ar
Feedback
Hussein.A.Salim

Hussein.A.Salim

الذهاب إلى القناة على Telegram

وَنَحنُ نُرَجّي الخُلدَ إِنْ فازَ قِدحُنا.. وَنَرهَبُ قِدحَ المَوتِ إِنْ جاءَ قامِرا..

إظهار المزيد
لم يتم تحديد البلدالفئة غير محددة
261
المشتركون
+124 ساعات
لا توجد بيانات7 أيام
-230 أيام
أرشيف المشاركات
غير أنّ ما يهمنا بهذا المقام: هو تناول الرؤية التقدميّة للتاريخ وأصداءها على الذات والآخر، فقد استطاعت هذه الرؤية خلال العقود الأخيرة أنْ تتغلغل في طريقة رؤيتنا لذاتنا، واستنباط ماضيها، بشكل مسلّم به أيديولوجيًا أحيانًا، وفي أحيان كثيرة: من غير فهم واضح لأصول هذه الرؤية ومنابع انبثاقها من الأساس. في كتابه الذي صدر عقب انهيار الاتحاد السوفيتيّ يحاول فرانسيس فوكوياما بأطروحته الشهيرة «نهاية التاريخ والإنسان الأخير» أنْ يمثل النيوليبراليّة كمرحلة ختاميّة للمسار الأيديولوجي البشري، مثيرًا إثر ذلك جدلًا واسعًا ما بين الأوساط الأكاديميّة، وممّا يسترعي التحليل، أنّ النخب العربيّة هي الأخرى قد انخرطت في الكتابة عن فوكوياما والرد عليه، معتبرةً خطابه كنوع من تلميع سياسة الولايات المتحدة الأمريكيّة ومتبنياتها الاقتصاديّة (السوق الحر)، ومعظم هذه الردود في تلك الفترة لم تكن بالمستوى الذي يمس صلب الأطروحة، إذ إنّها تركز على الجانب السياسيّ، مهملةً الخلفية الفلسفيّة التي يتعكز عليها فوكوياما، والمقترنة بشكل جوهري بخطيّة الرؤية التاريخيّة-التقدميّة، فالإشكالية هي أنّ النخب المعنيّة متشبعة بأيديولوجيا التقدم بجذورها الممتدة من القرن السابع عشر ميلادي، أي منذ جدل الحداثة الذي رادوه شارل بيرو، وفونتينيل، وغيرهم، ولذلك قد عسر إدراك موضع الخلل بشكل دقيق، لأنّه بالأصل يعد راسخًا داخل مسلّمات المعرفة لديهم، سيما تيارات اليسار المأخوذة بمادية التاريخ وغائيته النهائية، وهذا ممّا أشار إليه علي حرب في إحدى كتبه معنونًا الفقرة: «فوكوياما والمثقفون العرب ردود فعل لا توازي الفعل نفسه!».

إنّ من أكبر المشكلات التي تواجه الإنسان المعاصر في استقراء الماضي، ليست متعلقة بالمصادر التاريخيّة المعززة لقيمة العنصر المتواتر من عدمه، كما كان يسري على الأقدمين وفق ثنائية (السند الضعيف، والمعتبر) وكذلك الأمر غير متعلق بشحة الأدوات المعرفيّة وقلتها، بل على العكس: ثمة وفرة هائلة من حيث جودة الأدوات والمادة الخاصة بها، بشكل قد لا يضاهيه عصر سابق. إنّما مأزق التعاطي مع الماضي يكمن أولًا في فهم فلسفة التاريخ ومبانيها، ورصد المنطلقات المعرفيّة التي تخص كلّ قراءة للتاريخ، وهذا يتقدم من جهة الأولويّة حتى على المادة المعمول في استقراءها، فهي-أي فلسفة التاريخ-ترصد حركة الماضي ومساره قبل جزئياته الحدثيّة، وفي هذا: قد تضاربت الفلسفات التاريخيّة فيما بينها كثيرًا.

