوَّابِينَ، واجْعَلْني مِنَ المُتَطَهِّرِينَ، سُبْحانَكَ اللَّهُمَّ وبِحَمْدِكَ، أشْهَدُ أنْ لا إلهَ إِلاَّ أنْتَ، أسْتَغْفِرُكَ وأتُوبُ إِلَيْكَ". تستغفر بعد طاعة هي كفارة..
الصلاة! حال يكون فيها العبد أقرب ما يكون إلى الرب من الخضوع والتعظيم.. تنصرف منها ويُشرع لك أول ما تنطق به بعدها " استغفر الله.. استغفر الله.. استغفر الله.." تلحظ ذنبك أولاً بعد حسنة الصلاة! ثم تأتي بالأذكار الأخرى.. وإذا ناجيت في الأسحار ووقفت بين يدي الله شرع لك الاستغفار (وهم بالأسحار يستغفرون).
الحج! بوابة مغفرة الكبائر "أما علمت يا عمرو أن الحج يجب ما قبله"، "رجع من ذنوبه كيوم ولدته أمه"، وفي عرفة يتجلى الرب فيباهي الملائكة بالحشود "أشهدكم أني قد غفرت لهم" كل هذا! لكن أمرنا الله أن نلحظ الذنب بعد حسنة الوقوف بعرفة ومزدلفة "فَإِذَا أَفَضْتُم مِّنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِندَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ ۖ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِن كُنتُم مِّن قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ (198) ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ ۚ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ"..
لننتقل إلى النبي صلى الله عليه وسلم وصاحبيه.. ألحاظهم على الحسنة أو السيئة..؟
أبو بكر رضي الله عنه رجل يمشي في الدنيا ومعه تذكر عبور إلى الجنة، فقد شهد له النبي صلى الله عليه وسلم بذلك، والقرآن أثنى عليه في أكثر من موطن من القرآن فزكاه بأنّه من أهل الفضل (ولا يأتل أولوا الفضل منكم والسعة..) وزكاه في نيته وأنه سيرضيه (وسيجنبها الأتقى الذي يؤتي ماله يتزكى ومال أحد عنده من نعمة تجزى إلا ابتغاء وجه ربه الأعلى ولسوف يرضى) وهو الصفي وصاحبه في الغار وتصدق بكل ماله.. هو المركز الأول بلا منازع في أمة محمد صلى الله عليه وسلم.
ومع كل هذه الحسنات الكبااااار أتى يسترشد النبي صلى الله عليه وسلم: عَلِّمْنِي دُعَاءً أَدْعُو به في صَلَاتِي -وفي بيتي-، قالَ: "قُلِ اللَّهُمَّ إنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي ظُلْمًا كَبِيرًا، وفي رواية-كَثِيرًا-، وَلَا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إلَّا أَنْتَ، فَاغْفِرْ لي مَغْفِرَةً مِن عِندِكَ، وَارْحَمْنِي إنَّكَ أَنْتَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ" رواه مسلم والبخاري. فأمره بأن يلحظ خسارته "ذنبه" لا حسناته، مع أن التوسل إلى الله بالعمل الصالح جادة شرعية مسلوكة؛ لكن هذا حال أهل الكمال.. يرى أنه ليس منه شيء. ولا عمل شيء. وما قام بشيء. يرى ذنبه ولو صغر كجبل يخاف أن يقع عليه كل لحظة..
النبي صلى الله عليه وسلم: بعد جهاده وقيامه بأمر الله تعالى خير قيام، وفي آخر حياته أمره الله في سورة النصر: (فسبح بحمد ربك واستغفره إنه كان تواباً) فكان صلى الله عليه وسلم لا يصلي صلاة إلا أكثر في ركوعها وسجودها من الدعاء بقوله: "سُبْحَانَكَ رَبِّي وبِحَمْدِكَ، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي" يتأول هذه الآية. متفق عليه. بعد أعمال صالحة وخيرات طول حياته، وقد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر.. أُمر بالكمال.. أمر ألا يزال اللسان والقلب يلحظ الذنب لا الحسنة..
أما عمر ابن الخطاب؛ فله قصة مع أبي الدرداء حول هذا المعنى: فعن أبي بردة بن أبي موسى الأشعري قال: قالَ لي عبدُ اللَّهِ بنُ عُمَرَ: هلْ تَدْرِي ما قالَ أبِي لأبِيكَ؟ قالَ: قُلتُ: لا، قالَ: فإنَّ أبِي قالَ لأبِيكَ: يا أبا مُوسَى، هلْ يَسُرُّكَ إسْلامُنا مع رَسولِ اللَّهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، وهِجْرَتُنا معهُ، وجِهادُنا معهُ، وعَمَلُنا كُلُّهُ معهُ، بَرَدَ لَنا -ثبت لنا-، وأنَّ كُلَّ عَمَلٍ عَمِلْناهُ بَعْدَهُ نَجَوْنا منه، كَفافًا رَأْسًا برَأْسٍ؟ فقالَ أبِي: لا واللَّهِ، قدْ جاهَدْنا بَعْدَ رَسولِ اللَّهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، وصَلَّيْنا، وصُمْنا، وعَمِلْنا خَيْرًا كَثِيرًا، وأَسْلَمَ علَى أيْدِينا
1 028
الحاصل: أن الرحمة بالأبناء إن لم تضبط بميزان الشرع أهلكتك وأهلكت ولدك ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَّا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ).
