ar
Feedback
إِعرَاب اَلقُرآن الكرِيم

إِعرَاب اَلقُرآن الكرِيم

الذهاب إلى القناة على Telegram

إظهار المزيد
لم يتم تحديد البلدالفئة غير محددة
325
المشتركون
لا توجد بيانات24 ساعات
+27 أيام
+1930 أيام
أرشيف المشاركات
إعراب مفصل
الدر المصون للسمين الحلبي سورة البقرة آية ١٢٦ قوله تعالى: {اجعل هذا بَلَداً آمِناً} : الجَعْلُ هنا بمعنى التصيير فيتعدَّى لاثنين ف «هذا» مفعولٌ أولُ و «بلداً» مفعولٌ ثانٍ، والمعنى: اجْعَلْ هذا البلدَ أو هذا المكانَ. و «آمناً» صفةٌ أي ذا أَمْن نحو: «عيشةٌ راضيةٌ» أو آمِناً مَنْ فِيه نحو: ليلةٌ نائمٌ. / والبلدُ معروفٌ وفي تسميته قولان، أحدُهما: أنه مأخوذُ من البَلْدِ. والبَلْدُ في الأصل: الصَّدْر يقال: وضَعَتِ الناقةُ بَلْدَتها إذا بَرَكَتْ أي: صدرَها، والبَلَدُ صدرُ القُرى فسُمِّي بذلك. والثاني: أنَّ البلدَ في الأصل الأثَرُ ومنه: رجلٌ بَليد لتأثير الجهل فيه، وقيل لِبَرْكَةِ البعيرِ «بَلْدَة» لتأثيرِها في الأرض إذا بَرَك قال: 719 - أُنِيخَتْ فأَلْقَتْ بَلْدَةً فوق بلْدةٍ ... قليلٌ بها الأصواتُ إلاَّ بُغامُها قوله: {مَنْ آمَنَ} بدلُ بعضٍ من كل وهو «أهلَه» ولذلك عادَ فيه ضميرٌ على المُبْدَلِ منه، و «مِنْ» في «مِن الثمرات» للتبعيضِ. وقيل: للبيانِ، وليس بشيءٍ إذ لم يتقدَّمُ مُبْهَمٌ يبيَّنُ بها. قولُه: {وَمَن كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ} يجوزُ في «مَنْ» ثلاثة أوجه، أحدها: أن تكونَ موصولةً، وفي محلِّها حينئذٍ وجهان، أحدُهما: أنَّها في محلِّ نصبٍ بفعلٍ محذوفٍ تقديرُه، قال اللهُ وأرزقُ مَنْ كَفَرَ، ويكونُ «فأمتِّعُه» معطوفاً على هذا الفعلِ المقدَّرِ. والثاني من الوجهين: أن يكونَ في محلِّ رفعٍ بالابتداء و «فأمتِّعُه» الخبرَ، دَخَلَت الفاءُ في الخبرِ تشبيهاً له بالشرطِ، وسيأتي أنَّ أبا البقاء يمنعُ هذا والردُّ عليه. الثاني من الثلاثةِ الأوجهِ: أن تكونَ نكرةً موصوفةً ذكرَه أبو البقاء، والحكمُ فيها ما تقدَّم من كونِها في محلِّ نصبٍ أو رفع. الثالث: أن تكونَ شرطيةً ومحلُّها الرفعُ على الابتداءِ فقط، و «فأمتِّعُه» جوابُ الشرط. ولا يجوزُ في «مَنْ» في جميع وجوهِها أَنْ تكونَ منصوبةً على الاشتغال، أمَّا إذا كانَتْ شرطاً فظاهرٌ لأنَّ الشرطيةَ إنما يفسِّر عاملَها فعلُ الشرطِ لا الجزاءُ، وفعلُ الشرطِ هنا غيرُ ناصبٍ لضميرِها بل رافعُه، وأمَّا إذا كانت موصولةً فلأنَّ الخبرَ الذي هو «فأمتِّعه» شبيهٌ بالجَزاء ولذلك دَخَلَتْه الفاءُ، فكما أن الجزاءَ لا يفسِّر عاملاً فما أشبهَه أَوْلى بذلك، وكذا إذا كانَتْ موصوفةً فإنَّ الصفةَ لا تُفَسِّرُ. وقال أبو البقاء: «لا يجوزُ أن تكونَ» مَنْ «مبتدأ و» فأمتِّعُه «الخبرَ، لأنَّ» الذي «لا تدخُل الفاءُ في خبرها إلا إذا كان الخبرُ مُسْتَحِقَّاً بالصلةِ نحو: الذي يأتيني فله درهمٌ، والكفرُ لا يَسْتَحِقُّ به التمتُّعُ، فإنْ جَعَلْتَ الفاءَ زائدةً على قولِ الأخفش جازَ، أو [جعلت] الخبرَ محذوفاً و» فأمتِّعُه «دليلاً عليه جاز، تقديرُه: ومَنْ كَفَرَ أرزُقُه فَأمتِّعه. ويجوز أَنْ تكونَ «مَنْ» شرطيةً والفاءُ جوابَها. وقيل: الجوابُ محذوفٌ تقديرُه: ومَنْ كَفَرَ أرزُقْ، و «مَنْ» على هذا رفعٌ بالابتداءِ، ولا يجوزُ أَنْ تكونَ منصوبةً لأن أداةَ الشرطِ لا يَعْمل فيها جوابُها بل فعلُ الشرطِ «. انتهى. أمَّا قولُه:» لأنَّ الكفرَ لا يَسْتِحقُّ به التمتُّعُ «فليس بِمُسَلَّم، بل التمتعُ القليلُ والمصيرُ إلى النار مُسْتَحِقَّان بالكفرِ، وأيضاً فإنَّ التمتعَ إنْ سَلَّمْنا أنَّه ليس مُسْتَحِقاً بالكفر، ولكن قد عُطِفَ عليه ما هو مُسْتَحِقٌ به وهو المصيرُ إلى النار فناسَبَ ذلك أنْ يَقَعا جميعاً خبراً، وأيضاً فقد ناقَض كلامَه لأنه جَوَّز فيها أن تكونَ شرطيةً، وهل الجزاءُ إلا مُسْتَحِقٌّ بالشرط ومُتَرَتِّبٌ عليه فكذلك الخبرُ المُشَبَّهُ به. وأما تجويزُه زيادةَ الفاءِ وحَذْفَ الخبر أو جوابَ الشرطِ فأوجهٌ بعيدة لا حاجةَ إليها. وقرىء: أُمْتِعُه مخففاً من أَمْتَع يُمْتِعُ وهي قراءةُ ابنِ عامر، وفَأُمْتِعُّه بسكونِ العينِ وفيها وجهان: أحدُهما: أنه تخفيفٌ كقولِه: 720 - فاليومَ أشربْ غيرَ مُسْتَحْقِبٍ ... . . . . . . . . . . . . . . . . . . . والثاني: أنَّ الفاءَ زائدةٌ وهو جوابُ الشرط فلذلك جُزِمَ بالسكونِ. وقرأ ابنُ عباس ومجاهد {فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلاً ثُمَّ أَضْطَرُّهُ} على صيغةِ الأمر فيهما، ووجهُها أَنْ يكونَ الضميرُ في» قال «لإِبراهيم، يعني سألَ ربَّه ذلكَ، و» مَنْ «على هذه القراءة يجوز أن تكونَ مبتدأ وأن تكونَ منصوبة على الاشتغال بإضمارِ فعلٍ سواءً جَعَلْتَها موصولةً أو شرطيةً، إلا أنك إذا جَعَلْتَها شرطيةً قَدَّرْتَ الناصبَ لها متأخراً عنها لأنَّ أداة الشرط لها صدرُ الكلامِ. وقال الزمخشري: {وَمَن كَفَرَ} عَطْفٌ على» مَنْ آمَنَ «كما عَطَفَ» ومِنْ ذريتي «على الكافِ في» جاعِلُك «.

ملخص الإعراب
{ وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ قَالَ وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ ( البقرة: 126 ) } ﴿وَإِذْ﴾: الواو حرف عطف مبني على الفتح، إذ: ظرف لما مضى من الزمان مبنيّ على السكون في محلّ نصب متعلِّق بفعل محذوف تقديره: اذكر. ﴿قَالَ﴾: فعل ماض مبنيّ على الفتح الظاهر. ﴿إِبْرَاهِيمُ﴾: فاعل مرفوع، وعلامة رفعه الضمة الظاهرة، وجملة "قال إبراهيم" في محلّ جرّ بإضافة "إذ" إليها. ﴿رَبِ﴾: منادي حُذِف منه حرف النداء منصوب، وعلامة نصبه الفتحة المقدرة على ما قبل ياء المتكلم المحذوفة للتخفيف، منع من ظهورها اشتغال المحلّ بالحركة المناسبة للياء، والياء المحذوفة ضمير متّصل مبني على السكون في محلّ جرّ مضاف إليه. وجملة النداء في محلّ نصب "مقول القول". ﴿اجْعَلْ﴾: فعل أمر مبنيّ على السكون، والفاعل ضمير مستتر فيه وجوبًا تقديره: أنت. ﴿هَذَا﴾: حرف تنبيه مبني على الفتح لا محل له من الإعراب، وذا: اسم إشارة مبنيّ على السكون في محلّ نصب مفعول به أول. ﴿بَلَدًا﴾: مفعول به ثان منصوب، وعلامة نصبه الفتحة الظاهرة. ﴿ءَامِنًا﴾: صفة بلد منصوبة مثله، وعلامة نصبه الفتحة الظاهرة. وجملة "اجعل هذا بلدًا آمنًا" استئنافية لا محلّ لها من الإعراب. ﴿وَارْزُقْ﴾: الواو حرف عطف مبنيّ على الفتح، ارزق: فعل أمر مبنيّ على السكون، والفاعل ضمير مستتر فيه وجوبًا تقديره: أنت. ﴿أَهْلَهُ﴾: أهل: مفعول به منصوب وعلامة نصبه الفتحة الظاهرة، وأهل مضاف، و "الهاء": ضمير متّصل مبني على الضمّ في محلّ جرّ مضاف إليه. وجملة "ارزق أهله" معطوفة على جملة "اجعل" لا محلّ لها من الإعراب. ﴿مِنَ﴾: حرف جرّ مبنيّ على السكون. ﴿الثَّمَرَاتِ﴾: اسم مجرور بمن وعلامة جره الكسرة الظاهرة. والجارّ والمجرور متعلّقان بالفعل "ارزق" وهما في محلّ نصب مفعول به ثان. ﴿مَنْ﴾: اسم موصول مبنيّ على السكون في محلّ نصب بدل من "أهله" بدل بعض من كلّ. ﴿ءَامَنَ﴾: فعل ماض مبنيّ على الفتح، والفاعل ضمير مستتر فيه جوازًا تقديره: هو، والجملة صلة الموصول لا محلّ لها من الإعراب. ﴿مِنْهُم﴾: من: حرف جرّ مبنيّ على السكون لا محلّ له من الإعراب، والهاء: ضمير متّصل مبني على الضمّ في محلّ جرّ بمن، و "الميم": علامة جمع الذكور. والجارّ والمجرور متعلّقان بمحذوف حال من الفاعل المستتر في "آمن". ﴿بِاللهِ﴾: الباء: حرف جرّ مبنيّ على الكسر لا محلّ له من الإعراب. الله: لفظ الجلالة اسم مخفوض باللام، وعلامة خفضه الكسرة الظاهرة. والخافض والمخفوض متعلّقان بالفعل "آمن". ﴿وَالْيَوْمِ﴾: الواو حرف عطف مبنيّ على الفتح، اليوم: معطوف على لفظ الجلالة مجرور، وعلامة جره الكسرة الظاهرة. ﴿الأَخِرِ﴾: صفة "اليوم" مجرورة، وعلامة جرها الكسرة الظاهرة. ﴿قَالَ﴾: فعل ماض مبنيّ على الفتح والفاعل ضمير مستتر فيه جوازًا تقديره: هو يعود إلى الله سبحانه وتعالى. وجملة "قال" استئنافية لا محلّ لها من الإعراب. ﴿وَمَن﴾: الواو حرف عطف مبنيّ على الفتح لا محلّ له من الإعراب، من: اسم موصول مبنيّ على السكون في محلّ نصب مفعول به لفعل محذوف تقديره: ارزق. وجملة "ارزقْ من كفر" في محلّ مصب معطوفة على مقول قول مقدَّر، والتقدير: ارزقه وارزق من كفر. ﴿كَفَرَ﴾: فعل ماض مبنيّ على الفتح والفاعل ضمير مستتر فيه جوازًا تقديره: هو يعود إلى من، والجملة "من كفر" صلة الموصول لا محلّ لها من الإعراب. ﴿فَأُمَتِعُهُ﴾: الفاء: حرف عطف حرف مبنيّ على الفتح لا محلّ له من الإعراب، أمتعه: فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه الضمة الظاهرة، و "الهاء": ضمير متّصل مبني على الضمّ في محلّ نصب مفعول به، والجملة معطوفة على الجملة "ارزق" المحذوفة في محلّ نصب. ﴿قَلِيلًا﴾: مفعول مطلق منصوب وعلامة نصبه الفتحة الظّاهرة على آخره. ﴿ثُمَّ﴾: حرف عطف مبنيّ على الفتح لا محلّ له من الإعراب. ﴿أَضْطَرُّهُ﴾: فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه الضمة الظاهرة، والفاعل ضمير مستتر فيه وجوبًا تقديره: أنا يعود إلى لفظ الجلالة، و "الهاء": ضمير متّصل مبني على السكون في محلّ نصب مفعول به. وجملة "اضطره" معطوفة على جملة "أمتعه" في محلّ نصب. ﴿إِلَى﴾: حرف جرّ مبنيّ على السكون لا محلّ له من الإعراب. ﴿عَذَابِ﴾: اسم مجرور بإلي، وعلامة جره الكسرة الظاهرة. والجارّ والمجرور متعلّقان بالفعل "اضطرّه"، وعذاب مضاف. ﴿النَّارِ﴾: مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الكسرة الظاهرة. ﴿وَبِئْسَ﴾: الواو حرف استئناف مبنيّ على الفتح لا محلّ له من الإعراب، بئس: فعل جامد للذم مبنيّ على الفتح لا محلّ له من الإعراب. ﴿المَصِيرُ﴾: فاعل "بئس" مرفوع، وعلامة رفعه الضمة الظاهرة. والمخصوص بالذم محذوف، والتقدير: وبئس المصير مصيره. وجملة "بئس المصير" استئنافية لا محلّ لها من الإعراب.