يَعتبر ماكس هوركهايمر-وهو من الجيل الأوَّل للنظريّة النقديّة-النظام التقنيّ الحديث؛ أعلى ذروة للأداتيّة وتملُّكها المطلق للعقل البشريّ، حيث يغدو كلّ شيء على ضوءها راضخًا لسيطرة الأداة، إلى درجة يصعب فيها التمييز ما بين العوالم المُختلفة، لأنّ الحدود الفاصلة لكلّ مجال عن نظيره لم تعد مهمة، إنّما هي-بتعبير باومان-تبدو أقرب للسيولة والأفول، إذ إنّ جميع المظاهر وفقًا لهذا الحال؛ قادرة على تغيير هيئتها بل ومشابهة غيرها انصياعًا للآلة. وهذا ما يتطابق مع نظام لومِن فعليًا، باعتبار الغاية العمليّة من طابق المشطورين هو تحييد ذات الموظف وجوانبه المتباينة؛ بغية تأصيل الأداة كمعوض لكلّ ما فقدته ذاته، بلحاظ وجود رقابة شديدة تمارسها المؤسسة على موظفيها، تتمثّل في مراقبة تحركاتهم وانفعالاتهم، والتلاعب بمحمولاتها بكلّ حِرَفِيّة، لئلا يولد منها ما يخالف مآرب الأداة وتسلُّطها القسريّ.

Series: Severance

ما معنى أنْ يُصارع المرء ذاكرته؟ يُجيبنا جيم كاري في هذا العمل عمّا ينطوي عليه هذا الصراع من مشاعر الفقد والضياع، ومحاولات تجاوزه التي تتمثل في إخفاء الذات واجتثاث المؤذي منها. إلّا أنّ محو الذاكرة والتلاعب بتفاصيلها حتّى في نطاق الفانتازيا التقنيّة ليس هينًا البتة، إذ يجابه بطل الفيلم "جويل" أثناء عملية المحو؛ حقيقة وجدانه الذي يأبى الانصياع لذلك الاستئصال المعنويّ للذاكرة، ممّا يُبقيهِ مُتمسكًا بمحبوبتهِ "كليمنتاين" إلى آخر رمق. ما يُميز الفيلم هو وتيرته القائمة على اللاوعي البصري، فبعض المشاهد ستبدو غريبة، أو تتغير فجأة، أو تُدمج بين أزمنة مختلفة، لأنّ ما نراه لا يمت للتسلسل الخطيّ المعهود في السيناريوهات، إننا نرى العقل شاخصًا أمامنا بكلّ منعطفاته وذكرياته المخزونة. وكأنّ الفيلم يخاطبنا قائلًا: هكذا يبدو الحُزن من الداخل، عندما نحاول أنْ ننسى من نُحِبّ!

photo content

photo content

في إحدى رسائله التي يخاطب بها عمه: يتحدث أنطون تشيخوف بسياق ذكر شهرته وازديادها داخل مدينة بطرسبرغ، مشيرًا إلى ثقل المسؤوليّة التي تخلفها تلك الشهرة وتبعاتها الكثيرة، حيث يذكر تشيخوف حجم الإرهاق في الشيوع الذي يحظى به بين الجماهير، وما يرتب عليه من فقدان السكينة الخاصة، والتلقائيّة التي يستوجب وجودها. ممّا يسترعي الانتباه في تلك الرسالة من سلسلة رسائله المنوطة تحت عنوان "رسائل إلى العائلة" أنّ موضوعة الشهرة لم تكن عين الإشكال الذي ألمح له تشيخوف، إنّما هناك مسبب يقبع خلفها ويتصل بكل الآثار التي تولدها. فعند تحليل الرسالة المعنيّة؛ نجد أنّ الأمر برمته يتعلق بمسألة الترميز، والتي تشغل فحوى المقصد المُراد، ذلك أنّ أي تحويل للأشياء من حالتها الاعتياديّة إلى رمزٍ ما؛ سوف ينزهها في القياس والتعامل عن غيرها، محيلًا إياها إلى نوع من الألوهيّة الخفيّة، فليست الشهرة وحدها هي العالة التي تُكبل سجية المرء وتقيد ذاته، بل بالأحرى كلّ رمزية تُمنح له مسبقًا، إذ قد يكون التقييد مردّه الاقتداء وخلق القدوة بجميع أشكالها القيميّة، كون أنّ الرمزية التي يعطيها مفهوم القدوة يتمظهر في افتراض المثاليّة للمُقتدى بهِ، وبالتالي استثناؤه الحاد عمّا هو طبيعيّ. وذات الشيء في أسطورة المثقف، المتغذية على تحويط النخب بهالة "النبوة الجديدة"، كما هو الأمر عند غرامشي ورؤيته عن المثقف العضويّ-والتي بناءً عليها قدم نفسه كمناضل طوباوي ضد الفاشية الإيطاليّة-مُعلنًا بها تصيير المثقف إلى رمزية وظيفيّة، تحيله إلى آلة مطوعة تبعًا للطبقة الاجتماعيّة، فترميز المثقف هو أيضًا تجلي واضح لإنهاك الإنسان في تصورات طائلة عن طبيعته وغرائزه، وإقحامه داخل أُطرٍ تسلبه حريته المفترضة.