اللهم رحمة منك تصلح بها رحمتنا.. اللهم أعذنا من الهوى.. اللهم إياك نعبد وإياك نستعين.
1 028
رحمة الهوى: تربي الابن على العقوق بالآخرين بما في ذلك عقوق والديه، ثم يغلق عنه أبواب الأجور ويفتح له أبواب المخازي والآثام. ولقد رأيت من كان يأمر أولاد الآخرين لخدمته وخدمة ضيوفه وأبناؤه أمام عينه جلوس! يوفرهم ويرحمهم، فلما كبر واحتاج إلى ولده لم يطاوعوه ويشتكي عقوقهم! كانت زوجته تقول لولدها اذهب ألعب لا تخدم الضيوف أبناء فلان -وهم في سِنه- هم سيخدمون! وأنت امرح والعب!
قال ابن القيم -تحفة المودود-: (كم مِمَّن أَشْقَى وَلَده وفلذة كبده فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة بإهماله وَترك تأديبه وإعانته لَهُ على شهواته وَيَزْعُم أَنه يُكرمهُ وَقد أهانه وَأَنه يرحمه وَقد ظلمه وَحرمه ففاته انتفاعه بولده وفوت عَلَيْهِ حَظه فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة وَإِذا اعْتبرت الْفساد فِي الْأَوْلَاد رَأَيْت عامته من قبل الْآبَاء) وقال: (أكْثر الْآبَاء يعتمدون مَعَ أَوْلَادهم أعظم مَا يعْتَمد الْعَدو الشَّديد الْعَدَاوَة مَعَ عدوه وهم لَا يَشْعُرُونَ! فكم من وَالِد حرم ولده خير الدُّنْيَا وَالْآخِرَة وَعرضه لهلاك الدُّنْيَا وَالْآخِرَة) ثم ذكر أنّ هذا الهوى حرمهم الانتفاع بأولادهم عقوبة لهم من الله، ونتاج تفريطهم في حقوق الله وتقديم الهوى.
ومن رحمة الهوى: أن يجري مع أهوائه فيطلب الرشوة ويغش ويكذب لأجل معاش ولده!
من اللطائف: سفيان بن عيينة كانت له هرة لا تؤذية فلما ولدت غلبتها رحمة الهوى فآذت وسرقت، وهذا نص عبارته: (كَانَتْ لَنَا سِنَّوْرَةٌ لَا تَكْشِفُ قِدْرًا وَلَا تَسْرِقُ مِنْ جَارٍ فَوَلَدَتْ وَكَشَفَتِ الْقُدُورُ وَسَرَقَتْ مِنَ الْجِيرَانِ) النفقة على العيال لابن أبي الدنيا٢/٦٣٢. وكان سفيان يرد بذلك على من يعيب عليه أخذ صلات الخليفة؛ ويقول: متى رأيتم أبا عيال أفلح!
ولا يفلح من قدم هواه على هوى الشرع! وهل الدنيا إلا صراع بين هوى الشرع.. وهواك وشيطانك..
(يا أيها الذين آمنوا لا تقدموا بين يدي الله ورسوله) "لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبع لما جئت به"..