وخولف بين الركوع والسجود زيادةٌ في التفنن وإلا فإن الساجد يجمع على سجدٍ إلا أن الأكثر فيهما إذا اقترنا أن يخالف بين صيغتيهما قال كثيرٌ: لو يسمعون كما سمعت كلامها ... خروا لعزة ركعًا وسجودًا وقد علمتم من النحو والصرف أن جمع فاعلٍ على فعولٍ سماعيٌّ فمنه شهودٌ وهجوعٌ وهجودٌ وسجودٌ. ولم يعطف السجود على (الركعِ) لأن الوصفين متلازمان ولو عطف لتوهم أنهما وصفان مفترقان.

فائدة
كتاب التحرير والتنوير سورة البقرة آية ١٢٥ (وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقامِ إِبْراهِيمَ مُصَلًّى وَعَهِدْنا إِلى إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ أَنْ طَهِّرا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ (125) تدرجٌ في ذكر منقبة إبراهيم إذ جعل الله بيته بهذه الفضيلةِ. وأعيدت (إذْ) للتنبيه على استقلال القصة وأنها جديرةٌ بأن تعد بنيةٍ أخرى، ولا التفاتَ إلى حصول مضمون هذه بعد حصول الأخرى أو قبله إذ لا غرضَ في ذلك في مقام ذكر الفضائل، ولأن الواو لا تفيد ترتيبًا. والأمن مصدرٌ أخبر به عن البيت باعتبار أنه سبب أمنٍ فجعل كأنه نفس الأمن مبالغةً. والأمن حفظُ الناس من الأضرار فتشريد الدعار وحراسة البلاد وتمهيد السبل وإنارة الطرق أمنٌ، والانتصاف من الجناة والضرب على أيدي الظلمة وإرجاع الحقوق إلى أهلها أمنٌ، فالأمن يفسر في كل حالٍ بما يناسبه، ولما كان الغالب على أحوال الجاهلية أخذ القوي مال الضعيف ولم يكن بينهم تحاكمٌ ولا شريعةٌ كان الأمن يومئذٍ هو الحيلولة بين القوي والضعيف، فجعل الله لهم البيت أمنًا للناس يومئذٍ أي يصد القوي عن أن يتناول فيه الضعيف قال تعالى: (أولم يروا أنا جعلنا حرمًا آمنًا ويتخطف الناس من حولهم) [العنكبوت: 67] فهذه منةٌ على أهل الجاهلية، وأما في الإسلام فقد أغنى الله تعالى بما شرعه من أحكامه وما أقامه من حكامه فكان ذلك أمنًا كافيًا. قال السهيلي فقولُه تعالى: (مقام إبراهيم ومن دخله كان آمنًا) [آل عمران: 97] إنما هو إخبارٌ عن تعظيم حرمته في الجاهلية نعمةٌ منه تعالى على أهل مكة فكان في ذلك مصلحةٌ لذرية إسماعيل عليه السلامُ. والمراد من الجعل في الآية إما الجعل التكويني لأنه قدره الله وأوجد أسبابه فاستقر ذلك بين أهل الجاهلية ويسرهم إلى تعظيمه، وإما الجعل أن أمر الله إبراهيم بذلك فأبلغه إبراهيم ابنه إسماعيل وبثه في ذريته فتلقاه أعقابهم تلقي الأمور المسلمة، فدام ذلك الأمن في العصور والأجيال من عهد إبراهيم عليه السلام إلى أن أغنى الله عنه بما شرع من أحكام الأمن في الإسلام في كل مكانٍ وتم مراد الله تعالى، فلا يريبكم ما حدث في المسجد الحرام من الخوف في حصار الحجاج في فتنة ابن الزبير ولا ما حدث فيه من الرعب والقتل والنهب في زمن القرامطة حين غزاه الحسن ابن بهرام الجنابي (نسبةٌ إلى بلدةٍ يقال لها جنابة بتشديد النونِ) كبير القرامطة إذ قتل بمكة آلافًا من الناس وكان يقول لهم يا كلابُ أليس قال لكم محمد المكي (ومن دخله كان آمنًا) أي أمنٍ هنا؟ وهو جاهلٌ غبيٌّ لأن الله أراد الأمر بأن يجعل المسجد الحرام مأمنًا في مدة الجاهلية إذ لم يكن للناس وازعٌ عن الظلم، أو هو خبرٌ مرادٌ به الأمر مثل (والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروءٍ) [البقرة: 228]. وقولُه: (واتخذوا من مقام إبراهيم مصلىً) قرأه نافعٌ وابن عامرٍ بصيغة الماضي عطفًا على جعلنا فيكون هذا الاتخاذ من آثار ذلك الجعل فالمعنى ألهمنا الناس أن يتخذوا من مقام إبراهيم مصلى، أو أمرناهم بذلك على لسان إبراهيم فامتثلوا واتخذوه، فهو للدلالة على حصول الجعل بطريق دلالة الاقتضاء فكأنه قيل جعلنا ذلك فاتخذوا. وقرأه باقي العشرة بكسر الخاءِ بصيغة الأمر على تقدير القول أي قلنا اتخذوا بقرينة الخطاب فيكون العامل المعطوف محذوفًا بالقرينة وبقي معموله كقول لبيدٍ: فعلا فروع الأيهقان وأطفلت ... بالجلهتين ظباؤها ونعامها أراد وباضت نعامها فإنه لا يقال لأفراخ الطير أطفالٌ، فمآل القراءتين إلى مفادٍ واحدٍ. والمراد من تطهير البيت ما يدل عليه لفظ التطهير من محسوسٍ بأن يحفظ من القاذورات والأوساخ ليكون المتعبد فيه مقبلًا على العبادة دون تكديرٍ، ومن تطهيرٍ معنويٍّ. وهو أن يبعد عنه ما لا يليق بالقصد من بنائه من الأصنام والأفعال المنافية للحق كالعدوان والفسوق، والمنافية للمروءة كالطواف عريًا دون ثياب الرجال والنساءِ. وفي هذا تعريضٌ بأن المشركين ليسوا أهلًا لعمارة المسجد الحرام لأنهم لم يطهروه مما يجب تطهيره منه قال تعالى: (وما كانوا أولياءه إن أولياؤه إلا المتقون) [الأنفال: 34] وقال: (ياأيها الذين آمنوا إنما المشركون نجسٌ) [التوبة: 28]. وقد جمع الطائف والعاكف جمع سلامةٍ، وجمع الراكع والساجد جمع تكسيرٍ، تفننًا في الكلام وبعدًا عن تكرير الصيغة أكثر من مرةٍ بخلاف نحو قوله: (مسلماتٍ مؤمناتٍ قانتاتٍ تائباتٍ) [التحريم: 5] الآية، وقوله: (إن المسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمناتِ) [الأحزاب: 35] الآية، وقال ابن عرفة «جمع الطائفين والعاكفين جمع سلامةٍ لأنه أقرب إلى لفظ الفعل بمنزلة يطوفون أي يجددون الطواف للإشعار بعلة تطهير البيت وهو قرب هذين من البيت بخلاف الركوع والسجود فإنه لا يلزم أن يكونا في البيت ولا عنده فلذلك لم يجمع جمع سلامةٍ»، وهذا الكلام يؤذن بالفرق بين جمع السلامة وجمع التكسير من حيث الإشعار بالحدوث والتجددِ.

والثاني: أن تكونَ مصدريةً وخَرَجَتْ عن نظائرِها في جوازِ وَصْلِها بالجملةِ الأمريَّة قالوا:» كتبْتُ إليه بأَنْ قُمْ «وفيها بحثٌ ليس هذا موضعَه، والأصلُ: بأَنْ طَهِّرا، ثم حُذِفَتِ الباءُ فيَجيءُ فيها الخلافُ المشهورُ من كونِها في محل نصبِ أو خفضٍ. و» بيتي «مفعولٌ به أُضيف إليه تعالى تشريفاً. والطائفُ اسم فاعلٍ من طَاف يَطُوف، ويقال: أَطَاف رباعياً، قال: 716 - أَطَافَتْ به جَيْلانُ عند قِطاعِه ... . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . وهذا من باب فَعَل وأَفْعَل بمعنىً. والعُكوفُ لغةً: اللزومُ والَّلْبثُ، قال: 717 -. . . . . . . . . . . . . . . . ... عليه الطيرُ ترقبُه عُكوفا وقال: 718 - عَكْفَ النَّبِيطِ يَلْعَبُون الفَنْرَجا ... ويقال: عَكَفَ يَعْكُف ويعكِف، بالفتحِ في الماضي والضمِّ والكسرِ في المضارع، وقد قُرِىء بهما. و» السجودُ «يجوز فيه وجهان، أحدُهُما: أنه جمع ساجِد نحو: قاعِد وقُعود، وراقِد ورُقُود، وهو مناسبٌ لِما قبله. والثاني: أنه مصدرٌ نحو: الدُّخول والقُعُود، فعلى هذا لا بُدَّ من حَذْفِ مضافٍ أي: ذوي السجودِ ذكرَه أبو البقاء. وعَطَفَ أحد الوصفينِ على الآخر في قوله: الطائفين والعاكفين لتباينِ ما بينهما، ولم يَعْطِفْ إحدى الصفتينِ على الأخرى في قوله: الرُّكَّعِ السجودِ، لأنَّ المرادَ بهما شيءٌُ واحدٌ وهو الصلاةُ إذ لو عَطَفَ لَتُوُهِّم أنَّ كلَّ واحدٍ منهما عبادةٌ على حِيالها، وجَمَعَ صفتين جَمْع سلامة وأُخْرَيَيْنِ جمع تكسيرٍ لأجلِ المقابلةِ وهو نوعٌ من الفَصاحةِ، وأخَّر صيغةَ فُعول على فُعَّلَ لأنها فاصلة.