photo content

هناك ازدواجية في قراءة الأسطورة الألمانيّة فاوست، تتعلق بشكل أساسيّ بالمعيار والخلاصة النهائيّة منها، فبواكير نشوءها بدأت من المخيال الشعبيّ-المسيحيّ الذي يصور الدكتور يوهان فاوست كساحر تجاوز بطموحه الدنيويّ الحدود المفروضة عليه، حتّى تحالف مع الشر الأشد، مُعيرًا روحه للشيطان. المُراد في هذهِ القراءة اختزال القصة في العبرة الأخلاقيّة فحسب، حيث يتجسد البطل ككائنٍ حسيّ يلهث خلف ملذاته الماديّة. وهذا تصور يجانب الدقة في معظم حالاتهِ، فهو يُهمل المناحي الأخرى المتأصلة في طبيعة فاوست، مثل البحث عن اللانهائيّ الذي لا تحده القيود الطبيعيّة، والإخلاص التام للحقيقة واستكشافها، وغيرها من السِمات التي تتعدى ثنائية القناعة-الغرور المُستهلكة. نُلاحظ أنّ غوته في مسرحيتهِ فاوست، قد أجاد في تصوير هذه المُفارقة بل وأتقن حيثياتها بالكامل، إذ لم يتوانَ عن الإفاضة في بيان فضول فاوست وظمئه الوجوديّ لفهم جوهر الحياة وخباياها، حتّى في أقسى رذائله المعروفة، مثل تحالفه مع مفيستوفيليس (الشيطان) تبدو غايته الأعمق ليست اللذة العابرة، إنّما الانفتاح على المُطلق اللانهائيّ، علمًا من أنّه في النهاية يظهر أفول بريق البطل وسقوطه الحتميّ كما هو بيّن. غير أنّ عمله المذكور قد شكل منعطفًا خاصًا في طرق التعاطي مع فاوست أدبيًا، ولذلك يرى العديد من النقاد أنّ شخصية فاوست قبل غوته شيء وبعده شيء آخر! هذا ما يُعلل ربط اِشبنغلر الرُّوح التجريديّة والباحثة عن الفهم الكُلي بحكاية فاوست، والتي يضعها مقابلةً للنزعة الأبولونيّة (Apollonian) كطرفٍ مضاد، فالفاوستيّة هي التوصيف الأقرب صلةً بالعلم الشامل تبعًا لذلك.

«أولئك الذين ينتمون إلى نفس العرق الروحانيّ الذي أنتمي إليه: (روسو، شاتوبريان، سيناكور، أمييل ترك) أنا ما زلت بعد المثل الأكثر اكتمالًا عن المرض الذي نعاني منه!».
– فرناندو بيسوا، تربية الرواقي، ص٥٢