عمر بن عبدالعزيز أفلح هو وولده لمّا راقب الله وتوكل عليه: عند ابن كثير في البداية والنهاية12/715 : أن عمر بن عبدالعزيز لما حضرته الوفاة قيل له: (هؤلاء بنوك - وكانوا اثنى عشر - ألا توصي لهم بشيء فإنهم فقراء؟ فقال: (إن وليّى الله الّذي نزل الكتاب وهو يتولى الصالحين) والله لا أعطيتهم حق أحد. وهم بين رجلين: إما صالح فالله يتولى الصالحين، وإما غير صالح فما كنت لأعينه على فسقه. وفي رواية: فلا أبالى في أي واد هلك. وفي رواية: أفأدع له ما يستعين به على معصية الله فأكون شريكه فيما يعمل بعد الموت؟! ما كنت لأفعل. ثم استدعى بأولاده فودعهم وعزاهم بهذا، وأوصاهم بهذا الكلام ثم قال: انصرفوا عصمكم الله وأحسن الخلافة عليكم. قال: لقد رأينا بعض أولاد عمر ابن عبد العزيز يحمل على ثمانين فرس في سبيل الله، وكان بعض أولاد سليمان بن عبد الملك - مع كثرة ما ترك لهم من الأموال - يتعاطى ويسأل من أولاد عمر بن عبد العزيز! لأنّ عمر وكل ولده إلى الله عز وجل، وسليمان وغيره إنما يكلون أولادهم إلى ما يدعون لهم، فيضيعون وتذهب أموالهم في شهوات أولادهم). وفي نثر الدر للآبي: 7/68: (قَالَ الْمَنْصُور لعَمْرو بن عبيد: عظني، فَقَالَ: أعمّا رَأَيْت أَو مَا سَمِعت؟ فَقَالَ: بل عظني بِمَا رَأَيْت، فَقَالَ لَهُ: مَاتَ عمر بن عبد الْعَزِيز فخلّف أحد عشر ابْنا وَبَلغت تركَتُه سَبْعَة عشر دِينَارا، كُفّن مِنْهَا بِخَمْسَة دَنَانِير، وَاشْترى مَوضِع قَبره بدينارين، وَأصَاب كل وَاحِد من وَلَده ثَمَانِيَة عشر قيراطا، وَمَات هِشَام فخلّف أحد عشر ابْنا وَأصَاب كل وَاحِد من وَلَده ألف ألف دِينَار، فَرَأَيْت رجلا من ولد عمر بن عبد الْعَزِيز قد حمل فِي يَوْم وَاحِد على مائَة فرس فِي سَبِيل الله، وَرَأَيْت رجلا من ولد هِشَام يسْأَل النَّاس ليتصدق عَلَيْهِ).
قال ابن تيمية -السياسة الشرعية-: (المؤدي للأمانة مع مخالفة هواه ــ يُثيبُه الله فيحفظه في أهله وماله بعده. والمطيع لهواه يعاقبه الله بنقيض قصده فيُذِلُّ أهلَه ويُذهِب مالَه).
رزق الله لا يجره حرص شحيح، وما خلق الله خلقاً ليضيعه "وما من دابة إلا على الله رزقها"، ومن يتوكل على الله فهو حسبه، ويرزقه من حيث لا يحتسب.
حب الولد شهوة "زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ۗ ذَٰلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ۖ وَاللَّهُ عِندَهُ حُسْنُ الْمَآبِ" والتعلل بالعيال لأكل الحرام؛ من جنس التعلل بالشهوات في تقحم الحرام، فالسارق لا يسرق إلا مع شهوة المال، والزاني لا يزاني إلا وقد غلبته شهوة الفرج، وحب الولد متى كان عذراً لتسويغ الحرام كان حبه شهوة عداوة لا رحمة (إن من أزواجكم وأولادكم عدواً لكم فاحذروهم).
1 028
يا لجماله.. جميل.. كأنّه دينار
كأنّه دينار ذهب: من وضاءته وجماله، وقد جاء في وصف وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم "حَتَّى رَأَيْتُ وَجْهَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَتَهَلَّلُ ، كَأَنَّهُ مُذْهَبَةٌ" من حسن وجهه صلى الله عليه وسلم وإشراقه.
أضاع أعرابي ولده، فمرّ بقوم ونشدهم عنه، فقالوا: صِفه لنا؟
قال: "كأنه دُنَيْنِير" تصغير دينار، يشبه ولده: بدينار الذهب.
قالوا: لم نره، ثم لم يلبث القوم أن أقبل الأعرابي، وعلى عنقه ولد كأنّه جُعَل -يشبه الجُعْل من قبحه-.
فقالوا: هذا الذي قلت فيه "دُنَيْنِير؟!"، لو سألتنا عن هذا لأرشدناك، إنه منذ اليوم يلعب هاهنا مع الغلمان. البداية 14/549. وفي المثل: قالت الخنفساء لأمها: ما أمر بأحد إلا بزق عليّ! فقالت: من حسنك تُعوّذِين. -من جمالك يعوذونك لئلا تصيبك العين!-.
جَمّل الله الولد في عين والديه حتى يرى أنه لا أجمل منه ولا أحسن منه! وهذا من آثار رحمة الله تعالى التي أنزلها في الأرض وبها يعطف السبع على ولده، ويحمي الحمار جحشه! وفي الحديث عنه صلى الله عليه وسلم: "جَعَلَ اللَّهُ الرَّحْمَةَ مِئَةَ جُزْءٍ، فأمْسَكَ عِنْدَهُ تِسْعَةً وتِسْعِينَ جُزْءًا، وأَنْزَلَ في الأرْضِ جُزْءًا واحِدًا، فَمِنْ ذلكَ الجُزْءِ يَتَراحَمُ الخَلْقُ، حتَّى تَرْفَعَ الفَرَسُ حافِرَها عن ولَدِها، خَشْيَةَ أنْ تُصِيبَهُ" البخاري ومسلم.