إعراب مفصل
الدر المصون للسمين الحلبي سورة البقرة آية ١٢٥ قوله تعالى: {وَإِذْ جَعَلْنَا البيت} : «إذ» عَطْفٌ على «إذْ» قبلَها، وقد تقدَّم الكلامُ فيها، و «جَعَلْنا» يحتمل أن يكونَ بمعنى «خَلَقَ» و «وَضَعَ» فيتعدَّى لواحدٍ وهو «البَيْت» ، ويكون «مَثَابةً» نصباً على الحالِ، وأن يكونَ بمعنى صَيَّر فيتعدَّى لاثنين، فيكون «مثابةً» هو المفعولُ الثاني. والأصلُ في «مَثَابة» مَثْوَبة، فَأُعِلَّ بالنقلِ والقلبِ، وهل هو مصدرٌ أو اسمُ مكانٍ قولان؟ وهل الهاءُ فيه للمبالغةِ كعَلاَّمة ونسَّابة لكثرةِ مَنْ يَثُوب إليه أي يرجع أو لتأنيث المصدرِ كمقامة أو لتأنيثِ البقعة؟ ثلاثةُ أقوال، وقد جاء حَذْفُ هذه الهاءِ قال ورقة بن نوقل: 712 - مَثَابٌ لأَفْناءِ القبائلِ كلِّها ... تَخُبُّ إليها اليَعْمَلاتُ الذَّوامِلُ وقال: 713 - جَعَلَ البيتَ مثاباً لهُمُ ... ليس منه الدهرَ يَقْضُون الوطَرْ وهل معناه من ثابَ يَثُوب أي: رَجَع، أو من الثوابِ الذي هو الجزاء؟ قولان أظهرُهما أوَّلُهما. وقرأ الأعمش وطلحة: «مَثَابَاتٍ» جَمْعاً، ووجهُه أنه مثابةٌ لكلِّ واحدٍ من الناس. قوله: {لِّلنَّاسِ} فيه وجهان، أحدُهما: أنه متعلِّقٌ بمحذوفٍ لأنه صفةٌ لمثابة ومَحَلُّه النصبُ. والثاني: أنه متعلِّقٌ بجَعَلَ أي: لأجلِ الناسِ يعني مناسكَهم. قوله: {وَأَمْناً} فيه وجهان، أحدُهما: أنه عَطْفٌ على «مَثَابة» وفيه التأويلاتُ المشهورةُ: إمَّا المبالغةُ في جَعْلِه نفس المصدر، وإمَّا على حَذْفِ مضافٍ أي: ذا أَمْن، وإمَّا على وقوعِ المصدرِ موقعَ اسمِ الفاعل أي: آمِنَاً، على سبيل المجاز كقوله: «حَرَماً آمِناً» . والثاني: أنه معمولٌ لفعلٍ محذوفٍ تقديرُه: وإذ جَعَلْنَا البيتَ مثابةً فاجْعَلوه آمِناً لا يعتدي فيه أحدٌ على أحد. والمعنى: أن الله جَعَلَ البيتَ محترماً بحكمه، وربما يُؤَيَّد هذا بقراءَةِ: «اتَّخِذُوا» على الأمرِ فعلى هذا يكونُ «وأَمْناً» وما عَمِل فيه من باب عطفِ الجملِ عُطِفَت جملةٌ أمريةٌ على خبريةٍ، وعلى الأول يكون من عطف المفردات. قوله: {واتخذوا} قرأ نافعٌ وابنُ عامر: «واتَّخذوا» فعلاً ماضياً على لفظ الخبر، والباقون على لفظِ الأمرِ. فأمَّا قراءةُ الخبرِ ففيها ثلاثةُ أوجهٍ: أحدُها: أنه معطوفٌ على «جَعَلْنا» المخفوض ب «إذ» تقديراً فيكون الكلامُ جملةً واحدةً. الثاني: أنه معطوفٌ على مجموعِ قولِه: «وإذ جَعَلْنا» فيحتاجُ إلى تقديرِ «إذ» أي: وإذ اتخذوا، ويكون الكلامُ جملتين. الثالث: ذكره أبو البقاء أن يكونَ معطوفاً على محذوفٍ تقديرُه: فثابوا واتخذوا. وأمَّا قراءةُ الأمرِ ففيها أربعةُ أوجهٍ، أحدُها: أنَّها عَطفٌ على «اذكروا» إذا قيل بأنَّ الخطابَ هنا لبني إسرائيل، أي: اذكروا نعمتي واتخذوا. والثاني: أنها عطفٌ على الأمر الذي تَضَمَّنه قولُه: «مثابةً» كأنه قال: ثُوبوا واتَّخِذوا، ذكرَ هذين الوجهين المهدوي. الثالث: أنه معمولٌ لقولٍ محذوفٍ أي: وقُلْنا اتَّخِذوا إن قيل بأنَّ الخطابَ لإِبراهيمَ وذرّيَّتِه أو لمحمدٍ عليه السلام وأمَّتِه. الرابع: أن يكونَ مستأنفاً ذكرَه أبو البقاء. قوله: {مِن مَّقَامِ} في «مِنْ» ثلاثة أوجه: أحدُها: أنها تبعيضيةٌ وهذا هو الظاهرُ. الثاني: أنها بمعنى في. الثالث: أنها زائدةٌ على قولِ الأخفش. وليسا بشيء. والمَقامُ هنا مكانُ القيامِ، وهو يَصْلُح للزمانِ والمصدر أيضاً واصلُه: «مَقْوَم» فأُعِلَّ بنَقْلِ حركةِ الواوِ إلى الساكنِ قبلَها وقَلْبِها ألفاً، ويُعَبَّرُ به عن الجماعةِ مجازاً كما يُعَبَّر عنهم بالمجلسِ قال زهير: 714 - وفيهمْ مَقاماتٌ حِسانٌ وجوهُهمْ ... وأَنْدِيَةٌ يَنْتابُها القولُ والفِعْلُ قوله: {مُصَلًّى} مفعولُ «اتَّخِذُوا» ، وهو هنا اسمُ مكانٍ أيضاً، وجاءَ في التفسير بمعنى قِبْلة. وقيل: هو مصدرٌ: فلا بُدَّ من حَذْفِ مضافٍ أي: مكانَ صلاة، وألفهُ منقلبةٌ عن واوٍ، والأصلُ: «مُصَّلَّوَ» لأنَّ الصلاةَ من ذواتِ الواوِ كما تقدَّم أولَ الكتابِ. قوله: {وَإِسْمَاعِيلَ} إسماعيل عَلَمٌ أعجميٌّ وفيه لغتان: اللام والنونُ وعليه قولُ الشاعر: 715 - قال جواري الحَيِّ لمَّا جِينا ... هذا وربِّ البيتِ إسماعينا ويجمع على: سَماعِلة وسَماعيل وأساميع. ومن أَغْرَبِ ما نُقِلَ في التسمية به أنَّ إبراهيمَ عليه السلام لمَّا دعا الله أَنْ يرزقَه ولداً كان يقول: اسْمَعْ إيل اسْمَعْ إيل، وإيل هو الله تعالى فَسَمَّى ولدُه بذلك. قوله: {أَن طَهِّرَا} يَجوزُ في «أَنْ» وَجْهان، أحدُهما أنَّها تفسيريةٌ لجملةِ قولِه: «عِهِدْنا» فإنَه يتضمَّنُ معنى القولِ لأنَّه بمعنى أَمَرْنا أو وَصَّيْنا فهي بمنزلةِ «أي» التي للتفسيرِ، وشرطُ «أَنْ» التفسيريةِ أَنْ تَقَعَ بعدما هو بمعنى القولِ لا حروفِه. وقال أبو البقاء: «والمفسِّرةُ تقعُ بعد القولِ وما كان في معناه. وقد غَلِطَ في ذلك، وعلى هذا فلا محلَّ لها من الإِعرابِ.

ملخص الإعراب
{ وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ ( البقرة: 125 ) } ﴿وَإِذْ﴾: الواو حرف استئناف مبنيّ على الفتح لا محلّ له من الإعراب، إذ: ظرف لما مضى من الزمان مبنيّ على السكون في محلّ نصب بفعل محذوف تقديره: اذكر. ﴿جَعَلْنَا﴾: جعل فعل ماض مبنيّ على السكون لاتصاله بضمير رفع متحرك، و "نا" ضمير متّصل مبني على السكون في محلّ رفع فاعل. ﴿البَيْتَ﴾: مفعول به أول منصوب وعلامة نصبه الفتحة الظاهرة. ﴿مَثَابَةً﴾: مفعول به ثان منصوب وعلامة نصبه الفتحة الظاهرة. وجملة "جعلنا البيت مثابة" في محلّ جرّ بإضافة "إذ" إليها. ﴿لِلنَّاسِ﴾: اللام: حرف جرّ مبنيّ على الكسر لا محلّ له من الإعراب، "الناس" اسم مجرور باللام، وعلامة جره الكسرة الظاهرة. والجارّ والمجرور متعلّقان بالفعل "جعلنا". ﴿وَأَمْنًا﴾: معطوف على "مثابة" منصوب مثله، وعلامة نصبه الفتحة الظاهرة. ﴿وَاتَّخِذُوا﴾: الواو حرف عطف مبنيّ على الفتح لا محلّ له من الإعراب، اتخذوا: فعل أمر مبنيّ على حذف النون لأن مضارعه من الأفعال الخمسة، و "الواو" ضمير متّصل مبني على السكون في محلّ رفع فاعل، و "الألف" فارقة. ﴿مِن﴾: حرف جرّ مبنيّ على السكون لا محلّ له من الإعراب. ﴿مَّقَامِ﴾: اسم مجرور بمن، وعلامة جره الكسرة الظاهرة. والجارّ والمجرور متعلّقان بـ"اتخذوا"، ومقام مضاف. ﴿إِبَراهِيمَ﴾: مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الفتحة عوضًا عن الكسرة؛ لأنَّه ممنوع من الصرف للعلمية والعجمة. ﴿مُصَلَّى﴾: مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الفتحة المقدرة على الألف المحذوفة لالتقاء الساكنين. وجملة "اتخذوا" استئنافيّة لا محل لها من الإعراب. ﴿وَعَهِدْنَا﴾: الواو حرف استئناف مبنيّ على الفتح، عهد: فعل ماض مبنيّ على السكون لاتصاله بضمير رفع متحرك و "نا" ضمير متّصل مبني على السكون في محلّ رفع فاعل. وجملة "عهدنا" استئنافية لا محلّ لها من الإعراب. ﴿إِلَى﴾: حرف جرّ مبنيّ على السكون. ﴿إِبْرَاهِيمَ﴾: اسم مجرور بإلى، وعلامة الجرّ الفتحة عوضًا عن الكسرة؛ لأنَّه ممنوع من الصرف للعلمية والعجمة. والجارّ والمجرور متعلّقان بـ"عهدنا". ﴿وَإِسْمَاعِيلَ﴾: الواو حرف عطف مبنيّ على الفتح لا محلّ له من الإعراب، إسماعيل: معطوف على إبراهيم مجرور مثله، وعلامة جره الفتحة عوضًا عن الكسرة، لأنَّه ممنوع من الصرف للعلمية والعجمة. ﴿أَن﴾: حرف تفسير مبنيّ على السكون لا محلّ له من الإعراب. ﴿طَهْرًا﴾: فعل أمر مبنيّ على حذف النون؛ لأن مضارعه من الأفعال الخمسة، والألف ضمير متّصل مبني على السكون في محلّ رفع فاعل. والمصدر المؤوّل من "أن طهِّرا" في موضع نصب بنزع الخافض، والتقدير: بأن طَهِّرا. ﴿بَيْتِىَ﴾: مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الفتحة المقدرة على ما قبل ياء المتكلم منع من ظهورها اشتغال المحلّ بالحركة المناسبة للياء، والياء ضمير متّصل مبني على السكون في محلّ جرّ مضاف إليه. ﴿لِلطَّائِفِينَ﴾: اللام: حرف جرّ مبني على الفتح لا محلّ له من الإعراب، الطائفين: اسم مجرور باللام، وعلامة جره الياء؛ لأنَّه جمع مذكر سالم. والجارّ والمجرور متعلّقان بالفعل "طهِّرا". ﴿وَالْعَاكِفِينَ﴾: الواو حرف عطف مبني على الفتح. العاكفين: معطوف على "الطائفين" مجرور مثله، وعلامة جره الياء لأنَّه جمع مذكر سالم. ﴿وَالرُّكَّعِ﴾: الواو حرف عطف مبنيّ على الفتح، الركع: معطوف على ما قبله مجرور وعلامة جره الكسرة الظاهرة. وهو مضاف. ﴿السُّجُودِ﴾: مضاف إليه مجرور، وعلامة جرّه الكسرة الظاهرة. والتقدير: "الركّع ذوي السجود"، فالمضاف محذوف.