يُقال أنّ الانطباع الأوَّل الذي نكنه للآخر ليس صادقًا تمامًا، لأنّه يعتمد في الغالب على تحيّزات خارجة عن حقيقتهِ، فما هو حقيقيّ تبعًا لهذا القول: يعتمدُ على المعرفة كأساس له. ولكن ماذا نقول عن الكم الهائل من التجارب طويلة الأمد التي يصرخ أصحابها بانخداعهم بالآخرين؟ قد يُبرر البعض ذلك بـ"نقص المعرفة" أو قلة خبرة في استكشاف المقابل حتّى بعد مضي أعوام طويلة، أو غيرها من التبريرات التي باتت مألوفة في أحاديثنا. إلّا أنّ من النادر للغاية أنْ يتنبه أحد إلى أنّ المسألة تتجاوز حدود المعرفة نفسها، بل تشمل ما هو أكثر إيغالًا منها! ما يغفل عنه عموم البشر في هذا الزمان هو أنّ المُقابل لا يُمكن اختزاله بقواعد معرفيّة جاهزة، أو تفضيلات مُعدة سلفًا، فهو ليس مخزنًا للأهواء نُفرغُ عبره حمولتنا الخاصة، حتّى نرى ما نريده فحسب، ونتعامى عن أي شيء يخالفه، للدرجة التي نبني فيها آمالًا هائلة على ما لا يُمثلُ إلا القدر الطفيف منه! يروقني فرناندو بيسوا حينما يُشير بشكلٍ خاطف إلى ما يُسميهِ «العرق الروحانيّ» قاصدًا شخصيات عبر التاريخ ينتمي هو لها، لكنّه بذات الوقت؛ لا يتوافقُ معها إلّا رُوحيًا، إذ يهمل الأنساق المعرفيّة التي تميزها وتميزه عنها، وذلك لقلة أهميتها في مقام التناغم الأصيل.

حين تأمُّل العمل الفني أعلاه، والأسلوب الرومانتيكي لدى شندل على وجه العموم، يسترعي انتباهنا إلى أنّ هنالك علاقة إلزامية ما بين عنفوان العمل ولهب الشمعة المُضاءة في داخلهِ، فمعظم اللوحات التي قدمها الهولندي تستمدُ قيمتها الجماليّة تبعًا لألق الشمعة، إذ تشكل العنصر الفنيّ الأساسيّ الذي يمنح للعمل تفصيلًا وإيضاحًا، وكأنّما ثمّة علاقة سببيّة يفرضها ضوء الشمعة على سائر اللوحات، معلنًا فيها سيادتهُ من جهة، وشرعنتهُ للوجود الإبداعيّ من جهة أخرى. لا سيما إذا علمنا أنّ تلك الشعلة التي تضفيها الشموع مقرونة بواقع الإنسان ومشاهده العمليّة، فهي بشكل أو بآخر تُجاهد بوهجها لكي تكون دلالة على مساعي المرء وأحلامهِ النابضة في الحياة، ذلك أنّ أعمال شندل تُركز بموضوعاتها المتشابهة على واقع الطبقات البروليتاريّة وحياة الحالمين من تلك الفئات وهمومهم المختلفة، فالعمل الآنف (Market by candlelight) على سبيل العرض: ليس مجرد بورتريه لفتاة عاملة، إنّما هو بالأحرى تمظهر لواقعها بعدة رموزٍ وإشارات مكثفة، إنّ الأبنية ذات الطراز القوطيّ التي تبرز وراءها هي دلالة على جغرافيا المكان الذي اتسم بوجود العِمارة الرومانسكيّة كنوع من تعريف الانتماء الجغرافيّ للعمل الفنيّ، وأما السلال المحملة بالخضراوات، والدكاكين التي تفتح منتجاتها لرواد السوق: تدلُّ على الحالة الاقتصاديّة والوضع المعيشي الذي يواكبه الأفراد المُدرَّجين في اللوحة، علاوةً على دأبهم المتواصل من أجل توفير لقمة العيش التي تسد رمقهم، وكلّ هذهِ المكونات الجماليّة للعمل هي لا تُساوي شيئًا دون شعلة الشموع التي تُنير التفاصيل وحيثيات المشهد، فالشمعة ها هنا تتبوأ المؤثر الأمثل على نشاطهم وعملهم وأحلامهم جمعاء. يلتقي ذلك بما قاله غاستون باشلار ذات مرة بكتابهِ "شعلة قنديل": «فيما ترفُ الشعلة؛ يرفُ الدمُ في قلبِ الحالم. حين تقلق الشعلة؛ يرتجف النفسُ في حنجرة الحالم. إنّ حالمًا متحدًا بحياة الأشياء اتحادًا طبيعيًا جدًا؛ يمسرح مأساة اللامعنى. لكلّ شيء دلالة إنسانيّة، بالنسبة إلى حالمٍ كهذا، حالم بالشيء!».