تراه يحمل ولداً سيء الخِلقة والطبع، سائل الأنف، متسخ الفم، منتن المخرجين، ثم يقبله وهو مسرور محبور؛ كأنه يقبل خداً أحمرَ ملطوخ بمسك وعنبر! ويلحظك بنظرة إن أردت أن ترتشف معه! أن تشم العبير! يدعوك بنظره أنْ هلمّ! لن نمنعك من هذا النعيم!
رحمةٌ من الله قذفها في القلوب؛ حكمة منه جل وعز: فلولا هذا التحسين لرمى الآباء من لم يعجبه من الولد لسوء خلقته أو طبعه. (فانظر إلى آثار رحمة الله).
رحمةٌ من الله قذفها في القلوب؛ ابتلاءً منه جل وعز: أن تغلبك الرحمة فلا تزنها بميزان الشرع فتحملك على الهوى وتظلم نفسك وولدك أو تظلم الغير.
فالرحمة إن لم توزن بميزان الشرع كانت هوى وظلماً وقصوراً في التأديب يشقى بها الابن في دنياه وآخرته..
ترحمه فيُتْرك ينام عن الصلاة المفروضة، أو لا يشهدها جماعة في المسجد! ويُخْتَلق المعاذير!
الخليفة الأموي هشام بن عبدالملك تفقد أحد ولده يوم الجمعة، فأرسل إليه: مالك لم تشهد الجمعة؟ فقال: إِنَّ بَغْلَتِي عَجَزَتْ عَنِّي! -لم يجد وسيلة مواصلات- . فبعث إليه الخليفة: أَمَا كَانَ يُمْكِنُكَ الْمَشْيُ؟!وَمَنَعَهُ أَنْ يَرْكَبَ سَنَةً. البداية 13/153 فلم يقبل عذره، ومنعه من ركوب الدواب للصلاة سنة كاملة، تأديباً له.
ومن رحمة الهوى: مطاوعة الأبناء في صرف الأعمار على الأجهزة والألعاب الالكترونية المضرة في دينه أو طريقة تفكيره أو في تواصله مع الشاذ والفاذ عبر اللعبة!
ومن رحمة الهوى: توليته المناصب في القطاع العام أو الخاص؛ رعاية للبنوة لا الكفاءة، وكم فسدت من شركات تجارية خاصة ووقعت مظالم؛ لما قدم الأب رحمة الأبوة على الكفاءة. قال ابن تيمية: (الرجل لحبه لولده..قد يؤثره في بعض الولايات، أو يعطيه ما لا يستحقه.. وقد يؤثر زيادةَ ماله ..أو محاباة من يداهنه في بعض الولايات، فيكون قد خان الله والرسول وأمانته) -باختصار-
ومن رحمة الهوى: إهمال التأديب في الخدمة وتعليم الفتاة الطبخ بحجة الخوف عليها من التعامل مع الفرن والنار أو صغيرة. أم تشفق على ابنتها تطبخ البيض وتصلح الشاي وهي في الثانوية خوفاً عليها من الفرن؟! ثم إذا تزوجت كانت كلاًّ لا تخدم نفسها فضلاً عن زوجها وربما كان الفراق!
ومن رحمة الهوى: عدم كفّ الولد عن الظلم، فيترك الولد يعبث في أملاك الناس أو في المال العام.. دعه يفرح.. دعه يمرح.. ويراه ويضحك..
ومن الأمهات من تترك ولدها يظلم الأولاد؛ ولأنّه الظالم لا تكفه..؛ وتتلهى عنه.. كأنها لا تبصره وهي تراه.. فإن تعرض لأدنى ظلم قامت الدنيا ولم تقعد!
ومن رحمة الهوى: تركه بلا مسؤوليات تناسب عمره، والشفقة عليه من أخلاق المروءة والشهامة وإعانة الجماعة في السفر والمناسبات. تُجلس ابنتها الشابة وعجوز قائمة لا تجد كرسي! ويتعاون أهل البيت على إعانة المضيف وابنتها وولده لا يحمل أوساخه فضلاً عن المعاونة! ويتعاونون في السفر على حمل المتاع وتنزيله وتجده في الطرف لا يحمل حتى متاعه ويراه ذكاءً وكياسه أن وفر ابنه وابنته فَخُدِما مجاناً..
ومنهم من يأمر أبناء الآخرين لخدمته وابنه بجواره قاعد! يوفر ابنه عن الخدمة والقيام والقعود! ما أحظاه بالعقوق منهم وقد علمهم الأنانية والفرار من المسؤوليات والمعاونة على المروءات.