فائدة
إعراب القرآن وبيانه سورة البقرة آية ١٢٤ (وَإِذِ ابْتَلى إِبْراهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِماتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قالَ إِنِّي جاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِماماً قالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قالَ لا يَنالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ (124) في هذه الآية فن طريف من فنون البلاغة يقال له: فنّ المراجعة وهو أن يحكي المتكلم مراجعة في القول جرت بينه وبين محاور في الحديث أو بين اثنين غيره بأوجز عبارة، وأبلغ إشارة، وأرشق محاورة، مع عذوبة اللفظ وجزالته، وسهولة السبك، انظر إلى هذه القطعة من الكلام التي عدة ألفاظها ثلاث عشرة لفظة كيف جمعت معاني الكلام من الخبر والاستخبار، والأمر والنهي والوعد والوعيد وهذا هو التفصيل: 1 - الخبر في قوله: «إني جاعلك» وهو في الحقيقة وعد باستخلافه على الناس. ب - الاستخبار في ضمن الخبر لأنه فرع عليه إذ الخبر يصير استخبارا بتصدير ما يدلّ على الاستفهام. ج - الأمر في قوله: «ومن ذريتي» فإن معناه الطلب لذريته ما وعد به من الاستخلاف، فكأنه قال: رب وافعل ذلك لبعض ذريتي وكل طلب أمر لكنه إذا كان من الله سبحانه أوجب حسن الأدب أن يسمى دعاء ولا يطلق عليه لفظ الأمر وإن كان أمرا في أصل الوعد. د - النهي وهو في ضمن الأمر لأن الأمر بالشيء نهي عن ضده فكأن معناه ولا تحرم بعض ذريتي ذلك. هـ - الوعد تقدم بيانه في الخبر. والوعيد في قوله: «لا ينال عهدي الظالمين» فإن حاصل ذلك أن الظالمين من ذريتك لا ينالهم استخلافي وحرمان ذلك غاية الوعيد. ومن شواهد هذا الفن الشعرية قول عمر بن أبي ربيعة المخزومي: بيننا ينعتني ابصرنني ... دون قيد الميل يعدو بي الأغر قالت الكبرى: ترى من ذا الفتى؟ ... قالت الوسطى لها: هذا عمر قالت الصغرى وقد تيمتها ... قد عرفناه وهل يخفى القمر؟ وفي هذه الأبيات نكتتان بليغتان تدلان على قوة عارضة الشاعر صاحب الفستق المقشر، كما يسمون شعره، ومعرفته بوضع الكلام مواضعه وهما: 1 - أن قوافي الأبيات لو أطلقت لكانت كلها مرفوعة. 2 - أنه جعل التي عرفته من جملة البنات وعرّفت به وشبهته تشبيها يدل على شغفها بحبه هي الصغرى منه ليدل على أنه فتيّ السن بدليل الالتزام إذ الفتية من النساء لا تميل إلا إلى الفتى من الرجال غالبا ليدمج في ذلك عذره بالصّبوة وأنه إنما كان منه ذلك في أيام الشبيبة. 3 - ونكتة ثالثة تربو على جميع ما تقدم وهي في التذييل الذي أخرجه مخرج المثل السائر حيث قال في الحكاية عنها: وهل يخفى القمر ولا يحسب أحد أن الصغرى مالت إليه لغرارتها وضعف عقلها وتقاصره عن التمييز وقلة التجربة، ذلك أنه أخبر عن الكبرى أنها ما كانت تعرفه وقد راقها وشغفها حبا حين رأته حتى لم تتمالك عن التساؤل عنه، أو أنها عارفة به وإنما سألت عنه تغطية لأمرها وتعمية فيه من باب تجاهل العارف، إما إظهارا لفرط التّولّه والتّدلّه في الحب أو لأنها كانت تنتظر أن تجاب باسمه فتلتذ بسمعه، أما الوسطى فقد صرحت باسمه لأن منزلتها في رجاحة العقل وحصافته ورصانة اللب ونزاهته دون منزلة الكبرى فلما سترت الكبرى نفسها بالسؤال عنه لما يقتضيه عقلها صرحت الوسطى باسمه ومعرفته بالنسبة وأبانت الصغرى عما في نفسها منه بوصفها له بصفة تدل على عظم مكانته من قلبها لمكان سنها من الأختين وهذا من عجائب ما يسمع في هذا الباب ولا نحب أن نختم بحث هذا الفن قبل أن نورد بعض الشواهد فمن شواهده قول ديك الجن واسمه عبد السلام بن رغبان: مرّت فقلت لها: تحية مغرم ... ماذا عليك من السلام؟ فسلمي قالت: بمن تعني؟ فطرفك شاهد ... بنحول جسم قلت: بالمتكلّم فتضاحكت، فبكيت قالت: لا ترع ... فلربّ مثل هواك بالمتبسّم قلت: اتفقنا في الهوى فزيارة ... أو موعدا قبل الزيارة قدّمي فتبسمت خجلا وقالت: يا فتى ... لو لم أدعك تنام بي لم تحلم وللبحتري واسمه الوليد: ونديم حلو الشمائل كالد ... ينار محض النّجار عذب المصفّى بتّ أسقيه صفوة الرّاح حتى ... وضع الكأس مائلا يتكفّا قلت: عبد العزيز تفديك نفسي ... قال: لبيك قلت: لبيك ألفا هاكها قال: هاتها قلت: خذها ... قال: لا أستطيعها ثمّ أغفى وحسبنا ما تقدم.

إعراب مفصل
التبيان في إعراب القرآن لأبي البقاء العكبري سورة البقرة آية ١٢٤ {وإِذِ ابْتَلى إِبْراهِيمَ} : إذ في موضع نصب على المفعول به أي اذكر والألف في ابتلى منقلبة عن واو وأصله من بلا يبلو إذا اختبر . وفي إبراهيم لغات : إحداها - إبراهيم بالألف والياء وهو المشهور . وإبراهم كذلك إلا أنه تحذف الياء . وإبراهام بألفين . وإبراهيم ، بألف واحدة وضمّ الهاء وبكلّ قرئ . وهو اسم أعجميّ معرفة وجمعه أباره عند قوم وعند آخرين براهم . وقيل فيه أبارهة وبراهمة . {جاعِلُكَ} : يتعدّى إلى مفعولين لأنه من جعل التي بمعنى صيّر . و {لِلنَّاسِ} : يجوز أن يتعلَّق بجاعل أي لأجل الناس . ويجوز أن يكون في موضع نصب على الحال والتقدير : إماما للناس فلما قدّمه نصبه على ما ذكرنا . {قالَ ومِنْ ذُرِّيَّتِي} : المفعولان محذوفان والتقدير : اجعل فريقا من ذريتي إماما . {لا يَنالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ} : هذا هو المشهور على جعل العهد هو الفاعل . ويقرأ الظالمون على العكس والمعنيان متقاربان لأن كلّ ما نلته فقد نالك . ______ إعراب القرآن الكريم للنحاس سورة البقرة آية ١٢٤ قرأ عبد اللّه وأبو رجاء والأعمش {قالَ لا يَنالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ} قال الفراء: لأنّ ما نالك فقد نلته كما تقول: نلت خيرا ونالني خير، وحكي عن محمد بن يزيد أنه قال: المعنى يوجب نصب الظالمين. قال اللّه جلّ وعزّ لإبراهيم صلّى اللّه عليه وسلّم: {إِنِّي جاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِماماً} فعهد إليه بهذا فسأل إبراهيم فقال: {وَمِنْ ذُرِّيَّتِي} فقال جلّ وعزّ: {لا يَنالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ} لا أجعل إماما ظالما، وروي عن ابن عباس أنه قال: سأل إبراهيم أن يجعل من ذريته إمام فعلم اللّه عزّ وجلّ أنّ في ذريته من يعصي فقال: {لا يَنالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ}.