Market by candlelight| by Petros van Schindel (1865)
Market by candlelight| by Petros van Schindel (1865)

لا شيء أحَبّ لنفس المتأمِّل من الحواس كحاسة السمع، فهي أكثر المداخل الجسديّة التي تستدعي التأمُّل عنده، لما تحملهُ من معانٍ تتجاوز المرئيّ والملموس، وسواهما من حواس الشم والتذوق. إذ لا تقتصر هذه الحاسة على وظيفتها الفسيولوجيّة، أي التقاط موجات الصوت وتحويلها إلى إيعازات يتلقاها الدماغ، بل تتصل على نحو وجوديّ بما هو أسمى عن المادة. فالصوت الذي يتناهى إلى المسامعِ لا يُدرك بصورة ثابتة مثل المرئيّ، إنّما ينفذ إلينا بانسيابية مُستمرة ومتسلسلة عبر الزمن، ذلك أنّ من غير الممكن أنْ يُخزَّن داخل لحظة الإدراك نفسها: بمجرد سماعه في لحظته الآنيّة. فالصوت يخترقنا ويسكن وجودنا، بخلاف الصورة التي تبقى خارج وعينا الظاهراتيّ بقدر أكبر منه، وهذا بالحقيقة مذهب الكثير من فلاسفة الفينومينولوجيا بما يتعلق بالحواس وتراتبيتها. ميرلوبونتي مثلًا، وهو أكثر من خاض في اللامرئيّ وأجاد بشأنهِ، يميز بشكل واضح بين إدراك الصوت كظاهرة حسيّة وبين سماع المعنى في الكلمة المنطوقة. الصوت بالنسبة له ليس مجرد اهتزاز، بل تجربة دلاليّة تتجسد عبر الجسد-السامع. فهو يرى أنّ الصوت زمنيّ بطبعهِ، لأنّه لا يُمكن أنْ يُعطى دفعة واحدة، وإنّما في تدفق متتالٍ، وهنا يختلف عن المرئيّ الذي يُمكن احتواؤه في آن، فالاستماع بوصفهِ فعل اندماج لا يستقبل الصوت من الخارج فقط، إذ يُعاد تشكيله في جسدنا كاهتزاز وحضور داخليّ. هذا ما يُفسر ما تناله مسامعنا من تأثير قلّ نظيره على وجداننا وضميرنا الباطن، ولعلّ ذلك ما دفع هايدغر لتبني الإنصات والنداء كطرق أصيلة لانكشاف الموجود، فالإنصات ليس مجرد استقبال أصوات فيزيائيّة، بل هو انفتاح الكائن (Dasein) على النداء الوجوديّ، والذي يتعلق بدوره بالضمير، كصوت داخليّ صامت، يبيّن خلاله بُعدًا وجوديًا لا يُختزل على فيزيولوجيا السمع، لأنّ هايدغر يربط السمع بالإنصات لما هو غير منطوق، أي بالانتباه إلى الصمت الذي يتيح للوجود أنْ يتجلى. الأصوات المسموعة لها الوقع الأكبر على النفس، بدءًا من الطبيعة التي تأسرنا بعناصرها، وصولًا لعالم البشر وخطاباتهم المنطوقة، كلّها تترسخ بذاكرتنا عن طريق السمع. حتّى في أشد المناظر مرئيّةً؛ نرى أنّ للصوتِ محلٌ في ولوجها بداخلنا، فنحن لا نلتذُ بمشهدِ الشلال المتدفق دون إصغاءنا لخرير مياهه النازلة، ولا يؤثر فينا خطاب أحدهم إزاءنا بمثل ما إذ كان منطوقًا، حيث تلعب نبرة الصوت واللكنة واللُّغة المُستعملة الجانب الأوسع في نفاذهِ إلينا. وهنا يستحضرني قولٌ بليغٌ لنجيب محفوظ قد قرأته منذُ زمنٍ بعيد: «قد أنسى ما قالوه لي يومًا، لكني لا أنسى أبدًا ما جعلوني أشعرُ بهِ!».