ملخص الإعراب
{ وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ ( البقرة: 124 ) } ﴿وَإِذِ﴾: الواو حرف استئناف مبنيّ على الفتح لا محلّ له من الإعراب. إذ: ظرف لما مضى من الزمان مبنيّ على السكون في محلّ نصب متعلِّق بفعل محذوف تقديره: اذكر. ﴿ابْتَلَى﴾: فعل ماض مبنيّ على الفتح المقدر على آخره للتعذر. ﴿إِبْرَاهِيِم﴾: مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الفتحة الظاهرة. ﴿رَبُّهُ﴾: فاعل مرفوع، وعلامة رفعه الضمة الظاهرة، وهو مضاف، و "الهاء": ضمير متّصل مبني على الضمّ في محلّ جرّ مضاف إليه. وجملة "ابتلى إبراهيم ربه" في محلّ جرّ بإضافة "إذ" إليها. وجملة "ابتلى إبراهيم ربه" في محلّ جرّ بالإضافة. ﴿بِكَلِمَاتٍ﴾: الباء: حرف جرّ مبنيّ على الكسر لا محلّ له من الإعراب، كلمات: اسم مجرور بالباء، وعلامة جره الكسرة الظاهرة. والجارّ والمجرور متعلّقان بالفعل "ابتلى". ﴿فَأَتَمَّهُنَّ﴾: الفاء: حرف عطف مبنيّ على الفتح لا محلّ له من الإعراب، أَتَمَّهُنَّ: فعل ماض مبنيّ على الفتح و "الهاء": ضمير متّصل مبني على الضمّ في محلّ نصب مفعول به والنون حرف دال على جماعة الإناث لا محلّ لها من الإعراب، والفاعل ضمير مستتر فيه جوازًا تقديره: هو يعود إلى "إبراهيم" عليه السلام، وجملة "فأتمهن" في محلّ جرّ معطوفة على جملة "ابتلي إبراهيم ربه" في محلّ جرّ. ﴿قَالَ﴾: فعل ماض مبنيّ على الفتح لا محلّ له من الإعراب، والفاعل ضمير مستتر فيه جوازًا تقديره: هو يعود إلى "ربه". وجملة "قال" استئنافية لا محلّ لها من الإعراب. ﴿إِنِّي﴾: إن: حرف توكيد ونصب مشبّه بالفعل، والياء ضمير متّصل مبني على السكون في محلّ نصب اسم "إنّ". ﴿جَاعِلُكَ﴾: جاعل: خبر "إنّ" مرفوع، وعلامة رفعه الضمة الظاهرة، وهو مضاف، و "الكاف" ضمير متّصل مبني على الفتح في محلّ جرّ مضاف إليه وفاعل اسم الفاعل ضمير مستتر فيه جوازًا تقديره: أنا. ﴿لِلنَّاسِ﴾: اللام: حرف جرّ مبنيّ على الفتح لا محلّ له من الإعراب، الناس: اسم مجرور باللام، وعلامة جره الكسرة الظاهرة. والجارّ والمجرور متعلّقان بمحذوف حال من "إماما"، أو متعلِّقان بـ"جاعل؛ لأن اسم الفاعل يعمل عمل الفعل. ﴿إِمَامًا﴾: مفعول به ثان لـ"جاعل"، منصوب وعلامة نصبه الفتحة الظاهرة. وجملة "إني جاعلك للناس إمامًا" في محلّ نصب "مقول القول". ﴿قَالَ﴾: فعل ماض مبنيّ على الفتح لا محلّ له من الإعراب، والفاعل ضمير مستتر فيه جوازًا تقديره: هو يعود إلى "إبراهيم". وجملة "قال" استئنافية لا محلّ لها من الإعراب. ﴿وَمِن﴾: الواو حرف عطف مبنيّ على الفتح لا محلّ له من الإعراب، من: حرف جرّ مبنيّ على السكون لا محلّ له من الإعراب. ﴿ذُرِيَّتِى﴾: اسم مجرور بـ"من"، وعلامة الجرّ الكسرة المقدرة منع من ظهورها اشتغال المحلّ بالحركة المناسبة لياء المتكلّم، وهو مضاف. والياء ضمير متّصل مبني على السكون في محلّ جرّ مضاف إليه. والجارّ والمجرور متعلّقان بفعل محذوف تقديره: "اجعلْ"، والمفعول به محذوف، والتقدير: واجعل من ذريتي إمامًا. وجملة "اجعلْ" معطوف على جملة: "إني جاعلك" في محلّ نصب. ﴿قَالَ﴾: فعل ماض مبنيّ على الفتح لا محلّ له من الإعراب، والفاعل ضمير مستتر فيه جوازًا تقديره: هو يعود إلى الله. وجملة "قال" استئنافية لا محلّ لها من الإعراب. ﴿لَا﴾: حرف نفي مبنيّ على السكون لا محلّ له من الإعراب. ﴿يَنَالُ﴾: فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه الضمة الظاهرة. ﴿عَهْدِي﴾: فاعل مرفوع، وعلامة رفعه الضمة المقدرة على ما قبل ياء المتكلم منع من ظهورها اشتغال المحلّ بالحركة المناسبة للياء، وياء المتكلم ضمير متّصل مبني على السكون في محلّ جرّ مضاف إليه. ﴿الظَّالِمِينَ﴾: مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الياء لأنَّه جمع مذكر سالم. وجملة "لا ينال عهدي الظالمين" في محلّ نصب "مقول القول".

فائدة
كتاب التحرير والتنوير سورة البقرة آية ١٢٣ (يَابَنِي إِسْرائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعالَمِينَ (122) وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئاً وَلا يُقْبَلُ مِنْها عَدْلٌ وَلا تَنْفَعُها شَفاعَةٌ وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ (123) أُعِيدَ نِدَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ نِدَاءَ التَّنْبِيهِ وَالْإِنْذَارِ وَالتَّذْكِيرِ عَلَى طَرِيقَةِ التَّكْرِيرِ فِي الْغَرَضِ الَّذِي سِيقَ الْكَلَامُ الْمَاضِي لِأَجْلِهِ، فَإِنَّهُ ابْتَدَأَ نِدَاءَهُمْ أَوَّلًا بِمِثْلِ هَاتِهِ الْمَوْعِظَةِ فِي ابْتِدَاءِ التَّذْكِيرِ بِأَحْوَالِهِمُ الْكَثِيرَةِ خَيْرِهَا وَشَرِّهَا عَقِبَ قَوْلِهِ: (وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ راجِعُونَ) [الْبَقَرَة: 46] فَذِكْرُ مِثْلِ هَاتِهِ الْجُمْلَةِ هُنَاكَ كَذِكْرِ الْمَطْلُوبِ فِي صِنَاعَةِ الْمَنْطِقِ قَبْلَ إِقَامَةِ الْبُرْهَانِ وَذِكْرُهَا هُنَا كَذِكْرِ النَّتِيجَةِ فِي الْمَنْطِقِ عَقِبَ الْبُرْهَانِ تَأْيِيدًا لِمَا تَقَدَّمَ وَفَذْلَكَةً لَهُ وَهُوَ مِنْ ضُرُوبِ رَدِّ الْعَجُزِ عَلَى الصَّدْرِ. وَقَدْ أُعِيدَتْ هَذِهِ الْآيَةُ بِالْأَلْفَاظِ الَّتِي ذكرت بهَا هُنَا لَك لِلتَّنْبِيهِ عَلَى نُكْتَةِ التَّكْرِيرِ لِلتَّذْكِيرِ وَلَمْ يُخَالِفْ بَيْنَ الْآيَتَيْنِ إِلَّا من التَّرْتِيبِ بَيْنَ الْعَدْلِ وَالشَّفَاعَةِ فَهُنَالِكَ قَدَّمَ (وَلا يُقْبَلُ مِنْها شَفاعَةٌ) [الْبَقَرَة: 48] وَأَخَّرَ (وَلا يُؤْخَذُ مِنْها عَدْلٌ) [الْبَقَرَة: 48] وَهُنَا قَدَّمَ (وَلا يُقْبَلُ مِنْها عَدْلٌ) وَأَخَّرَ لَفْظَ الشَّفَاعَةِ مُسْنَدًا إِلَيْهِ تَنْفَعُها وَهُوَ تَفَنُّنٌ وَالتَّفَنُّنُ فِي الْكَلَامِ تَنْتَفِي بِهِ سَآمَةُ الْإِعَادَةِ مَعَ حُصُولِ الْمَقْصُودِ مِنَ التَّكْرِيرِ. وَقَدْ حَصُلَ مَعَ التَّفَنُّنِ نُكْتَةٌ لَطِيفَةٌ إِذْ جَاءَتِ الشَّفَاعَةُ فِي الْآيَةِ السَّابِقَةِ مُسْنَدًا إِلَيْهَا الْمَقْبُولِيَّةُ فَقُدِّمَتْ عَلَى الْعَدْلِ بِسَبَبِ نَفْيِ قَبُولِهَا وَنَفْيُ قَبُولِ الشَّفَاعَةِ لَا يَقْتَضِي نَفْيَ أَخْذِ الْفِدَاءِ فَعَطَفَ نَفْيَ أَخَذِ الْفِدَاءِ لِلِاحْتِرَاسِ، وَأَمَّا فِي هَذِهِ الْآيَةِ فَقَدَّمَ الْفِدَاءَ لِأَنَّهُ أُسْنِدَ إِلَيْهِ الْمَقْبُولِيَّةُ وَنَفْيُ قَبُولِ الْفِدَاءِ لَا يَقْتَضِي نَفْيَ نَفْعِ الشَّفَاعَةِ فَعَطَفَ نَفْيَ نَفْعِ الشَّفَاعَةِ عَلَى نَفْيِ قَبُولِ الْفِدَاءِ لِلِاحْتِرَاسِ أَيْضًا. وَالْحَاصِلُ أَنَّ الَّذِي نُفِيَ عَنْهُ أَنْ يَكُونَ مَقْبُولًا قَدْ جُعِلَ فِي الْآيَتَيْنِ أَوَّلًا وَذُكِرَ الْآخَرُ بَعْدَهُ. وَأَمَّا نَفْيُ الْقَبُولِ مَرَّةً عَنِ الشَّفَاعَةِ وَمَرَّةً عَنِ الْعَدْلِ فَلِأَنَّ أَحْوَالَ الْأَقْوَامِ فِي طَلَبِ الْفِكَاكِ عَنِ الْجُنَاةِ تَخْتَلِفُ، فَمَرَّةً يُقَدِّمُونَ الْفِدَاءَ فَإِذَا لَمْ يُقْبَلْ قَدَّمُوا الشُّفَعَاءَ، وَمَرَّةً يُقَدِّمُونَ الشُّفَعَاءَ فَإِذَا لَمْ تُقْبَلْ شَفَاعَتُهُمْ عَرَضُوا الْفِدَاءَ. وَقَوْلُهُ: (وَلا يُقْبَلُ مِنْها عَدْلٌ وَلا تَنْفَعُها شَفاعَةٌ) مُرَادٌ مِنْهُ أَنَّهُ لَا عَدْلَ فَيُقْبَلُ وَلَا شَفَاعَةَ شَفِيعٍ يَجِدُونَهُ فَتُقْبَلُ شَفَاعَتُهُ لِأَنَّ دَفْعَ الْفِدَاءِ مُتَعَذِّرٌ وَتَوَسُّطَ الشَّفِيعِ لِمِثْلِهِمْ مَمْنُوعٌ إِذْ لَا يَشْفَعُ الشَّفِيعُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ اللَّهُ لَهُ. قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ فَيَكُونُ نَفْيُ نَفْعِ الشَّفَاعَةِ هُنَا مِنْ بَابِ قَوْلِهِ: على لَاحبٍ لَا يَهْتَدِي بِمَنَارِهِ يُرِيدُ أَنَّهَا كِنَايَةٌ عَنْ نَفْيِ الْمَوْصُوفِ بِنَفْيِ صِفَتِهِ الْمُلَازِمَةِ لَهُ كَقَوْلِهِمْ: وَلَا تَرَى الضَّبَّ بِهَا يَنْجَحِرُ وَهُوَ مَا يُعَبِّرُ عَنْهُ الْمَنَاطِقَةُ بِأَنَّ السَّالِبَةَ تَصْدُقُ مَعَ نَفْيِ الْمَوْضُوعِ وَإِنَّمَا يَكُونُ ذَلِكَ بِطَرِيقِ الْكِنَايَةِ وَأَمَّا أَنْ يَكُونَ اسْتِعْمَالًا فِي أَصْلِ الْعَرَبِيَّةِ فَلَا وَالْمَنَاطِقَةُ تَبِعُوا فِيهِ أَسَالِيبَ الْيُونَانِ. وَالْقَوْلُ فِي بَقِيَّةِ الْآيَاتِ مُسْتَغْنًى عَنْهُ بِمَا تَقَدَّمَ فِي نَظِيرَتِهَا. وَهُنَا خَتَمَ الْحِجَاجَ مَعَ أَهْلِ الْكِتَابِ فِي هَذِهِ السُّورَةِ وَذَلِكَ مِنْ براعة المقطع.