«إنّ الأُنثى تقف أقرب من الذكر إلى الكونيّ، وجذورها تضرب أعمق من جذوره في التربة، وهي تشترك اشتراكًا مُباشرًا في الإيقاعات الدوريّة العظمى للطبيعة. أمّا الذكر فهو أوسع حريّةً وانطلاقًا منها، وهو أكثر حيوانيّةً وحركةً-وذلك في ميادين الإحساس والفهم كما في غيرها-وأشدُّ تنبهًا وتوترًا. إنّ الذكر يخبر المصير خبرة حيّة، ويُدرك السببيّة، والمنطق السببيّ للمصير. أمّا الأُنثى فهي على العكس منه، إذ أنّها هي نفسها المصير والزمان والمنطق العضويّ للصيرورة. ولهذا السبب بالذات؛ فإنّ مبدأ السببيّة، مبدأ غريب أبدًا ودومًا عنها. فالإله الأسمى لم يكن أبدًا بذاته مصيرًا، إذ كان إمّا ممثلًا للمصير أو سيدًا له، تمامًا كالرجل الذي يمثل المرأة أو يسيطر عليها».
– تدهور الحضارة الغربية، ج٢، ص٤٨٠
«أما تاريخ المؤنث فهو التاريخ الأولي الخالد الأموميّ الشبيه بالنبات، وذلك لأنّ في النبات دائمًا شيئًا ما أنثويًا داخله. إنّه التاريخ اللاحضاريّ لتعاقب الأجيال الذي لا يفنى أبدًا أو يتغير، بل يمر هامدًا باطراد خلال كينونة كلّ أنواع الحيوان والإنسان، وخلال الحضارات التي امتد بها الأجل قليلًا من الزمن. وهو حين استذكاره مرادف الحياة نفسها، وهذا التاريخ أيضًا لا تنقصه معاركه ومآسيه».
– تدهور الحضارة الغربية، ج٢، ص٤٨١
«إنّ المرأة هي تاريخ العالم، فهي بحبلها وولادتها تهتم باستمرارية الدم، والأم الضامة طفلها هي الشعار الاعظم للحياة الكونيّة. وعلى كلّ حال فالرجل هو الذي يصنع التاريخ، الذي هو معركة لا تنتهي تدور من أجل حفظ تلك الحياة الأخرى، فالاهتمام الأموميّ يتممه ويوازيه الاهتمام الأبويّ بطبيعة الأمر».
– تدهور الحضارة الغربية، ج٢، ص٥٤٠

photo content

في السياق نفسه: يُشير اسوالد اِشبنغلر إلى ثنائية المُذكر والمؤنث فيما يخص الزمن وموقعها منه، واضعًا الأنوثة مجرى المادة المتضمنة لمعنى الزمن والمصير، إنْ لم تكن مطابقة لهما. بينما يصنف الذكورة على كونها مالكة لكلّ ما سبق ذكره، مما يجعلها متسيدةً على الزمن والمصير، أي على الأنثويّ. لو محصنا هذا التقسيم مَليًا، سنرصدُ توغله في أدقِ مسانيد وجودنا، فحتّى ما نتبناهُ من قيمٍ قد يصح تصنيفها وفق هذه الثنائيّة، باعتبارها لا تتعلق بالهُويّة الخاصة للجنسين فقط، إنّما تتعداها لتصور أوسع شمولًا. فكلّ كيانٍ لهُ علاقة بما هو «كونيّ»، سنجدُ أنّ دلالته أنثويّة خالصة، وكلّ مفهومٍ يحظي بسيادةٍ على ذلك «الكونيّ»، هو ذكوريّ بطبعهِ.