إعراب مفصل
الإعراب المفصل لكتاب الله المرتل سورة البقرة آية ١٢٣ وَاتَّقُوا يَوْماً لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئاً وَلا يُقْبَلُ مِنْها عَدْلٌ وَلا تَنْفَعُها شَفاعَةٌ وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ (123) • وَاتَّقُوا يَوْماً: الواو: عاطفة. اتقوا: فعل أمر مبني على حذف النون لان مضارعه من الافعال الخمسة. الواو: ضمير متصل في محل رفع فاعل والالف: فارقة. يوما: مفعول به منصوب بالفتحة. • لا تَجْزِي نَفْسٌ: لا: نافية لا عمل لها. تجزي: فعل مضارع مرفوع بالضمة المقدرة على الياء للثقل. نفس: فاعل مرفوع بالضمة. • عَنْ نَفْسٍ شَيْئاً: جار ومجرور متعلق بتجزي. شيئا: مفعول به منصوب بالفتحة ويجوز أن تكون نائبة عن المصدر. أي جزاء شيئا. • وَلا يُقْبَلُ مِنْها عَدْلٌ: الواو: عاطفة. لا: نافية لا عمل لها. يقبل: فعل مضارع مبني للمجهول مرفوع بالضمة. منها: جار ومجرور متعلق بيقبل. عدل: نائب فاعل مرفوع بالضمة الظاهرة في آخره. ومعنى «عَنْ نَفْسٍ» أي بدل نفس. • وَلا تَنْفَعُها شَفاعَةٌ: الواو: عاطفة لا: نافية لا عمل لها. تنفعها: فعل مضارع مرفوع بالضمة و «ها» ضمير متصل مبني على السكون في محل نصب مفعول به مقدم. شفاعة: فاعل مرفوع بالضمة. وجملة «لا تَجْزِي وما بعدها» في محل نصب صفة ليوما. • وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ: الواو: استئنافية. لا: نافية لا عمل لها. هم: ضمير رفع منفصل في محل رفع مبتدأ. ينصرون: فعل مضارع مبني للمجهول مرفوع بثبوت النون لأنه من الافعال الخمسة. الواو: ضمير متصل في محل رفع نائب فاعل. والجملة الفعلية «يُنْصَرُونَ» في محل رفع خبر «هُمْ».

ملخص الإعراب
{ وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا تَنْفَعُهَا شَفَاعَةٌ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ ( البقرة: 123 ) } ﴿وَاتَّقُوا﴾: الواو حرف عطف مبنيّ على الفتح لا محلّ له من الإعراب، اتقوا: فعل أمر مبنيّ على حذف النون؛ لأن مضارعه من الأفعال الخمسة، و "الألف" فارقة، والجملة "اتقوا" معطوفة على "اذكروا" في الآية السابقة. ﴿يَوْمًا﴾: مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الفتحة الظاهرة. ﴿لَّا﴾: حرف نفي مبنيّ على السكون لا محلّ له من الإعراب. ﴿تَجْزِى﴾: فعل مضارع مرفوع وعلامة رفعه الضمة المقدرة على الياء منع من ظهورها الثقل. ﴿نَفْسٌ﴾: فاعل مرفوع، وعلامة رفعه الضمة الظاهرة. ﴿عن﴾: عَن: حرف جرّ مبنيّ على السكون لا محلّ له من الإعراب. ﴿نَّفْسٍ﴾: اسم مجرور بعن، وعلامة جره الكسرة الظاهرة. والجارّ والمجرور متعلّقان بالفعل "تجزي". ﴿شَيْئًا﴾: مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الفتحة الظاهرة. وجملة "لا تجزي نفس عن نفس شيئًا" في محلّ نصب نعت لِـ"يومًا"، والرابط محذوف، تقديره: فيه. ﴿وَلَا﴾: الواو حرف عطف مبنيّ على الفتح لا محلّ له من الإعراب لا: حرف نفي مبنيّ على السكون لا محلّ له من الإعراب. ﴿يُقْبَلُ﴾: فعل مضارع مبنيّ للمجهول مرفوع، وعلامة رفعه الضمة الظاهرة. ﴿مِنْهَا﴾: من: حرف جرّ مبنيّ على السكون لا محلّ له من الإعراب، ها: ضمير متّصل مبني على السكون في محلّ جرّ بمن. والجارّ والمجرور متعلّقان بالفعل "يقبل". ﴿عَدْلٌ﴾: نائب فاعل مرفوع وعلامة رفعه الضمة الظاهرة. وجملة "لا يقبل منها عدل" معطوفة على جملة "لا تجزي". ﴿وَلَا﴾: الواو حرف عطف مبنيّ على الفتح لا محلّ له من الإعراب، لا: حرف نفي مبنيّ على السكون لا محلّ له من الإعراب. ﴿تَنفَعُهَا﴾: تنفع: فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه الضمة الظاهرة، وها: ضمير متّصل مبني على السكون في محلّ نصب مفعول به. ﴿شَفَاعَةٌ﴾: فاعل مرفوع، وعلامة رفعه الضمة الظاهرة. والجملة الفعلية "لا تنفعها شفاعة" معطوفة على جملة "لا تجزي" في محلّ نصب. ﴿وَلَا﴾: الواو حرف عطف مبنيّ على الفتح لا محلّ له من الإعراب، لا: حرف نفي مبنيّ على السكون لا محلّ له من الإعراب. ﴿هُمْ﴾: ضمير منفصل مبنيّ على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿يُنصَرُونَ﴾: فعل مضارع مبنيّ للمجهول مرفوع وعلامة رفعه ثبوت النون لأنَّه من الأفعال الخمسة، و "الواو" ضمير متّصل مبني على السكون في محلّ رفع نائب فاعل. والجملة "ينصرون" في محلّ رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية "ولا هم ينصرون". معطوفة على الجملة الفعلية "لا تجزي".

فائدة
كتاب التحرير والتنوير سورة البقرة آية ١٢٢ (يَابَنِي إِسْرائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعالَمِينَ (122) وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئاً وَلا يُقْبَلُ مِنْها عَدْلٌ وَلا تَنْفَعُها شَفاعَةٌ وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ (123) أُعِيدَ نِدَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ نِدَاءَ التَّنْبِيهِ وَالْإِنْذَارِ وَالتَّذْكِيرِ عَلَى طَرِيقَةِ التَّكْرِيرِ فِي الْغَرَضِ الَّذِي سِيقَ الْكَلَامُ الْمَاضِي لِأَجْلِهِ، فَإِنَّهُ ابْتَدَأَ نِدَاءَهُمْ أَوَّلًا بِمِثْلِ هَاتِهِ الْمَوْعِظَةِ فِي ابْتِدَاءِ التَّذْكِيرِ بِأَحْوَالِهِمُ الْكَثِيرَةِ خَيْرِهَا وَشَرِّهَا عَقِبَ قَوْلِهِ: (وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ راجِعُونَ) [الْبَقَرَة: 46] فَذِكْرُ مِثْلِ هَاتِهِ الْجُمْلَةِ هُنَاكَ كَذِكْرِ الْمَطْلُوبِ فِي صِنَاعَةِ الْمَنْطِقِ قَبْلَ إِقَامَةِ الْبُرْهَانِ وَذِكْرُهَا هُنَا كَذِكْرِ النَّتِيجَةِ فِي الْمَنْطِقِ عَقِبَ الْبُرْهَانِ تَأْيِيدًا لِمَا تَقَدَّمَ وَفَذْلَكَةً لَهُ وَهُوَ مِنْ ضُرُوبِ رَدِّ الْعَجُزِ عَلَى الصَّدْرِ. وَقَدْ أُعِيدَتْ هَذِهِ الْآيَةُ بِالْأَلْفَاظِ الَّتِي ذكرت بهَا هُنَا لَك لِلتَّنْبِيهِ عَلَى نُكْتَةِ التَّكْرِيرِ لِلتَّذْكِيرِ وَلَمْ يُخَالِفْ بَيْنَ الْآيَتَيْنِ إِلَّا من التَّرْتِيبِ بَيْنَ الْعَدْلِ وَالشَّفَاعَةِ فَهُنَالِكَ قَدَّمَ (وَلا يُقْبَلُ مِنْها شَفاعَةٌ) [الْبَقَرَة: 48] وَأَخَّرَ (وَلا يُؤْخَذُ مِنْها عَدْلٌ) [الْبَقَرَة: 48] وَهُنَا قَدَّمَ (وَلا يُقْبَلُ مِنْها عَدْلٌ) وَأَخَّرَ لَفْظَ الشَّفَاعَةِ مُسْنَدًا إِلَيْهِ تَنْفَعُها وَهُوَ تَفَنُّنٌ وَالتَّفَنُّنُ فِي الْكَلَامِ تَنْتَفِي بِهِ سَآمَةُ الْإِعَادَةِ مَعَ حُصُولِ الْمَقْصُودِ مِنَ التَّكْرِيرِ. وَقَدْ حَصُلَ مَعَ التَّفَنُّنِ نُكْتَةٌ لَطِيفَةٌ إِذْ جَاءَتِ الشَّفَاعَةُ فِي الْآيَةِ السَّابِقَةِ مُسْنَدًا إِلَيْهَا الْمَقْبُولِيَّةُ فَقُدِّمَتْ عَلَى الْعَدْلِ بِسَبَبِ نَفْيِ قَبُولِهَا وَنَفْيُ قَبُولِ الشَّفَاعَةِ لَا يَقْتَضِي نَفْيَ أَخْذِ الْفِدَاءِ فَعَطَفَ نَفْيَ أَخَذِ الْفِدَاءِ لِلِاحْتِرَاسِ، وَأَمَّا فِي هَذِهِ الْآيَةِ فَقَدَّمَ الْفِدَاءَ لِأَنَّهُ أُسْنِدَ إِلَيْهِ الْمَقْبُولِيَّةُ وَنَفْيُ قَبُولِ الْفِدَاءِ لَا يَقْتَضِي نَفْيَ نَفْعِ الشَّفَاعَةِ فَعَطَفَ نَفْيَ نَفْعِ الشَّفَاعَةِ عَلَى نَفْيِ قَبُولِ الْفِدَاءِ لِلِاحْتِرَاسِ أَيْضًا. وَالْحَاصِلُ أَنَّ الَّذِي نُفِيَ عَنْهُ أَنْ يَكُونَ مَقْبُولًا قَدْ جُعِلَ فِي الْآيَتَيْنِ أَوَّلًا وَذُكِرَ الْآخَرُ بَعْدَهُ. وَأَمَّا نَفْيُ الْقَبُولِ مَرَّةً عَنِ الشَّفَاعَةِ وَمَرَّةً عَنِ الْعَدْلِ فَلِأَنَّ أَحْوَالَ الْأَقْوَامِ فِي طَلَبِ الْفِكَاكِ عَنِ الْجُنَاةِ تَخْتَلِفُ، فَمَرَّةً يُقَدِّمُونَ الْفِدَاءَ فَإِذَا لَمْ يُقْبَلْ قَدَّمُوا الشُّفَعَاءَ، وَمَرَّةً يُقَدِّمُونَ الشُّفَعَاءَ فَإِذَا لَمْ تُقْبَلْ شَفَاعَتُهُمْ عَرَضُوا الْفِدَاءَ. وَقَوْلُهُ: (وَلا يُقْبَلُ مِنْها عَدْلٌ وَلا تَنْفَعُها شَفاعَةٌ) مُرَادٌ مِنْهُ أَنَّهُ لَا عَدْلَ فَيُقْبَلُ وَلَا شَفَاعَةَ شَفِيعٍ يَجِدُونَهُ فَتُقْبَلُ شَفَاعَتُهُ لِأَنَّ دَفْعَ الْفِدَاءِ مُتَعَذِّرٌ وَتَوَسُّطَ الشَّفِيعِ لِمِثْلِهِمْ مَمْنُوعٌ إِذْ لَا يَشْفَعُ الشَّفِيعُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ اللَّهُ لَهُ. قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ فَيَكُونُ نَفْيُ نَفْعِ الشَّفَاعَةِ هُنَا مِنْ بَابِ قَوْلِهِ: على لَاحبٍ لَا يَهْتَدِي بِمَنَارِهِ يُرِيدُ أَنَّهَا كِنَايَةٌ عَنْ نَفْيِ الْمَوْصُوفِ بِنَفْيِ صِفَتِهِ الْمُلَازِمَةِ لَهُ كَقَوْلِهِمْ: وَلَا تَرَى الضَّبَّ بِهَا يَنْجَحِرُ وَهُوَ مَا يُعَبِّرُ عَنْهُ الْمَنَاطِقَةُ بِأَنَّ السَّالِبَةَ تَصْدُقُ مَعَ نَفْيِ الْمَوْضُوعِ وَإِنَّمَا يَكُونُ ذَلِكَ بِطَرِيقِ الْكِنَايَةِ وَأَمَّا أَنْ يَكُونَ اسْتِعْمَالًا فِي أَصْلِ الْعَرَبِيَّةِ فَلَا وَالْمَنَاطِقَةُ تَبِعُوا فِيهِ أَسَالِيبَ الْيُونَانِ. وَالْقَوْلُ فِي بَقِيَّةِ الْآيَاتِ مُسْتَغْنًى عَنْهُ بِمَا تَقَدَّمَ فِي نَظِيرَتِهَا. وَهُنَا خَتَمَ الْحِجَاجَ مَعَ أَهْلِ الْكِتَابِ فِي هَذِهِ السُّورَةِ وَذَلِكَ مِنْ براعة المقطع.

إعراب مفصل
إعراب القرآن الكريم للشيخلي سورة البقرة آية ١٢٢ يا بَنِي إِسْرائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعالَمِينَ (122) {يا بَنِي}: أداة نداء بني: منادى مضاف منصوب وعلامة نصبه الياء لأنه ملحق بجمع المذكر السالم وحذفت النون من آخره أصله: «بنين». . للإضافة. {إِسْرائِيلَ}: مضاف إليه مجرور بالإضافة وعلامة جره الفتحة بدلا - نيابة عن الكسرة - لأنه ممنوع من الصرف - أي من التنوين - للعجمة. والكلمة مضافة إلى «إيل» ويقال أيضا بالنون «إسرائين» كما قالوا جبرين. {اذْكُرُوا}: فعل أمر مبني على حذف النون لأن مضارعه من الأفعال الخمسة. الواو ضمير متصل مبني على السكون في محل رفع فاعل والألف فارقة. {نِعْمَتِيَ}: مفعول به منصوب بالفعل - جملة - اذكروا. . وعلامة نصبه الفتحة الظاهرة في آخره منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة الياء. . وهو مضاف والياء ضمير متصل - ضمير المتكلم - سبحانه - مبني على السكون الذي حرك بالفتح للوصل في محل جر مضاف إليه. {الَّتِي}: اسم موصول مبني على السكون في محل نصب لأنه صفة - نعت - للموصوف - المنعوت - نعمتي. {أَنْعَمْتُ}: الجملة الفعلية: صلة الموصول «التي» لا محل لها من الإعراب وهي فعل ماض مبني على السكون لاتصاله بضمير الرفع المتحرك والتاء ضمير متصل - ضمير المتكلم الواحد المطاع - مبني على الضم في محل رفع فاعل. {عَلَيْكُمْ}: حرف جر والكاف ضمير متصل - ضمير المخاطبين - مبني على الضم في محل جر بحرف الجر «على» والميم علامة جمع الذكور والجار والمجرور «عليكم» متعلق بالفعل - جملة - أنعمت. {وَأَنِّي}: الواو عاطفة. أن: حرف نصب وتوكيد مشبه بالفعل والياء ضمير متصل - ضمير المتكلم الواحد المطاع - مبني على السكون في محل نصب اسم «أن» وكسر نون «أن» بسبب الياء «وأن» وما بعدها من اسمها وخبرها بتأويل مصدر في محل نصب بفعل محذوف تقديره: واذكروا تفضيلي إياكم وحذف الفعل - جملة اذكروا. . لأن ما قبله دال عليه. فالمصدر المؤول معطوف على «نعمتي». {فَضَّلْتُكُمْ}: الجملة الفعلية: في محل رفع خبر «أن» وهي فعل ماض مبني على السكون لاتصاله بضمير الرفع المتحرك والتاء ضمير متصل - ضمير الواحد المطاع - مبني على الضم في محل رفع فاعل. والكاف ضمير متصل - ضمير المخاطبين - مبني على الضم في محل نصب مفعول به والميم علامة جمع الذكور. {عَلَى الْعالَمِينَ}: حرف جر العالمين: اسم مجرور بحرف الجر «على» وعلامة جره الياء لأنه ملحق بجمع المذكر السالم والنون عوض عن التنوين والحركة في الاسم المفرد والجار والمجرور «على العالمين» متعلق بفضل.

ملخص الإعراب
{ يَابَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ ( البقرة: 122 ) } ﴿يَابَنِي﴾: "يا" حرف نداء مبنيّ على السكون. "بني": منادي منصوب؛ لأنَّه مضاف وعلامة نصبه الياء. لأنَّه ملحق بجمع مذكر السالم، وحذفت النون للإضافة. وجملة النداء ابتدائية لا محلّ لها من الإعراب. ﴿إِسْرائِيلَ﴾: مضاف إليه مجرور وعلامة جره الفتحة عوضًا عن الكسرة؛ لأنَّه ممنوع من الصرف للعلمية والعجمة. ﴿اذْكُرُوا﴾: فعل أمر مبنيّ على النون؛ لأن مضارعه من الأفعال الخمسة، و "الواو" ضمير متّصل مبني على السكون في محلّ رفع فاعل، والألف للتفريق. ﴿نِعْمَتِىَ﴾: مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الفتحة المقدرة على ما قبل ياء المتكلم منع من ظهورها اشتغال المحلّ بالحركة المناسبة للياء، والياء: ضمير متّصل مبني على السكون في محلّ جرّ مضاف إليه. وجملة "اذكروا نعمتي" في محلّ نصب مفعول به. ﴿الَّتِي﴾: اسم موصول مبنيّ على السكون في محلّ نصب صفة "نعمتي". ﴿أَنْعَمْتُ﴾: فعل ماض مبنيّ على السكون لاتصاله بضمير رفع متحرك، والتاء ضمير متّصل مبنيّ على الضمّ في محلّ رفع فاعل. ﴿عَلَيْكُمْ﴾: على: حرف جرّ مبنيّ على السكون لا محلّ له من الإعراب، و "الكاف": ضمير متّصل مبنيّ على الضمّ في محلّ جرّ بعلى، و "الميم": علامة جمع الذكور. والجارّ والمجرور متعلّقان بالفعل "أنعمت"، وجملة "أنعمت عليكم" لا محلّ لها من الإعراب؛ لأنها صلة الموصول. ﴿وَأَنِّي﴾: حرف عطف مبنيّ على الفتح لا محلّ له من الإعراب، أنّي: أنّ: حرف توكيد ونصب مشبّه بالفعل، وياء المتكلم ضمير متّصل مبني على السكون في محلّ نصب اسم "أن". ﴿فَضَّلْتُكُمْ﴾: فعل ماض مبنيّ على السكون لاتصاله بضمير رفع متحرك، والتاء ضمير متّصل مبني على الضمّ في محلّ رفع فاعل، و "الكاف"ضمير متّصل مبني على الضمّ في محلّ نصب مفعول به، و "الميم": للجمع، والجملة "فضّلتكم" في محلّ رفع خبر "أن"، والمصدر المؤول من "أني فضلتكم" في محلّ نصب معطوف على "نعمتي". ﴿عَلَى﴾: حرف جرّ مبنيّ على السكون لا محلّ لها من الإعراب. ﴿الْعَالَمِينَ﴾: اسم مجرور بعلى، وعلامة جره الياء لأنَّه جمع مذكر سالم. والجارّ والمجرور متعلّقان بالفعل "فضلتكم".

آيات سورة البقرة (١٢١ - ١٥٠):
الحادية والعشرون بعد المئة: ملخص الإعراب إعراب مفصل فائدة الثانية والعشرون بعد المئة: ملخص الإعراب إعراب مفصل فائدة الثالثة والعشرون بعد المئة: ملخص الإعراب إعراب مفصل فائدة الرابعة والعشرون بعد المئة: ملخص الإعراب إعراب مفصل فائدة الخامسة والعشرون بعد المئة: ملخص الإعراب إعراب مفصل فائدة السادسة والعشرون بعد المئة: ملخص الإعراب إعراب مفصل فائدة السابعة والعشرون بعد المئة: ملخص الإعراب إعراب مفصل فائدة الثامنة والعشرون بعد المئة: ملخص الإعراب إعراب مفصل فائدة التاسعة والعشرون بعد المئة: ملخص الإعراب إعراب مفصل فائدة الثلاثون بعد المئة: ملخص الإعراب إعراب مفصل فائدة
الحادية والثلاثون بعد المئة: ملخص الإعراب إعراب مفصل فائدة الثانية والثلاثون بعد المئة: ملخص الإعراب إعراب مفصل فائدة الثالثة والثلاثون بعد المئة: ملخص الإعراب إعراب مفصل فائدة الرابعة والثلاثون بعد المئة: ملخص الإعراب إعراب مفصل فائدة الخامسة والثلاثون بعد المئة: ملخص الإعراب إعراب مفصل فائدة السادسة والثلاثون بعد المئة: ملخص الإعراب إعراب مفصل فائدة السابعة والثلاثون بعد المئة: ملخص الإعراب إعراب مفصل فائدة الثامنة والثلاثون بعد المئة: ملخص الإعراب إعراب مفصل فائدة التاسعة والثلاثون بعد المئة: ملخص الإعراب إعراب مفصل فائدة الأربعون بعد المئة: ملخص الإعراب إعراب مفصل فائدة
الحادية والأربعون بعد المئة: ملخص الإعراب إعراب مفصل فائدة الثانية والأربعون بعد المئة: ملخص الإعراب إعراب مفصل فائدة الثالثة والأربعون بعد المئة: ملخص الإعراب إعراب مفصل فائدة الرابعة والأربعون بعد المئة: ملخص الإعراب إعراب مفصل فائدة الخامسة والأربعون بعد المئة: ملخص الإعراب إعراب مفصل فائدة السادسة والأربعون بعد المئة: ملخص الإعراب إعراب مفصل فائدة السابعة والأربعون بعد المئة: ملخص الإعراب إعراب مفصل فائدة الثامنة والأربعون بعد المئة: ملخص الإعراب إعراب مفصل فائدة التاسعة والأربعون بعد المئة: ملخص الإعراب إعراب مفصل فائدة الخمسون بعد المئة: ملخص الإعراب إعراب مفصل فائدة