ليس للزمنِ ثيمة تتنافرُ مع الطبيعة والأنثى، فجميع مساراته تستقي روافدها منهما، وكلاهما ينسجمُ ضمن التوليفة الزمنيّة التي تُشكّل العالم. الزمان والطبيعة هما أصلانِ لكلّ قيمةٍ كونيّة، وما المرأةُ إلّا تمثيلٌ لهما، فهي موردٌ بشريّ لما يحوزه القوامون على الوجود. شأنها شأن الطبيعة التي يستملكها الرجلُ ويُطوِّعُها لمآربه، ومُشاكهة لخط الزمن الذي يُنوط بالغايات، رغم عبثيّتهِ وخُوَائهِ. بالنسبة لي، بصفتي كائنًا لا يُطيق قيم الاصطناع-وأعني ما يُضافُ على الهِبَات الصافيّة-قد تبوأت الأنثى عندي بجانب الطبيعيّ: مكانةً باعثةً على الوضوح، ونسقًا يؤلب الشعور بحقيقة الأشياء ونطاقها الزمنيّ، فأنا مع أنثاي، لا أشبهُ نفسي حينما أكونُ مع الآخرين! برفقة حبيبتي يُمسي كلّ شيء مَيّالًا للإحساس بالكون: بدءًا من الزمن الذي تصير سويعاته أكثر طولًا، حيثُ أنّ جميع اللحظات تُحفَرُ تفاصيلها داخل روحي بغير غفلة. وصولًا بالطبيعة التي تهبني شعورًا نافذًا تجاه حواسي؛ فتَشَابُكُ كفّي بكفّها مثلًا يمنحني إحساسًا هائلًا بذراعي، والإصغاء لضحكتها يجعلني أوقنُ بمرونة السمع لديّ، وحتّى أشدُّ الأمورِ بساطةً كالمشي وتناول الطعام؛ تغدو بقربها أكثرَ وضوحًا وتأثيرًا! إنّ تملُك الأنثى وحيازة وجودها؛ هو في بعدهِ الخفيّ تفتيشٌ عن جواب المعنى، لأنّ الرجلَ الحقّ يعلمُ في قَرارةِ نفسهِ أنّ الهوى ليس هو الغاية المُثلى التي تفسر تعطشهِ لقرينه، بل ما ينشدهُ حقًا: هو سقي جماح معناه، تلك الرغبة التي تننقبُ خلف محاولاتهِ المضنية لمجابهة الزمن والطبيعة، وبالتالي استرداد المعنى المفقود! وعلى نحوٍ خاص: ما لبثت جدليةُ الوجودِ، سواء بجنبتها المكانيّة أو الزمانيّة؛ تستنطقُ شعوري بالتيه حينًا، والخواء في أحايين أخرى-بقطع النظر عما أبذلهُ للفكاك من عبأ الشعور-غير أنّ الوصلَ بمن أُحِبُّ كان يُعيدُ تشكيل هُوية الأشياء.

في الهُدنةِ مع الأشياء: ليست الذّات وحدها التي تستكنُ عن الحركة، إنّما الوجود برُمَّتهِ يغدو ساكنًا تحتَ مرأى المُهادِن، فالمرءُ لا يرى إلّا ما تُوعِزُهُ السرائر، ويواريهِ منظار النّفس. بَيدَ أنّ الرتابة التي ينعمُ بها العالم الخارجيّ بعد مُهادَنَتِهِ؛ هي وليدة لاعتبارات الفرد الضّامرة، لأنّ الخارج هو مرآة لما يعتمل داخليًا! مهما تقعَّرت عدستها، وبدت الرُّؤية فيها مُشوشةً؛ تظلُّ بمثابةِ العاكس عن جوهرِ الرُّوح البشريّة. للهُدنة تجلّيان لمن ينضوي داخلها: التجلّي الأوَّل يتمثّلُ في لاجدوى الانفعال، والآخر متعلقٌ بمعيارِ الذّات، كون الهُدنة تُلازمُ الانفكاك عن المشهدِ بادئ ذي بدء، وبذا تُعيدُ التّمحيصَ بما فُعِلَ قدمًا، وهذا هو الأصل الذي يُفضي للقول باللاجدوى فالجدوى تفيد الدّيمومة لا الافتراق. ولَئِن حكمَ الإنسان بقيدِ التأمُّل على الانفعالات المنصرمة؛ سينكشفُ وقتئذٍ حدُّ الحُكمِ مُشكلًا بخلجاتِ الذّات دون أدنى شكّ. إنّ سنخ التهادن ليس باعثه الاضطرار، كمثلِ ساحاتِ المجابهة، وإنّما يجنحُ كثيرًا من وفرة خيارات المرء، فما كان مرجعهُ الذات لا خلافها، سيكون أوطدَ تضلعًا بالإرادة!