فائدة
كتاب التحرير والتنوير سورة البقرة آية ١٢١ (الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاوَتِهِ أُولئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ (121) و (الْحق) هُنَا ضِدُّ الْبَاطِلِ أَيْ تِلَاوَةً مُسْتَوْفِيَةً قِوَامَ نَوْعِهَا لَا يَنْقُصُهَا شَيْءٌ مِمَّا يُعْتَبَرُ فِي التِّلَاوَةِ وَتِلْكَ هِيَ التِّلَاوَةُ بِفَهْمِ مَقَاصِدِ الْكَلَامِ الْمَتْلُوِّ فَإِنَّ الْكَلَامَ يُرَادُ مِنْهُ إِفْهَامُ السَّامِعِ فَإِذَا تَلَاهُ الْقَارِئُ وَلَمْ يَفْهَمْ جَمِيعَ مَا أَرَادَهُ قَائِلُهُ كَانَتْ تِلَاوَتُهُ غَامِضَةً، فَحَقُّ التِّلَاوَةِ هُوَ الْعِلْمُ بِمَا فِي الْمَتْلُوِّ. وَقَوْلُهُ: (أُولئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ) جُمْلَةٌ هِيَ خَبَرُ الْمُبْتَدَأِ وَهُوَ اسْمُ الْمَوْصُولِ، وَجِيءَ بِاسْمِ الْإِشَارَةِ فِي تَعْرِيفِهِمْ دُونَ الضَّمِيرِ وَغَيْرِهِ لِلتَّنْبِيهِ عَلَى أَنَّ الْأَوْصَافَ الْمُتَقَدِّمَةَ الَّتِي اسْتُحْضِرُوا بِوَاسِطَتِهَا حَتَّى أُشِيرَ إِلَيْهِمْ بِاتِّصَافِهِمْ بِهَا هِيَ الْمُوجِبَةُ لِجَدَارَتِهِمْ بِالْحُكْمِ الْمُسْنَدِ لِاسْمِ الْإِشَارَةِ عَلَى حَدِّ (أُولئِكَ عَلى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ) [الْبَقَرَة: 5] فَلَا شَكَّ أَنَّ تِلَاوَتَهُمُ الْكِتَابَ حَقَّ تِلَاوَتِهِ تُثْبِتُ لَهُمْ أَوْحَدِيَّتَهُمْ بِالْإِيمَانِ بِذَلِكَ الْكِتَابِ لِأَنَّ إِيمَانَ غَيْرِهِمْ بِهِ كَالْعَدَمِ. فَالْقَصْرُ ادِّعَائِيٌّ. وَالْقَوْلُ فِي قَوْلِهِ: (وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ) كَالْقَوْلِ فِي (أُولئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ) وَهُوَ تَصْرِيحٌ بِحُكْمِ مَفْهُومِ أُولئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَفِيهِ اكْتِفَاءٌ عَنِ التَّصْرِيحِ بِحُكْمِ الْمَنْطُوقِ وَهُوَ أَنَّ الْمُؤْمِنِينَ بِهِ هُمُ الرَّابِحُونَ فَفِي الْآيَةِ إِيجَازٌ بَدِيعٌ لِدَلَالَتِهَا عَلَى أَنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ دُونَ غَيْرِهِمْ فَهُمْ كَافِرُونَ فَالْمُؤْمِنُونَ بِهِ هُمُ الْفَائِزُونَ وَالْكَافِرُونَ هم الخاسرون.

وبهذا الضبطِ الذي فعلتُه اتَّضح القولُ في هذه اللفظةِ لغةً واشتقاقاً وتصريفاً، فإنَّ الناس قد استشكلوا هذه اللفظةَ بالنسبةِ لما ذكرْتُ، وغلِط أكثرهُم في تصريفِها بالنسبةِ إلى الأعمال التي قَدَّمْتُها والحمد لله. وأمَّا مَنْ بناها على فَعْلَة مثلَ جَفْنَة فإنها عنده من ذَرَيْتُ. والذُّرِّيَّةُ: النَّسْلُ يقع على الذكور والإِناث والجمع الذَراري، وزعم بعضُهم أنها تقع على الآباء كوقوعِها على الأبناء مستدلاً بقوله {وَآيَةٌ لَّهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الفلك المشحون} [يس: 41] يعني نوحاً ومَنْ معه وسيأتي ذلك في موضِعِه. قوله: {قَالَ لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظالمين} الجمهورُ على نصبِ «الظالمين» مفعولاً و «عَهْدي» فاعلٌ، أي: لا يَصِلُ عهدي إلى الظالمين فيدرِكَهم. وقرأ قتادة والأعمش وأبو رجاء/: «والظالمون» بالفاعلية، و «عهدي» مفعولٌ به، والقراءتان ظاهرتان، إذ الفعلُ يَصِحُّ نسبتُه إلى كلٍّ منهما فإنَّ مَنْ نالَكَ فقد نِلْتَه. والنَّيْلُ: الإدراك وهو العَطاءُ أيضاً، نال ينال نَيْلاً فهو نائل.

يريده أبو البقاء. ويجوزُ أَنْ يكونَ «مِنْ ذرِّيَّتي» مفعولاً ثانياً قُدِّم على الأولِ فيتعلَّقَ بمحذوفٍ، وجاز ذلك لأنه يَنْعَقِدُ من هذين الجزأين مبتدأُ وخيرُ. لو قلتَ: «مِنْ ذُرِّيَّتي إمامٌ» لصَحَّ. وقال ابن عطية: «وقيل هذا منه على جهةِ الاستفهامِ عنهم أي: ومِنْ ذريتي يا ربِّ ماذا يكون؟ فيتعلَّقُ على هذا بمحذوفٍ، ولو قَدَّره قبل» مِنْ ذريتي «لكانَ أَوْلى لأنَّ ما في حَيِّز الاستفهامِ لا يتقدَّم عليه. وفي اشتقاق» ذُرِّيَّة «وتصريفها كلامٌ طويلٌ يَحْتاج الناظرُ فيه إلى تأمُّل. اعلم أنَّ في» ذرية «ثلاثَ لغاتٍ: ضَمَّ الذالِ وكسرَها وفتحَها، وبالضمِّ قرأ الجمهورُ، وبالفتحِ قرأ أبو جعفر المدني، وبالكسر قرأ زيد بن ثابت. فأمّا اشتقاقُها ففيه أربعةُ مذاهبَ، أحدُها: أنها مشتقةٌ من ذَرَوْتُ، الثاني: مِنْ ذَرَيْتُ، الثالث: من ذَرَأَ اللهُ الخَلْقَ، الرابع: من الذرّ. وأَمَّا تصريفُها: فَذُرِّيَّة بالضمِّ إن كانَتْ من ذَرَوْتُ فيجوز فيها أَنْ يكونَ وزنها فُعُّولَة، والأصلُ: ذُرُّوْوَة فاجتمع واوان: الأولى زائدةٌ للمدِّ والثانيةُ لامُ الكلمةِ، فَقُلِبَتْ لامُ الكلمةِ ياءً تخفيفاً فصار اللفظُ ذُرُّوْيَة، فاجتمع ياءٌ وواوٌ، وَسَبَقَتْ إحداهما بالسكون، فَقُلِبَتِ الواوُ ياءً وأُدْغِمَتْ في الياء التي هي منقلبةٌ من لامِ الكلمةِ، وكُسِرَ ما قبل الياءَ وهي الراءُ للتجانُسِ. ويجوزُ أَنْ يكونَ وزنُها فُعِّيْلَة، والأصلُ: ذُرِّيْوَة، فاجتمعَ ياءُ المدِّ والواوُ التي هي لامُ الكلمةِ وسَبَقَتْ إحداهما بالسكونِ فَقُلِبَتِ الواوُ ياءً وأُدغمت فيها ياءُ المدِّ. وإن كانت من ذَرَيْتُ لغةً في ذَرَوْتُ فيجوز فيها أيضاً أن يكون وزنُها فُعُّولَة أو فُعِّيلة كما تقدَّم، وإنْ كانَتْ فُعُّولة فالأصلُ ذُرُّوْيَة فَفُعِل به ما تقدَّم من القلبِ والإِدغامِ، وإنْ كانَتْ فُعِّيْلَة فالأصلُ: ذُرِّيْيَة، فَأُدْغِمَتِ الياءُ الزائدةُ في الياءِ التي [هي] لامٌ. وإنْ كانَتْ من ذَرَأَ مهموزاً فوزنُها فُعِّيْلة والأصلُ: ذُرِّيْئَة فَخُفَّفتِ الهمزةُ بأَنْ أُبْدِلَتْ ياءً كهمزةِ خطيئة والنسيء، ثم أُدْغِمَتِ الياءُ الزائدةُ في الياء المُبْدَلَةِ من الهمزةِ. وإن كانَتْ من الذَّرِّ فيجوزُ في وزنها أربعةُ أوجه، أحدُها: فُعْلِيَّة وتَحْتمل هذه الياءُ أَنْ تكونَ للنسَبِ وغَيَّروا الذالَ من الفتحِ إلى الضمِّ كما قالوا في النَسَبِ إلى الدَّهْر: دُهْري وإلى السَّهْل: سُهْلي بضمِّ الدال والسين، وأَنْ تكونَ لغيرِ النسَبِ فتكونُ كقُمْرِيَّة. الثاني: أن يكونَ: فُعِّيْلَة كمُرِّيقَة، والأصلُ: ذُرِّيْرةً، فَقُلِبَتِ الراءُ الأخيرةُ ياءً لتوالي الأمثال، كما قالوا تَسَرَّيْتُ وتَظَنَّيْتُ في تَسَرَّرْتُ وتَظَنَّنْتُ. الثالث: أن تكونَ فُعُّولة كَقُدُّوس وسُبُّوح، والأصلُ: ذُرُّْوَرة، فَقُلِبَتِ الراءُ لِما تقدَّم، فصارَ ذُرُّوْيَة، فاجْتَمَعَ واوٌ وياءٌ، فجاء القلبُ والإدغامُ كما تقدَّم. الرابع: أن تكونَ فُعْلُولة والأصل: ذُرُّوْرَة، فَفُعِلَ بها ما تقدّم في الوجهِ الذي قبله. وأمَّا ذِرِّيَّة بكسر الذال فإن كانت مِنْ ذَرَوْتُ فوزنُها فِعِّيْلَة، والأصل: ذِرِّيْوَة، فَأُبْدِلَتِ الواوُ ياءً وأُدْغَمَتْ في الياءِ بعدَها، فإنْ كانَتْ من ذَرَيْتُ فوزنها فِعِّيْلة أيضاً، وإنْ كانَتْ من ذَرَأَ فوزنُها فِعِّيْلة أيضاً كبِطِّيْخة، والأصل ذِرِّيْئَة فَفُعِل فيها ما تقدَّم في المضمومةِ الدالِ، وإن كانَتْ من الذَّرِّ فتحتمل ثلاثة أوجهٍ، أحدُها: أن يكونَ وزنُها فِعْلِيَّة نسبةً إلى الذرّ على غيرِ قياسٍ في المضمومةِ. الثاني: أَنْ تكونَ فِعِّيْلَة، الثالث: أن تكونَ فِعْلِيلَة كحِلْتيت والأصلُ فيها: ذِرِّيْرَة فَفُعِل فيهما ما تقدَّم من إبدالِ الراءِ الأخيرةِ ياءُ والإِدغامِ فيها. وأمَّا «ذَرِّيَّة» بفتحِ الذال: فإن كانَتْ مِنْ ذَرَوْتُ أو ذَرَيْتُ فوزنُها: فَعِّيْلَة كسَكِّينة، والأصلُ: ذَرِّيْوَة أو ذَرِّيْيَة، أو فَعُّولة والأصلُ: ذَرُّوْوَة أو ذَرُّوْيَة، فَعُعِل به ما تقدَّم في نَظيرهِ، وإنْ كانَتْ مِنْ ذَرَأَ فوزنُها: إمّا فَعِّيْلَة كسَكِّينة والأصلُ: ذَرِّيْئَة، وإمّا فَعُّولة كخَرُّوبة والأصلُ: ذَرَّوْءةَ ففُعِل به ما تقدَّم في نظيره. وإنْ كانَتْ من الذرّ ففي وَزْنِها أيضاً أربعة أوجهٍ أحدُها فَعْلِيَّة، والياءُ أيضاً تَحْتَمِلُ أَنْ تكونَ للنسَبِ ولم يَشِذُّوا فيه بتغيير كما شّذُّوا في الضم والكسرِ وأَنْ لا يكون نحو: بَرْنِيَّة، الثاني: فَعُّولة كَخرُّوبة والأصلُّ ذَرُّوْرَة، الثالث: فَعِّلية كسَكِّينة والأصلُ: ذَرِّيْرَة، الرابع: فَعْلُولة كبَكُّولَة والأصلُ: ذَرُّوْرَة أيضاً فَفُعِل به ما تقدَّم في نظيره، من إبدالِ الراءِ الأخيرةِ وإدغامِ ما قبلَها فيها وكُسِرَتِ الذالُ اتباعاً.